على الغاياتي شاعر الوطنية المهاجر صفحات منسية من تاريخ النضال الوطني تأليف:خيري أمين محمد د.أمل أمين
كتب  د.أمل خيري أمين ▪ بتاريخ 26/03/2020 05:22 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

 

 

مقدمة:

شاء الله أن أقضي طفولتي الباكرة يتيمة الأب، ولكني ورثت عنه حبًا للقراءة والاطلاع والكتابة مستفيدة من مكتبة ضخمة تركها والدي -رحمه الله- في بيته تحوي كتبا في شتى المناحي الفكرية والأدبية والعلمية.

وتسنى لي أن أطلع على بعض الأوراق المتناثرة التي خطها والدي بيده، وعرفت فيما بعد أنها مسودات لأطروحته التي كان ينوي التقدم بها للحصول على درجة الماجستير بقسم اللغة العربية، بكلية الآداب، جامعة القاهرة.

وتمر الأعوام وأنشغل بدراستي للماجستير والدكتوراه في الاقتصاد، ثم اتجاهي للعمل البحثي والكتابة، وكان من ضمن اهتماماتي كتابة الأبحاث في مجال تراجم أعلام الفكر العربي والإسلامي، فعدت لهذه الأوراق المتناثرة لأجد ما يصلح منه أن يؤلف كتابًا عن أحد الشخصيات الوطنية في العصر الحديث، وهو الشيخ علي الغاياتي.

فكرت أن أجمع هذه الأوراق وأعدها للنشر إحياءً لذكرى والدي، ليخرج هذا العمل للنور، ولكن راعني أن الأوراق غير مرتبة، وينقصها الكثير، وتحتاج لمزيد من العمل فترددت فترة، ثم استعنت بالله، وقررت البحث عن مصادر أخرى لمزيد إلمام بهذه الشخصية الوطنية لاستكمال هذا العمل الفكري.

ولم أكن أسعد حالاً من والدي الذي كان يؤكد في أوراقه أن الكتابات حول الغاياتي نادرة؛ فقد اكتشفت أنه حتى الآن ما زالت الكتابات قليلة، والمراجع نادرة، كما أنه أتيح له وقتها الحصول على مصادر أصلية لن تتاح لي، سواء من مقابلات شخصية مع أفراد من أسرة الغاياتي أو أصدقائه الذين عاصروه، إضافة إلى الأعداد الأصلية لمجلته منبر الشرق كاملة، والاطلاع على مذكرات الغاياتي الشخصية، وهو بالطبع ما لن يمكنني الحصول عليه بعد هذه السنوات.

لذا وبعد مرور ما يقارب الخمسين عامًا على تسجيل والدي لرسالة الماجستير وشروعه في إعدادها، آثرت استكمال هذا الجهد الفائق بإعادة تجميعه وترتيبه وتحريره، وإضافة ما يحتاج إليه من خلال المصادر القليلة الحديثة التي توافرت لدي، لأعد هذا الكتاب للنشر وفاءً لذكرى والدي من جهة، وتقديرًا لجهود (الشيخ علي الغاياتي) المجاهد الوطني، الذي طوته صحيفة النسيان عن عمد، وهو الشاعر الفذ والصحفي الموهوب الذي قضى جل عمره منافحًا عن وطنه ووطنيته.

وأعتبر الكتاب تأريخًا لمرحلة هامة في تاريخ النضال المصري ضد الاستعمار لم تنل حظها في التعريف بها، وقد اطلعت على بعض عناوين حديثة كتبت عن الشيخ لكن لم أتمكن من الحصول عليها، لكني أزعم أن ما كتبه والدي في مخطوطته جاء من مصادر لم يتسن من قبل، ولن يتسنى لأحد الحصول عليها لكونها مخطوطات بيد الشيخ أو تلامذته الذين قضوا نحبهم، كما أنه شاملٌ لحياة الشيخ وديوانه وصحيفته وجوانب شخصيته، ولم يقتصر على الدراسة الفنية للشعر أو التعريف بالديوان فقط كما فعل غيره، ولو كانت خرجت للنور في مطلع السبعينيات كما أراد لاعتبرت حينها وثيقة تاريخية نادرة.

ومما حفز والدي على الكتابة حول الشيخ علي الغاياتي ما رآه من سقوط سيرته إما سهوًا أو عمدًا، كما شجعته مقولة للشيخ نفسه ذكرها في مقدمة ديوانه فقال عن نفسه: "أما منزلتي في الشعر والحكم علي باعتباري شاعرًا فهذا ما لا عناية لي به، ولا اهتمام لي بشأنه، وما الأمر فيه إلا بيد الأجيال المقبلة وحدها إن شاءت كنت لديها أحد المحسنين، وإن لم تشأ فلا حرج عليها". وقد رغب والدي رحمه الله وقتها أن يكون واحدًا من هذه الأجيال التي تنصف الشيخ.

يقول الأستاذ فتحي رضوان عن الشيخ علي الغاياتي في كتابه (عصور ورجال): "لقد كادت ذاكرة التاريخ أن تهمل هذا الرجل العظيم الذي لم يُحسب على الشعراء ولم يُحسب على أعلام الصحافة بقدر ما كان خليطًا بين هذا وذاك نظير روحه العابرة والثائرة التي مرّت على أحلام مصر، وحلّقت بها قليلا للأعلى، وكان من أجمل تلك اللحظات تلك التي شهدت وثبة الروح الثائرة إلى بارئها…".

وقال أيضًا عنه: "…الشيخ علي الغاياتي هو أحد أفراد ذلك الجيل من المجاهدين الإسلاميين الذين تخرّجوا من مدرسة الحزب الوطني وقادته أمثال مصطفى كمال، وعبد العزيز جاويش، والورداني؛ الذين حملوا شُعلة النضال الوطني والإسلامي في بداية القرن، وكان له دور كبير في الإعداد للثورة التي اندلعت سنة 1919م".

وقد استعان الوالد بمصادر أصلية تنوعت بين مذكرات الشيخ وأوراقه الخاصة، وأعداد مجلة منبر الشرق الصادرة بالعربية والفرنسية، وقد أهدته أسرة الشيخ مجلدًا يحوي الأعداد الأصلية الصادرة خلال السنوات (1947-1953م)، وذكروا له أنها أعداد نادرة قدموها خصيصًا له لأنه أول من تصدى للكتابة عن الشيخ. كما أهدته أسرة الشيخ نسخة من ديوان وطنيتي موقعة بخط الشيخ ومهداة إلى مجلة الرسالة.

ويسعدني وأنا أقدم بين يدي هذا الكتاب أن أضع تعريفًا قصيرًا بمؤلف هذا الكتاب.

مؤلف هذا الكتاب هو الأستاذ (خيري أمين محمد) من مواليد القاهرة في الثامن من مايو عام 1939م لأب وأم مصريين، حفظ القرآن الكريم في أحد الكتاتيب، والتحق بالمدرسة الابتدائية، ثم الإعدادية، وتوفي والده وهو في المرحلة الإعدادية فاضطر لاستكمال دراسته في معهد المعلمين بالقاهرة، وتخرج منه بعد خمس سنوات دراسية.

ثم عين مدرسًا بالقاهرة، وعاصر في هذه الفترة سنوات الاتحاد بين مصر وسوريا فانتدب للعمل بسوريا، وكان يطلق عليها الإقليم الشمالي، فسافر في الفترة من 1958 إلى 1961م، وهي نفس فترة عمر الاتحاد الذي ما لبث أن انتهى، فعاد إلى القاهرة بعد انقضاء فترة انتدابه.

وكان أن انتهز فرصة إقامته في سوريا ليستأنف دراسته بجانب العمل، فحصل على شهادة الثانوية العامة بالقسم الأدبي، وبمجرد عودته لمصر تقدم للالتحاق بكلية الآداب جامعة القاهرة، فكان يجمع بين العمل والدراسة إضافة إلى التحاقه بالتجنيد الإلزامي.

إلا أن كل هذه المسؤوليات لم تمنعه من التفوق والتخرج من الكلية بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف عام 1965م، وكان الأول على دفعته، وكان المنتظر أن يتم تعيينه معيدًا بالكلية، إلا أن رئيسة القسم في ذلك الوقت، وهي كاتبة شهيرة معروفة بعدائها للإسلام والفكر الإسلامي، وتبنيها للتوجهات العلمانية والغربية ارتاعت من فكرة تعيينه معيدًا بالكلية، وهو المعروف بالتزامه وتدينه وتبنيه توجهات فكرية إسلامية، فاستبعدته من الوظيفة، وعينت بدلًا منه الطالب الذي يليه في الترتيب، نظرًا لتوافقه الفكري معها، وتأييده المطلق لتوجهاتها طوال سنوات الدراسة بالكلية، وظل هذا الطالب التلميذ الوفي لها، بل والوفي للأفكار العلمانية حتى اليوم.

على إثر ذلك قدم خيري أمين استشكالًا للجامعة للنظر في أحقيته بالتعيين، إلا أن رئيسة القسم استماتت في الدفاع عما سلبته منه، فكان أن كافأته الجامعة بمنحة لدراسة دبلوم اللغة العربية بمعهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة، فالتحق به وحصل على درجة الدبلوم في النقد والشعر عام 1968م، وحصل على تقدير جيد جدًا، ثم تقدم بتسجيل أطروحته للماجستير بكلية الآداب بعنوان: "على الغاياتي حياته وشعره" تحت إشراف الأستاذ الدكتور عبد الحميد يونس أستاذ الأدب الشعبي، والذي سعد بموضوع الأطروحة، وقدم له كل الدعم بتعريفه بأسرة الغاياتي.

وفي عام 1969م تزوج خيري أمين بالقاهرة، وقد ساعدته زوجته في كتابة رسالته على الآلة الكاتبة، ثم ما لبثت وزارة التربية والتعليم أن قررت إعارته إلى دولة الجزائر لتدريس اللغة العربية في إطار حركة التعريب التي انتهجتها الجزائر، فسافر في مطلع السبعينيات من القرن العشرين، فتوقف عن إعداد الرسالة مؤقتًا.

وبعد عودته ونتيجة لبعض الظروف الأسرية والصحية لم يتمكن من استئناف إعداد موضوعه، وما لبث أن توفي في 19 يونيو 1981م، إثر حادث أليم، ولم يتسن له استكمال جهده الفكري وإخراجه للنور؛ لذا وبعد مرور هذه السنوات أحببت أن أستكمل ثمرة جهده، وأستخرج درته المكنونة من بين ثنايا السطور والأوراق الصفراء، وأعدها للنشر، وأدعو الله أن يتقبل هذا العمل، وأن يوفقني لإخراجه في أفضل صورة، إنه على كل شيء قدير.

وقد قابلتني صعوبات عدة؛ يأتي على رأسها ندرة المصادر، وتفرق أجزاء الرسالة بين الأوراق المتناثرة دون ترتيب، كما أن المخطوطات المكتوبة بالحبر السائل بعد كل هذه السنوات قد ضاعت ملامح الحروف والكلمات فيها. أما المشكلة الأكبر التي واجهتني فهي عزو الفقرات إلى مصادرها، فأغلب فقرات الرسالة كانت منقولة بخط اليد من أعداد متفرقة من مجلة منبر الشرق دون ذكر أرقام الأعداد، ومن مذكرات الشيخ علي الغاياتي، ومن حوارات أجراها والدي مع أفراد من أسرة الشيخ، ومن مراسلات بين والدي وبعض تلاميذ الشيخ.

حاولت قدر المستطاع عزو الفقرات لمصادرها، كما استعنت ببعض المصادر الحديثة القليلة التي كتبت عن الشيخ، واستطعت الحصول عليها، وبذلت مجهودًا كبيرًا في تنسيق الشعر الذي حفلت به الرسالة، وأضفت أجزاء رأيتها مكملة للموضوع لإثرائه. وأخيرًا هذا جهد المقل، وأسأل الله تعالى أن يعينني على إخراج الكتاب بالصورة المثلى. 

(د.أمل خيري أمين - القاهرة 2019م)

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب