مختارات من رسائل الدكتور عماد الدين خليل إلى المعنيين بالهم الأدبي..(15/10)
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Mar 05, 2018   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
قول على قول

 

هذه مقتطفات من رسائل الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل إلى شعراء وأدباء ونقاد، اختارها بنفسه بعناية؛ لتكون نماذج من الرسائل التي تحمل الهمّ الأدبي والنقدي عامة، وفي مجال الأدب الإسلامي خاصة. وتظهر في هذه الرسائل عفوية العبارات، وصدق الأحاسيس والمشاعر، والحرص على أداء الواجب في ساحة الإبداع والنقد، من ناقد، ومبدع في فنون الأدب: شعراً، وقصةً، وروايةً، ومسرحيةً، من دون مجاملة للأدباء الذين يكتب إليهم رسائله، لأن الإبداع لا يرتقي بغض الطرف عما ينبغي تقويمه، وهو مع ذلك يتواضع ولا يقطع برأي، فيما يحتمل تعدد الرؤى. وباختصار إنه الأستاذية في النقد والتقويم. (التحرير)

 

 

· من رسالة إلى الأخ الأستاذ بشار صلاح الدين شبارد - رئيس مجلس الأمناء / بيروت (آب 1995م):
 

... تلقيت بغبطة بالغة وامتنان عميق رسالتكم الكريمة (ومرفق بها العدد الأوّل من: الإنسان المعاصر)، فأعجبت به منهجاً وموضوعاً وإخراجاً...

إنه يجيء في وقته تماماً، بموضوعاته المنتقاة بعناية، لكي يتحدث لأبناء هذا الدين وأصدقائه وخصومه على السواء، ولكي يقول لهم: كم أن منظور الحوار، والتعايش المشترك، وإقامة جسور التواصل والتفاهم مع "الآخر" إنما هي تقاليد مؤكدة في صلب عقيدتنا وتاريخنا وحضارتنا على السواء، وأنه ما من دين في هذا العالم أعلن رفضه للقسر الفكري، والإكراه كهذا الدين... وما من تاريخ أمة من الأمم لم يرغم فيه إنسان واحد على مدى قرون متطاولة على اعتناق عقيدة الغالب، كما يؤكد الدارسون، كهذا التاريخ.

إن "الإنسان المعاصر" بمنهجها هذا تفتح الباب على مصراعيه للسماح لكل من ينشد (الحقيقة) لكي ينفذ محاولته من أجل مقاربة أكثر لفهم هذا الدين والتعامل معه.

فبارك الله في القائمين على المركز، والكتاب الدوري، وأعانهم على مواصلة الطريق، لتعميق هذا "التقليد" الأصيل وتأكيده في حياتنا الراهنة. ولسوف أحاول ما وسعني الجهد تلبية طلبكم العزيز بالتواصل مع "الإنسان المعاصر" في جل أعدادها القادمة إن شاء الله، وذلك بمجرد أن أتخفف من زحمة الأعمال والمطالب التي تحاصرني عبر هذه الأشهر... شاكراً لكم ثقتكم الغالية باختياري عضواً في الهيئة الاستشارية للكتاب، داعياً الله سبحانه وتعالى أن يعينني لكي أكون عند حسن الظن، مع رجاء إبلاغ تحياتي للأخوين الفاضلين الأستاذ المهندس عمر الطيبي نائب الرئيس ورئيس التحرير والشيخ هيثم تميم أمين السّر وسكرتير التحرير، ولكل الإخوة العاملين في المركز والكتاب الدوري...

وأنتهز الفرصة لتقديم بعض المقترحات المتواضعة للأعداد القادمة من الكتاب:

أولاً: إعطاء اهتمام أكبر لقضية "الاجتهاد"، وتقديم بحوث تمسّ الحياة الإسلامية المعاصرة، وتحدّياتها الملّحة، وتعطي الإجابات عليها، الأمر الذي يمكن أن يجعل "الإنسان المعاصر" مدرسة أو منبراً يتلقى منه المسلمون معالم الطريق.

ثانياً: الاهتمام بالفقه الحضاري وقوانين الحركة التاريخية (أو تفسير التاريخ)، وهو أمرٌ بالغ الأهمية في زمن حوار الحضارات والجدل المتزايد بين الغالب والمغلوب.

ثالثاً: إعطاء مساحة مناسبة للآداب والفنون على مستوى التنظير والدراسة والنقد، (وليس على مستوى الإبداع بطبيعة الحال؛ فهذا له مجلّاته المتخصصة)، وذلك بسبب ما ينطوي عليه الخطاب الفني والأدبي من أهمية وتأثير بالغين.

ومن الله التوفيق...

***

 

· من رسالة للأخ الأديب سعيد ساجد الكرواني في المغرب (كانون الثاني 1996م):


 

... تلقيت بالبريد منذ أسابيع دراستك النقدية لشعر الأميري بعنوان: العالم الشعري عند الأميري من خلال: (ألوان طيف)، ومجموعك الشعري المعنون بـ(أمران أمرهما حلو)... وعكفت على قراءتهما وخرجت بالملاحظات التالية التي قد يكون بعضها تكراراً لما سبق أن ذكرته في رسائلي السابقة إليك...

أولاً: أنت أيها الأخ الحبيب ناقد أكثر من كونك شاعراً... صحيح أن هناك مقاطع وأبيات متألقة في بعض قصائدك، إن على مستوى الشكل أو المضمون، أو كليهما معاً... لكن قناعتي أن مجموعك الشعري يجب أن ينتظر فترة زمنية أخرى لكي يزداد نضجاً وإحكاماً... وقد أشّرْت على القصائد التي تعاني أكثر من خلل فني فكانت التالية: البرج العاجي، وحدة، روح سيف الله، جراحات، وهم، يا بوسنة، فروسية، تلاقح، حكمة وصلاح، أمي، عماد الدين، مقام الجهاد، البقرة الضاحكة، مودة، مكر الذئب، قلمي.

أما القصائد الأكثر إحكاماً فهي: الأمل، إعلان، طيور الإعصار، لا شرقية، بطاقة شهيد (التي تمثل أروع ما في الديوان)، دار المقامة، ديوان الإشارة، مشكاة، بصائر، زاد المعاد، حياة، قطر الندى، رغيف، بكوه، شموخ حبيبي، مهرجان، رضا عنان، ويأتي الربيع، بريد المشرق، علّامة أم الربيعين، لباس التقوى.

مع ضرورة عرض هذه القصائد على بعض الإخوة الشعراء لملاحقة بعض نقاط الخلل العروضِ الذي تسلّل إليها.

ويتمنى المرء أن لو تكون قصائد الديوان كلها بمستوى (بطاقة شهيد)، وسيجيء ذلك اليوم بالتأكيد، وذلك بالمزيد من الصبر والقراءات الشعرية، وتحسين الأداء الفني إن شاء الله.

رأيي المتواضع كرة أخرى هو ألّا تستعجل نشر مجموعتك الشعرية هذه لأنها سترتبط باسمك في ذهن القارئ، والأفضل أن تنزل إلى ساحة النشر الشعري بقوة قديرة على كسب القارئ وإقناعه.

ثانياً: دراستك النقدية للأميري، تؤكد قدراتك النقدية التي عبّرت عن نفسها في العديد من دراساتك ومتابعاتك عبر السنوات الأخيرة... ونحن اليوم – بصراحة – بحاجة إلى النقاد والدارسين أكثر من حاجتنا إلى الشعراء الذين تكتظ بهم الساحة... فلا تبخل علينا بعطائك النقدي والدراسي الذي يعد بملء المكان الموعود في مكتبة الأدب الإسلامي المعاصر إن شاء الله...

1499928502 217879

عمر الأميري

ثمة ملاحظة أحب أن أنّبه عليها في دراستك عن الأميري وهي ضرورة تجاوز العبارات الإنشائية، وبخاصة تلك التي تنطوي على قدر كبير من المبالغة، وتكشف عن إعجاب زائد قد يكون غير مقبول في ساحة النقد التي تقتضي حكماً عدلاً غير منحاز.

إن المحاور التي اخترتها لدراستك جيدة، وقد غذّيتها بالشواهد والاستنتاجات المقنعة لكن ما يؤثر عليها سلباً في بعض الأحيان هو ما ذكرته قبل قليل من مبالغة، وتعابير إنشائية، وإعجاب زائد. ولأضرب لك بعض الأمثلة:

- (صفحة 3): "ألا ما أروعها من صورة صادقة تساوي.. بل تفوق عشرة آلاف كلمة إذا جاز أن نستفيد من المثل الصيني!"!

- (صفحة 5): "مَنْ مِنَ العرب والمسلمين ومثقفي العالم لا يعرف قيمة الشاعر المفكر العملاق بهاء الدين الأميري؟ مَنْ مِنَ الشعراء والنقاد والأدباء لا يعرف صاحب الدواوين الثلاثين التي تحكي قصة العبقرية الفذة، والشاعرية المتألقة اللتين امتلك الأميري نواصيهما في سبحات روحه الشفيفة وعروج نفسه ذات الألق الحضاري المرسوم بذوق إسلامي رفيع"؟

- (صفحة 6): "إن الشاعر النموذجي الذي تتوفر فيه كل خصائص الشعر الإسلامي هو الشاعر الأميري".

- (صفحة 19): "والقصيدة على الرغم من طولها، فإنها سارت على نفس قوي واحد مشحون بقوة الشاعرية وتدفقها المتجانس".

- (صفحة 20): "المهم.. كان الأميري وما زال عبر أشعاره، يتمتع بنفس طويل في قصائده الطويلة، والقصيرة على سواء، إيقاعاً ولحناً لا تشعر معهما بملل لحضور التقنية الفذة".

- (صفحة 22): "وبهذا القدر من التفاعل في عملية التحقق الشعري لدى الأميري تنعقد الصلة بحميمية فائقة بين الذات والموضوع، ويلتحم أحدهما بالآخر التحاماً يجعل القارئ لا يرى إلّا الذات الشاعرة بتجلياتها القوية وبمعاناتها القاسية".

- (صفحة 26):  "ومن الخصائص الفذة عند الأميري... ".

- (صفحة 37-36): "وقد أمدّه طبعه الشاعري الثّر بقدرة فائقة على التصوير الحيّ".

- (صفحة 48): "انظر أخي القارئ في هذه المطابقة حيث يشترك معنيان بلفظة واحدة، وهي باب من أبواب البديع... "... إلخ...

ويا حبذا أن ترجع إلى الدراسة لملاحقة المفردات والتعابير التي تفصح عن الإعجاب الزائد، وأن تجعل قارئك نفسه يمارس عملية اكتشاف القيم الغنية في قصائد الأميري من خلال تحليلها بشكل موضوعي، وجعل النص يحكي بنفسه – دونما تدخل من الخارج – ما ينطوي عليه من إبداعات.

إن التوّجه النقدي الأكثر حداثة هو الذي يجعل النص حكماً على تقويم المعطى الأدبي، وإن المرء ليلحظ كيف أنك مارست هذا المنهج في مساحات واسعة من دراستك للأميري، لكن ما يؤثر سلباً بين الحين والحين هو تدخلك المباشر والمبالغ فيه بعبارات الإعجاب الزائد التي قد لا يرتاح لها قرّاء الأدب الإسلامي من داخل رؤيتهم الإسلامية، فكيف بمن هم من خارج هذه الدائرة؟!

أرجو أن يتّسع صدرك لملاحظاتي هذه، وقد وعدتني بذلك في رسالتك الأخيرة نفسها... وتبقى دراستك عن الأميري، قبل ملاحظاتي المتواضعة، واحدة من الدراسات القيّمة التي أنصفت هذا الشاعر، وعرفت كيف تتعامل معه بما يوضّح أبعاد تميّزه الفني، واحداً من شعراء الطليعة الإسلامية في القرن العشرين...

بارك الله فيك، وزادك عطاءً وإبداعاً... وأرجو إبلاغ أخي الدكتور حسن الامراني، بتسلّمي لديوانه الجديد (سآتيك بالسيف والاقحوان)، وامتناني العميق لهديته القيمة ودعواتي له بالمزيد من العطاء...

***

 


 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب