مختارات من رسائل الدكتور عماد الدين خليل إلى المعنيين بالهم الأدبي..(15/15)
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Sep 12, 2018   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
قول على قول

مختارات من رسائل الدكتور عماد الدين خليل 

إلى المعنيين بالهم الأدبي..(15/15) 

الأخيرة

 

هذه مقتطفات من رسائل الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل إلى شعراء وأدباء ونقاد، اختارها بنفسه بعناية؛ لتكون نماذج من الرسائل التي تحمل الهمّ الأدبي والنقدي عامة، وفي مجال الأدب الإسلامي خاصة. وتظهر في هذه الرسائل عفوية العبارات، وصدق الأحاسيس والمشاعر، والحرص على أداء الواجب في ساحة الإبداع والنقد، من ناقد، ومبدع في فنون الأدب: شعراً، وقصةً، وروايةً، ومسرحيةً، من دون مجاملة للأدباء الذين يكتب إليهم رسائله، لأن الإبداع لا يرتقي بغض الطرف عما ينبغي تقويمه، وهو مع ذلك يتواضع ولا يقطع برأي، فيما يحتمل تعدد الرؤى. وباختصار إنه الأستاذية في النقد والتقويم. (التحرير).


 


 

 

· من رسالة إلى حمزة هشام في عمان (تموز 2008م):

... من القلب خرجت كلماتك... صفحة ونصف ولكنها تنطوي على الكثير من القيم والتعاليم في دنيا الفكر والمفكرين... وكم أتمنى أن يتعلم منها الآخرون فهي بحق معالم على الطريق...

لن أعيد ما قلته، ولكني أقول لك: إنني معك في كل كلمة رسمتها بعفوية هي أشد تأثيراً من التصاميم المسبقة للأفكار...

من معين الإيمان والتسليم بانصرام الحياة الدنيا وتغاير الأجيال ومواصلة الطريق، تدفقت كلماتك... إذا كان الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم قد مات، فإن على أمته أن تواصل المشوار، ولن يقف الجيل السابق سدّاً أمام الجيل اللاحق أبداً، وإنما هو التواصل والاستمرار وتراكم الخبرات...

وحمزة هشام يعكس هذه الرؤية، ليس بكلماته فقط؛ وإنما بسلوكه المكافح للصعود وملء الفراغ... فامض - يا ولدي العزيز - على بركة الله في ظلال سنن الله التي لا تتبدل ولا تتحول... امض على بركة الله...

ولدي العزيز: سعيد أنا ببنوتك الفكرية لي، وأنا واثق بأنك ستقرؤني لتعرف كيف أفكر، وليس لتفكر كما أفكر. لقد لمست استقلاليتك منذ اللحظات الأولى، وهذا سيجعل التواصل بيننا أكثر إيجابية إن شاء الله...

كتابة سيرتي الذاتية مثبتة ضمن مشاريعي القادمة، وقد أعطيها الأولوية عبر السنوات القادمة بمعونة الله، وذلك – كما تقول – من أجل ألّا تؤوّل الأفكار على غير ما أردته لها.

فلسفة الموت وعلاقتها بفلسفة التاريخ لا جدال فيها، سواء على المستوى الفردي أم الجماعي، وقد عالجت ذلك في (التفسير الإسلامي للتاريخ)، والحاكم الذي يعد بعدم تكرار أخطاء الذين سبقوه، يذكرني برائعة (سارتر) (الدوّامة) وهو يعالج مأساة "الثوري" الذي يتميز بالنقاء، ولكنه ما أن يتسلم السلطة من الذين ثار عليهم حتى يجد نفسه يتخبط في الوحل مثلهم تماماً.

ولكن هذا ليس قدراً أبدياً ففي تاريخنا الإسلامي تمكن رجال كعمر بن عبد العزيز ونور الدين محمود بن عماد الدين زنكي اللذين تناولت كل واحد منهم في كتاب، على الانقلاب على أخطاء سابقيهم، وإعادة بناء الدولة والحياة فيما يرضي الله ورسوله وجماهير المسلمين.

لك محبتي واعتزازي.

***

 

 

·  كلمة إلى ندوة جامعة ديالى المنعقدة في 25/9/2010م:

 

 


... حسناً فعلت جامعتكم العامرة باختيار موضوع (إحياء التقاليد الجامعية والأعراف الأكاديمية) عنواناً للمؤتمر بمحاوره العديدة.

فالحق أننا بأمس الحاجة لبذل جهد استثنائي للتحقق بهذا الذي يجتمع المؤتمرون من أجله بعدما أصاب تقاليدنا الجامعية وأعرافنا الأكاديمية من انهيارات وكسور.

إن الأمر جد، وعلينا جميعاً أن نتداعى للعمل، وتحديد سبل الخروج من الورطة، وإلّا فإن الانكسارات ستزداد اتساعاً، والكسور ستسحق العظم فلا يرجى له شفاء.

ليست رؤية تشاؤمية وحاشا لله!... وإنما هو الأمر الواقع، فما لم نشخص الداء، ونقرّ بوجوده فلن يكون بمقدورنا أن نعثر على سبل العلاج.

منذ أكثر من ربع القرن وجامعاتنا تخرّج أجيالاً ممن يمكن أن ينطبق عليهم وصف "الأمية المقنّعة" يعلقون على صدورهم شهادات البكالوريوس والعقول خواء... هنالك استثناءات بطبيعة الحال ولكنه الاستثناء الذي يعزز القاعدة ولا ينفيها...

ما الذي حدث؟

معلمون مسحوقون نفسياً ومعيشياً وثقافياً... الفارق بينهم وبين معلمي الأربعينيات والخمسينيات والستينيات يصعب عبوره... يقذفون بالصبيان الفارغين إلى المتوسطات والإعداديات فيتلقاهم مدرّسون لا يقلون سوءًا إلّا من رحم ربك... ويدفع هؤلاء بالمساكين إلى سوح الجامعات فيتلقاهم تدريسيون لا يقرأ أحدهم في العام كلّه كتاباً واحداً، ولا يتحرك لإنجاز بحث مبدع واحد لولا عصا ضرورات الترقية العلمية والاستمرار في العمل الجامعي.

حلقة مفرغة ومحزنة، يجب أن نسارع إلى كسرها، وفتح الممرات الممكنة للخروج من المحنة... وهي بحق "محنة" تمسك برقاب شبابنا الذين يفترض فيهم أن يملؤوا الفراغ الذي ستتركه لهم الأجيال السابقة، وأن يقدموا لأمتهم وشعبهم وبلدهم العطاء العلمي والثقافي المتدفق المبدع الأصيل، وإلّا فهو الانقطاع الذي يؤذن بالمزيد من الانهيار.

كلنا نذكر كيف كانت جامعة بغداد بكلياتها المختلفة تخرّج في خمسينيات وستينيات القرن الماضي عمالقة الفكر والأدب والتاريخ والطب والهندسة والقانون... أسماء لامعة ملأت الدنيا، وشغلت الناس، ليس في الساحة العراقية وحدها؛ ولكن على مدى العالم كلّه...

شعراء كبار، ومؤرخون كبار، وأطباء كبار، ومعماريون كبار، وباحثون كبار... منجم مدهش كانت جامعة بغداد يومها، فأين هي اليوم الجامعات العراقية التي ازدادت عدداً وشحّت عطاءً وإبداعاً... تسمع لها جعجعة ولا ترى لها طحيناً؟

مرة ثانية وثالثة ورابعة... ما الذي حدث؟

والجواب بأكبر قدر من الإيجاز، وبعيداً عن استدعاء الخلفيات الفلسفية والتنظيرية التي تعقّد الأمور ولا تجلوها... أن أجيالنا منذ سبعينيات القرن الماضي لم تعد تقرأ!! الطلبة والمعلمون والمدرّسون والأساتذة الجامعيون... لم يعد أحد منهم يقرأ!!

والمقصود ليست القراءة المتثائبة لكتاب واحد في السنة أو السنتين ولكنها القراءة الذكية المتوترة، المنتجة، المتفاعلة مع الكتاب، والتي تمضي لكي تلتهم في العام الواحد عشرات الكتب... والتي تمزج الليل بالنهار، حيث تصير "المطالعة" خبز الإنسان اليومي، يقبل عليها بشغف، ويمسك بالكتاب بعشق، لكي يرتشف كل ما يمكن أن يقدّمه، فيعتصره اعتصاراً حتى الثمالة...

في خمسينيات القرن الماضي وستينياته ما كان الطلبة، حتى وهم يذهبون إلى المقاهي..، إلا وهم يحملون كتاباً... كانوا يعرفون كيف يوظفون الزمن، وكان معلموهم ومدرّسوهم وأساتذتهم يسبقونهم ويغرونهم بالمزيد من القراءة لأنهم هم أنفسهم كانوا مطلعين من الطراز الأوّل...

وعلى مدى عشرين أو ثلاثين عاماً وأنا أعيد القول على طلبتي الجامعيين لعلهم يستيقظون قبل فوات الأوان: إن عشرين سنة من الدراسة في المدارس والمعاهد والجامعات، وعشرين سنة أخرى من الجلوس وراء التلفاز لن تخرج مفكراً ولا مؤرخاً ولا أديباً ولا باحثاً ولا مبدعاً... وإن الذي يخرج هؤلاء هو "الكتاب ".

فلما غاب الكتاب من ساحاتنا، وقرأنا (الفاتحة) على تقاليد المطالعة الأصيلة، حدث هذا الذي حدث، والذي لا زلنا نكتوي بجمراته حتى الآن...

أيها الإخوة والأساتذة الكرام الذين يطلبون تقديم توصيات لهذا المؤتمر المبارك... فها هي ذي إذن التوصية الأولى والثانية والثالثة والعاشرة: أن نغري أنفسنا ومعلمينا ومدرّسينا وأساتذتنا وطلبتنا بعشق الكتاب، واعتبار المطالعة الخارجية فرض عين على كل طالب يطمح لأن يصير مثقفاً بحق، وأن يقدم لشعبه، وهو يجتاز في اللحظات الراهنة ظلمات بعضها فوق بعض، سبل الخروج إلى عالم الضوء!!

وقد ينبثق عن هذا جملة من التوصيات الفرعية من مثل:

1- أن يقوم كل معلم ومدرس وأستاذ بترتيب قائمة متنوعة وخصبة بأهم الكتب التي يراها جديرة بالقراءة، ويوزعها على الطلبة، ويحاول أن يلزمهم بقراءتها.

2-  أن يضاف مقرر "المكتبة والكتاب" إلى مقررات مناهج البحث في المعاهد

والجامعات، وأن يعطى حتى لطلبة الإعداديات والمتوسطات.

3- ألّا يجتاز سلّم الترقيات العلمية إلّا أولئك التدريسيون الذين تعكس بحوثهم قدراتهم الإبداعية، وثقافتهم الواسعة، فضلاً عن تخصّصهم العميق.

4- أن توضع جملة من الحوافز المادية والمعنوية للطلبة الذين يقرؤون أكثر.

5- أن تبرمج صيغ التعامل مع التلفاز بحيث تترك الوقت المناسب للمطالعة.

6- ن تتولى إدارات المدارس والأقسام العلمية تزويد الطلبة بالكتب الأكثر أهمية على سبيل الإعارة أو الإهداء.

7- أن تكون الحوافز المعطاة في المناسبات مجموعات من الكتب المنتقاة بعناية.

8- تغذية المكتبات المركزية للجامعات بأحدث الإصدارات في سياقي الكتب والدوريات.

9- وقبل هذا وبعده؛ أن يبذل المعلم والمدرس والأستاذ جهداً استثنائياً لإغراء الطلبة بالمطالعة واستعادة تقاليدها الأصيلة والتحقق بعشق الكتاب.

الطريق طويل... والتحديات كثيرة، ولكن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة... ونحن أمة كانت خطواتها الأولى في تشكلها الحضاري: كلمة (اقرأ) التي أمر بها الرسول المعلم عليه أفضل الصلاة والسلام...

وبكلمة (اقرأ) تلك فعلت الأفاعيل، وتمركزت في سقف العالم لعدة قرون...

*** انتهت ***

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب