مختارات من رسائل الدكتور عماد الدين خليل إلى المعنيين بالهم الأدبي..15/14
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Jul 26, 2018   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
قول على قول

هذه مقتطفات من رسائل الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل إلى شعراء وأدباء ونقاد، اختارها بنفسه بعناية؛ لتكون نماذج من الرسائل التي تحمل الهمّ الأدبي والنقدي عامة، وفي مجال الأدب الإسلامي خاصة. وتظهر في هذه الرسائل عفوية العبارات، وصدق الأحاسيس والمشاعر، والحرص على أداء الواجب في ساحة الإبداع والنقد، من ناقد، ومبدع في فنون الأدب: شعراً، وقصةً، وروايةً، ومسرحيةً، من دون مجاملة للأدباء الذين يكتب إليهم رسائله، لأن الإبداع لا يرتقي بغض الطرف عما ينبغي تقويمه، وهو مع ذلك يتواضع ولا يقطع برأي، فيما يحتمل تعدد الرؤى. وباختصار إنه الأستاذية في النقد والتقويم. (التحرير).


 

 

 

 

 

 

·  من رسالة إلى الأديب المبدع أنور عبد العزيز في الموصل (تشرين الثاني 2009م):

anwar abdulaziz

تحية من القلب أيها الأخ والصديق...

لقد تلقيت رسالتك المؤثرة بامتنان عميق... حروفها كانت تنبض بالصدق والمحبة، في زمن كاد ينضب فيه كل شيء...

"ضوء العشب" بعنوانه المشحون المحّمل بالشعرية جعلني أبحث في مجموعتك القصصية المتألقة عن "الشاعر" الذي يكمن وراء "القاص"، وأتذكر مقولة الروائي الكولومبي (ماركيز) في إحدى حوارياته: "الرواية هي نقل شعري للعالم"...

وكان رأيي منذ زمن بعيد أن القصة القصيرة نفسها؛ إن التصقت بالأرض بأكثر مما يجب، وغاب في نبضها صوت الشعر، فليست بقصة!!

وكثيراً ما رددت في كتاباتي بأن المسرح النثري أشد درامية وتأثيراً من المسرح الشعري؛ لماذا؟ لأن الشعر المكشوف ذا الصوت العالي يضعف في الحوار نبضه الشعري المؤثر الذي يختبئ خلف الكلمات... الموسيقى الداخلية قد تكون أشد وقعاً منها وصوتها يتكشف بأكثر مما يجب...

أخي العزيز... يبدو أننا نتشابه في كثير من الأمور... هكذا قلت في نفسي وأنا أقرأ رسالتك.

رفض الاعتقال في زنزانة التخصّص الدقيق... وغياب الفضاء المعرفي لمعظم الأكاديميين جعلهم لا يقدرون على شيء، وجعل كتاباتهم تعاني من التضحّل والتيبّس... أكثر من هذا أنها تثير القرف والغثيان، ولا يستطيع إنسان، مهما أوتي من صبر أن يواصل قراءتها بأكثر من صفحة أو صفحتين.

وكنت أقول في مناقشاتي لطلبة الدراسات العليا، إنكم - أيها المؤرخون - ما لم تقرؤوا أدباً (الرواية والمسرحية والشعر والقصة والسيرة الذاتية والمقال...) فلن تكونوا مؤرخين بحق، ولسوف تصابون بالعقم التعبيري، وعدم القدرة على الإبداع حتى في مجال تخصصكم.

إن الموسوعيين وليس الأكاديميون، هم الذين كانوا يلقون في البئر الساكنة الحجارة فتحركها... هم الذين كانوا ينفخون في موات الأرض اليباب، فتدبُّ فيها الحياة... في الشرق والغرب، كان هؤلاء وسيظلون هم عصب الحركة الثقافية وعنفوانها...

أخي العزيز: ما ذكرته عن (عمر الطالب) رحمه الله، كنت على دراية بكل حلقاته وتفاصيله، والكثير مما ذكرته في رسالتك يمثل قناعتي أنا الآخر... ولكن الرجل توفي، وأفضى إلى أعماله، ولا أريد – من ثم – أن أدخل في التفاصيل.

وقد بدأت علاقتي به مثلك تماماً عندما كان يدرّسنا الاقتصاد في الشرقية عام 1957 – 1958م، ثم استؤنفت في أواخر الستينيات من خلال لقاءاتنا المتكررة في القاهرة كغرباء يواصلون دراستهم للدكتوراه... ثم جمعتنا كلية الآداب، وتقارب أحيائنا السكنية، فكنا نلتقي مرة في الأسبوع نتحدث في هموم الجامعة وقضايا الأدب والفكر.

لكن عندما ذهب إلى المغرب، للتدريس في جامعاتها، وعاد منها في منتصف الثمانينيات، توقفت هذه اللقاءات، وأصبحت في السنة مرة واحدة من قبيل الوفاء، وقد يكون أحد الأسباب اندفاعه الزائد وراء الحداثة والحداثيين، ولم يكن كذلك قبل رحلته المغربية.

والحق أنه كان يستمع لنقدي لأعماله الأدبية بقلب مفتوح، رغم أنني كنت ألحّ في هذا النقد، وأقسو أحياناً، دون أن يبدي امتعاضاً...

الحديث يطول - أيها الأخ والصديق - ويسعدني أن أرفق لك روايتي الأخيرة (السيف والكلمة) التي اعتبرها واحدة من أكثر أعمالي قرباً إلى نفسي...

وها هنا أيضاً ثمة لقاء على غير ميعاد مع القاص أنور عبد العزيز... (الشعرية) التي تختبئ خلف الكلمات من بدء العمل حتى نهايته...

لك محبتي وتقديري.

***

 

· من رسالة إلى الدكتور عبد الحفيظ بورديم في الجزائر (نيسان 2010م):



... لن أكون مبالغاً إن قلت بأن بحثك القيّم (مزالق التعليم الأدبي وتأثيره في وضوح الرؤية الكونية) يعد من الضرورات الملّحة، ليس فقط كبحث يلقى في مؤتمر، بل دليل عمل وترشيد للجامعات العربية والإسلامية، ولكل المشتغلين بالهّم الأدبي ألّا ينساقوا وراء المزالق التي عرفت كيف تشخصها، والتي قادت الأجيال تلو الأجيال إلى الضياع وغياب الرؤية الصائبة.

أقترح عليك أن توسّع نطاق بحثك القيّم هذا، وأن تصدره كتاباً سيكون لك أجره وأجر كل من سيطلع عليه...

***

 

· من رسالة إلى الأخ الفاضل الدكتور فتحي ملكاوي - المدير الإقليمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي  (نيسان 2010م):


اطلعت على مسودة كتابكم القيم (قراءات في مشروع إسلامية المعرفة)، فرأيت بحوثه أشبه بحلقات يمسك بعضها برقاب بعض وفق تسلسل محكم يستفيض في تحليل دلالات المشروع من خلال الوقوف طويلاً عند كل مفردة: (المعرفة)، (الإسلامية)، (المشروع)، ثم هو يمضي لجملة من الوقفات الضرورية عند المحطات الأساسية في تاريخ المعرفة، ويعقبها بمحاولة لتحديد المدى الزمني لجهود إسلامية المعرفة، ومعوقات المشروع، وحدود المعرفة، وهوية المعرفة، يعقبها بتحليل معمق لإسلامية المعرفة من خلال رؤية أبعادها الثلاثة: التأسيسية، والتشخيصية، والعلاجية، ثم هو يعرض ويحلل جملة من مواقف بعض المعارضين للمشروع على تباين مستويات المعارضة.

ويكاد يكون بحث (وحدة المعرفة وتكاملها) مسك الختام؛ ليس فقط لكونه يتناول موضوعاً يتميز بالجدة والحداثة، وانما لكون ظاهرة الوحدة والتكامل المعرفي أصبحت في معطيات العديد من الفلاسفة والباحثين في شتى مناحي المعرفة، ضرورة من الضرورات إذا أردنا أن نصل – بالفعل – إلى جوهر الحقائق الكونية والوجودية أو مقاربتها على الأقل بما أن المعرفة الإنسانية، بل حتى الصرفة، ليست منضبطة بشكل مطلق.

ثمة ميزة أخرى لهذه الحلقة وللحلقات البحثية التي سبقتها أن الباحث يرجع في تركيبه للمادة، وفي النتائج التي يتوخى التعاطي معها، إلى أكثر البحوث حداثة وفي لغتها الإنكليزية الأصلية، فيما يجعل معطيات البحث تتسم بتوثيق أكثر إحكاماً من تلك البحوث التي تلجأ إلى ما يترجم عن هذه اللغة أو تلك.

والحق أن نشر قراءات الباحث هذه في مشروع إسلامية المعرفة، يعد ضرورة من الضرورات البحثية وإضافة ذات غناء لأدبيات المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

***

 

·  من رسالة للأخ مطلق الثبيتي في الرياض (مارس 2010م):


تلقيت بامتنان رسالتك الأخوية فأهلاً ومرحباً بك.

أولاً: بالنسبة لمعرفة التاريخ الإسلامي والعالمي فإن الكتب كثيرة، ويمكنك الرجوع إلى قائمة مراجعي في آخر كتابي (مدخل إلى التاريخ الإسلامي)، كما أنصحك بقراءة أعمال الصلابي، ومحمود شاكر، وأكرم العمري.

 أما بالنسبة للتاريخ العالمي فهنالك كتاب (قصة الحضارة) لول ديورانت، و(تاريخ العالم) لـ: ج. ويلز وكلاهما مترجم إلى العربية، ولكن يجب الحذر من بعض أفكارهما التي تتعارض وثوابتنا الإسلامية.

ثانياً: بالنسبة للحياة المعاصرة والصناعة العقلية المكافئة للواقع المعيش أنصحك بقراءة إصدارات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وقد تجاوزت الثلاثمائة عدداً، وهي خير زاد للمثقف المعاصر، وأغلب الظن أنها تتوفر في مقر المعهد في الرياض، وفي فروعه في البلدان العربية وخاصة عمان / الأردن.

ثالثاً: كما أنصحك بقراءة الكتب الرائعة التالية (الطريق إلى مكة) لمحمد أسد، (وعود الإسلام) لرجاء غارودي، (إنسانية الإسلام) لمارسيل بوازار، (سقوط الحضارة) لكولن ولسن.

تمنياتي لك بالتوفيق.

***

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب