مصطلح الأدب الإسلامي: المسوغات والأبعاد (3/1)
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Jul 01, 2020   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
قول على قول / د. محمد ويلالي - جامعة أم القرى

 

 

 

 

اشتملت هذه الدراسة على أربعة مباحث:

المبحث الأول ظهور المصطلح.

المبحث الثاني الأدب الإسلامي والأدب العربي.

المبحث الثالث: مصطلحات أخرى:

1- أدب الشعوب الإسلامية.   2- أدب الدعوة الإسلامية.

3-الاتجاه الإسلامي في الأدب. 4-الأدب المسلم . 5-آداب المسلمين.

 6-الأدب الديني. 7- أدب العقيدة الإسلامية.   8- الأدب الأخلاقي.

المبحث الرابع: الأدب الموافق للأدب الإسلامي.

مصطلح الأدب الإسلامي: المسوغات والأبعاد 

المبحث الأول: ظهور المصطلح:

يَعْتقد كثيرٌ من الدَّارسين أنَّ مصطلح الأدب الإسلامي من المصطلحات التي ابتُدِعَت قبل أربعة عقود تقريبًا؛ سَيْرًا مع صَيْحة المصطلحات التي بزَغَتْ في النِّصف الثَّاني من القرن العشرين، وبَحْثًا عن مكان لهذا الأدب ضِمْن الآداب الأخرى، وهو ما حدا بالدِّراسات الحديثة أن تتعامل معه كأنَّه مولودٌ جديد، ليس له مكان في ذاكرة المسلمين، التي تمتدُّ عبر قرون.

والحقُّ أنَّ هذا المُصطلح -بِغَضِّ النَّظر عن مضمونه الحديث- قد أُطْلِق على أدبِ ما يُعْرَف بـ"عَصْر صَدْر الإسلام"، الَّذي يبدأ مَنْذ البعثة النبوية، ويستمرُّ إلى قيام الدَّولة الأموية، كما أنَّ هذا المصطلح – كمُصْطَلَح  "الأدب العربِيِّ" تردَّد في كتب المُسْتشرقين أواخِر القرن التَّاسع عشر.

ومصطلح "الأدب العربِيِّ" الذي يبدو راسِخَ الجذور، لم يُعلَم له ذِكْر بِدَوْره، إلا في هذه المدَّة الزَّمنية، فليس أحَدُ المصطلَحَيْن بِأَوْلى من الآخَر بالطَّعن من حيث جدَّة استعماله.

يقول المُحَقِّق "عبده زايد"  -وهو بِصَدد تَحْدِيد الْمَدى الزَّمنِي للمصطلحَيْن-: "ونَحْن إذا ترَكْنا المعركة المفتعلة بين المصطلحَيْن، ورجَعْنا إلى الوراء نُفَتِّش عن بدايات ظهور "الأدب العربِيِّ"، فإنَّنا سنجد أنَّ هذا المصطلح جديدٌ نسبيًّا؛ فمدى عِلْمي أنَّه ظهر في القرن الميلاديِّ الماضي (التَّاسع عشر) على ألْسِنَة المستشرقين، الَّذين كانوا عاكفين على آداب الشَّرق جَمْعًا وتحقيقًا، ودَرْسًا وتأريخًا، وأن الذين كَتبوا في "تاريخ الأدب العربِيِّ" -تَحْت هذه اللاَّفتة- من العرب، كانوا تابعين لا مُبْتكرين، وأنَّ الكتابات العربيَّة الأُولى في "تاريخ الأدب العربيِّ"، لم تَكُن على أيدي المسلمين، فقد بدَأَها "جُرْجي زيدان" في مجلَّة "الهلال"، بدءًا من العدد التاسع من السنة الثَّانية لِصُدورها، وكان ذلك عام 1894م، فإذا قيل عن مصطلح الأدب الإسلامي: إنه مصطلَحٌ مبتدَع لَم يعرفه أسلافُنا؛ فإنَّ مصطلح  "الأدب العربي" مبتدَعٌ، لَم يعرفه أسلافُنا أيضًا(1).

كما أنَّ مُصطلح الأدب الإسلامي يُطْلَق ويُراد به الْحَضارة الإسلاميَّة كَكُل، أيًّا كانت لُغَتُها؛ ولذلك كان يستعمل مقيَّدًا، كمُصطلح: "الأدب العربيِّ الإسلامي"، ومُصْطلح: "الأدب التُّركي الإسلامي"، ومصطلح: "الأدب الإسلامي الفارسي"(2)، ثُم استُعْمِل مصطلح الأدب الإسلامي بِمَفهومه الحالِيِّ المستقرِّ عليه منذ خَمْسين سنة تقريبًا.

 


فالْمُصطلح في حدِّ ذاته مَشاع ومعروف منذ زمن ليس باليسير، حيث بدأ تبَلْوُر مفهومِه وتشكيل أسُسِه، واستقرَّ أخيرًا على يد الأُدَباء الإسلاميِّين، في النِّصف الثَّاني من القرن الماضي) العشرين(، حيث أُطْلِق لأوَّل مرَّة - بمفهومه الجديد - سنة 1952م على يد "سيِّد قطب" في كُتيبه: "في التاريخ.. فكرة ومنهاج"، وحَدَّدَ تعريفَه الذي رَسَخ عند الدَّارسين بعده، حيث قال: "هو التعبير النَّاشئ عن امْتِلاء النفس البشرية بالمشاعر الإسلامية"(3).

هذا على مستوى الأدب الإسلامي مصطلحًا، أما مضمونًا -وهذا أهمُّ- فقد عُرِف منذ نزول الوحي؛ إذِ القرآن الكريم نَفْسه، وكذا السُّنة النبويَّة، يُعتبَران من أعظم النَّماذج المُجسِّدة لِمُقوِّمات الأدب الإسلامي.

ولو ذهَبْنا نستقصي النُّصوص الواردة في ذلك، لَحَصلنا على ثَرْوة هائلة، وحسْبُنا هنا أن نسوق كلمةً" لأبي عُمَر بن عبدالبَرِّ" يُجْمِل فيها هذا الموقف، قال: "ولا يُنكِر الحسَنَ من الشِّعر أحدٌ مِن أهل العلم، ولا من أولي النُّهى، وليس أحدٌ من كبار الصَّحابة وأهل العلم، وموضِعِ القدوة، إلا وقد قال الشِّعر، أو تَمَثَّل به، أو سمعه فرَضِيَه، ما كان حكمة أو مُباحًا، ولم يكن فيه فُحْش ولا خنًا، ولا لِمُسلم أذًى"(4).

وقد تعاورَتْ كتب الأدب(5) خبَر  "عمر بنِ الخطَّاب" -رضي الله عنه - حيث حكم على شاعرٍ جاهليٍّ، هو "زهير بن أبي سُلْمى"(6)، منطَلِقًا من الثوابت الإسلامية التي يجب أن يتسيَّج بِها الشَّاعر النَّاجح؛ فهو يرى أنَّ زُهَيْرًا يتقدَّم على الشُّعراء، بل هو أشعَرُهم؛ لأنَّه كان لا يُعاظل(7) بين الكلام، ولا يتتبع حوشِيَّه(8)، ولا يَمْدح الرَّجل إلا بما فيه.

وهذا حكمٌ يتناول الجانب الفنِّيَّ والمضمونِيَّ على السَّواء؛ فهو شِعْر مألوف، ليس غريبًا ولا معقَّدًا، ولا متراكِبًا، ثم هو شعر صادق، ليس مُتمحّلاً ولا مُزَوَّرًا، وهو مدح ليس للتَّزَلُّف وقضاء المصالِح، وإنَّما هو مدْحٌ للرَّجل بما فيه من أوصافه الحقيقيَّة الواقعية؛ ولذلك لم يُخْفِ "سيِّد قطب" انْبِهارَه بِهذا السَّبْق التاريخيِّ في دُنْيا النَّقْد الأدَبِيِّ الإسلامي عامَّة، والعربي خاصَّة، فقال: "عُدَّ هذا فَلتة سابقة لأوانِها في النَّقْد العربي"(9).

فلْنَقُل مطمئنِّين: " إنَّ الأدب الإسلامي في هذه المرحلة المبكِّرة، بدأَتْ تتحدَّد معالِمُه الفنِّية والمَضْمونيَّة، وبدأت تتميَّز خصائصه عن الأدب السَّائد قبل الإسلام، هذه الخصائص، وتلك المَعالِم، وإن لم تكن قد عَرَفت التَّدوين والتبويب، غيْر أنَّها تركَّزَت في الأذهان، وحُفِرَت في القلوب.

ولنا أن نتساءل: إذا كان الأدبُ الإسلامي موجودًا فعلاً في هذه المرحلة والمراحل اللاَّحقة، فلِمَ لَم يَظْهر المصطلحُ بِمَدلوله الخاصِّ، ولم تَذْكُره كتب النَّقد على كثرَتِها، إلا في العقود الأخيرة مِن هذا القرن؟

يُمْكِن إجْمالُ الجواب في النِّقاط الثلاثة الآتية:

أ- إنَّ استقرار مصطلحٍ ما، لا بُدَّ أن تتوافر له شروطُه ودوافعه التي تَجْعل منه هاجِسًا يضغط على النُّقَّاد، وتكون سببًا في ابتكاره، وأهمُّ هذه الشروطِ: وجودُ مصطلحات أخرى منافِسَة أو مُحتكِرة للسَّاحة النَّقْدية والإبداعيَّة، أو وجود تيَّارات أخرى مُعادية، تدفع بالنَّاقد المُسْلِم إلى تسمية الأشياء، ووضع ضوابطِها الجامعة المانعة، وكلُّ هذا لم يكن له وجودٌ آنذَاك، فكان الأدبُ إمَّا جاهليًّا، وإمَّا إسلاميًّا، وكان هذا الأخير طاغيًا مالِكًا على الناس نفوسهم وعقولَهم وألسنتهم.

لقد كان الإسلامُ الهواءَ الطبعيَّ الذي كانوا يتنَفَّسونه، ولم يكن أحدٌ منهم مُحتاجًا إلى أن يؤكِّد إسلاميَّتَه في الأدب، كما لم يكنْ في حاجة إلى أن يؤكِّد إسلاميته في المجالات الأخرى، فقد "كان الأدبُ العربيُّ في عصر النبوَّة والخلافة الرَّاشدة، أدبًا إسلاميًّا في جُمْلته"(10)، أمَّا ما كان منه مُخالفًا للعقيدة، أو مُجافيًا للأخلاق، فقد كان صَوْتُه خافتًا، وأثره ضئيلاً.

وكان الشُّعراء المتماجنون مستَتِرين مقموعين، "فإذا ظَلَّ "الأدب العربيُّ"  معروفًا بِهذا الاسم، فلأنَّه انْضَوى في منهجه تَحْت لواء الإسلام -شعْرِه ونثره- وما شذَّ عنه كان مُماثلاً لما شذَّ من أفعال المسلمين وتصرُّفاتِهم، وكان الحكم على الشاذِّ من الأدب، كالحكم على الشاذِّ من الأفعال، فقالوا: هذا شِعْر متهتِّك، أو شعر ماجن، أو شعر فاسق، أو شعرُ زندقة... وهكذا(11).

لكنَّ نظرةً عَجْلى إلى واقعِنا المعاصر، تُبيِّن أنَّنا في عصر المُصْطلَحات، والتكتُّلات، والدَّعوات والشِّعارات، ولْنَقُل: إنَّنا في عصر "الإعلام الأدَبِيِّ"؛ حيث أصبح الأدبُ لافتةً إعلاميَّة، تَخْدم المذاهب والأيديولوجيات والسِّياسات، وصارت الاتِّجاهات والدعوات تُسمَّى بأسْمائها، واختلط الأمر على الصَّادقين من الأُدَباء والنُّقَّاد والقُرَّاء على السَّواء، وصار القارئ  "يضطر أحيانًا لِنَبش أكوام من القشِّ؛ لِيَعثُر على حبَّات من القمح"(12)، فكان لزامًا أن يتميَّز الأدبُ المنشود مضمونًا ومصطلحًا.

ب- إنَّ غياب مصطلحٍ مَا في عصر، وظهوره في عصر لاحقٍ، لا ينقص من قيمة القُدَامى، فكثيرٌ من المصطلحات استُحْدِثَت، ولم تكن معروفةً من قبل، تمامًا كمُفَسِّرينا الكبار، الذين تناولوا آيات الإعجاز العلمي، لم ينقص من قَدْرِهم، ولا حَطَّ من مكانَتِهم أنواعُ التفاسير الحديثة، التي برزَتْ إلى الوجود بفعل تطوُّر العلوم الكونيَّة، التي فُسِّرَت في ضوئها تلك الآياتُ تفسيرًا لَمْ يخطر للقدامى على بال، وهذه سُنَّة الله في الكون، فلَسْنا نُسقط عصرنا ومصطلحاتِنا على عصرٍ لَم يكن فيه داعٍ إلى هذه المصطلحات، وقد مضى معنا قَبْل أنَّ مصطلح  "الأدب العربِيِّ" نَفْسه، الذي طبق الآفاق، لَم يكنْ معروفًا قبل قرن تقريبًا، وها نحن أُولاءِ نستعمل مصطلحات نقديَّة، هي وليدة مُحيطنا، قد دعَتْ إليها الضَّرورة، فـ"التَّجربة الشُّعورية"، و"الوحدة العضويَّة"، و"التوتُّر"، و"الموسيقى الداخلية"، و"البِنْيَة السَّطحية"، و"البنية العميقة"، و"الشكل والمضمون"... وغيرها، كلُّها مصطلحات جديدة.

ونظرة سريعة إلى كتاب: "المَنْزع البديع في تَجْنيس أساليب البديع"؛ لأبي محمد القاسم السِّجِلْماسيِّ(13)، وكتاب: "منهاج البُلَغاء وسراج الأدباء"؛ لحازم القرطاجني(14)، تُطْلِعنا على مصطلحات اختصَّت بِهَذين الجهبذين، ولم يُعْرف لَهما سابق في تناوُلِها -فيما أعلم- ولم يَضِر ذلك الأجيالَ قبلهما، ولا غضَّ من قدْرِها؛ لِبُعدها عن التَّنظيرات الأدبيَّة من وجهةٍ فلسفيَّة، عرفت من العمق ما عرفَتْه مع هذين النَّاقدَيْن، بفعل ثقافتهما من جهة، وبفعل مُحيطهما الدَّافع إلى هذا النَّوع من النَّقد من جهةٍ ثانية.

فلم تكن الحاجة -إذًا- تدعو إلى تصنيف الآداب، والتأريخ لَها، ووَضْع الجُدُر بينها، فضلاً عن أن النَّاقد نفسه، لم يكن -غالبًا- منصرِفًا إلى النَّقد وحده، فقد يكون فقيهًا، أو أصوليًّا، أو قاضيًا، أو عالِمًا رياضيًّا، أو فلَكِيًّا، ورُبَّما جَمع بين هذه العلوم كُلِّها أو بعضها، ولم تكنْ نظرة المجتمع تزري بالنَّاقد الفقيه أو العالِم، كما هي الحال في عَصْرنا، الذي صار يحكم على مَن كان كذلك، بأنَّه مُجرَّد فقيه، وتوصَفُ إنتاجاتُه الإبداعية بالمرجعية الدينيَّة.

من هذا المنطلق، لم يَجِد القدامى سببًا مُلِحًّا للتَّسمية، "ولم يكنْ مُهمًّا عند المسلمين في جَميع عصورهم السَّالفة، التي ظلُّوا يَحْتكمون فيها لِشَريعة الله، أن يُطْلِقوا على أدَبِهم اسْمَ الإسلام؛ لأنَّ ذلك أمْرٌ طبيعي، ولا يمكن أن يكون غيره، فحياتُهم لا تعرف غير الإسلام؛ لذا، فإنَّ إطلاق المصطلح آنذاك، تخصيصٌ لا ضرورة له"(15).

ج - لم تكن هناك حاجةٌ إلى دراسة أدب الشُّعوب الإسلاميَّة الأخرى، حتَّى توضع مقارنةٌ بينها وبين الأدب العربي، وإنَّما كان الاهتمامُ مُنْصَبًّا على اللُّغة القوميَّة السائدة، وهذا ليس على مستوى "الأدب العربِيِّ" فحَسْب، ولكنَّه سِمَة معروفة في الآداب العالميَّة كلها.

المبحث الثاني: الأدب الإسلامي والأدب العربي:

يتَّضح من إطلاق مصطلح "الأدب العربِيِّ" أنَّه الأدب المكتوب باللُّغة العربيَّة، أو الأدب الذي ينتمي إلى العرب، وإن تكلَّموا بلغة أخرى.

غير أنَّ المعنى الأخير استُبْعِد؛ لأنَّه وليدُ ظروف خاصَّة، جعَلَت من العرب الذين استقرُّوا في بلدان غَيْر عربيَّة، يتكيَّفون مع لغاتِ هذه البلدان، ولم يَبْقَ لَهم من عروبتهم إلاَّ الأصل والنَّسَب، أمَّا المعنَى الأوَّل فهو الشَّائع المعروف عند النُّقَّاد.

ولأوَّل وَهْلة، تتبدَّى لنا النَّزعة القوميَّة في طيَّات هذا المصطلح، في زمنٍ ضَعُف فيه تأثير الإسلام، وانتصرت النَّعرات والتحزُّبات والعرقيَّات، وصار الانتماء إلى العروبة -عند البعض- أولى مِن الانتماء إلى الإسلام.

ومصطلح الأدب العربي يُخْفي وراءه أنواعَ الْمَضامين، ويَعْتمد اللُّغة أساسًا، فهو لا يهمُّه أن يكونَ أدبًا أخلاقيًّا أو غيْرَ أخلاقي، وهو ما لا يَصدُق على أُمَّة ارتضَتْ أن يَجْمعها رباط الأخوَّة، ووشائِجُ المَحبَّة، وأذابت ثُلوج العصبيَّات، ونعرات الانتماءات والحزبيَّات، وجعلت العزَّة لكلمة الحقِّ والصِّدْق.

ولا شكَّ أن هذا النَّوع من التَّفرقة والتمزُّق كان من آثار بعض المستشرقين، الذين تعمَّدوا أن يكون أدبُنا قومِيًّا؛ لأنَّ المرحلة التي شُغلوا فيها بأدبنا "كانت مرحلة ازدهار القوميَّات في أوربا، وهي مرحلةٌ تَمايزَتْ فيها العناصر والأجناس، وتباعدَتْ واصْطَرعت، فكان من الطَّبعيِّ أن يَنْظر المستشرقون إلينا من خلال الرُّؤية القوميَّة، فيتعاملوا معنا، بِوَصْفِنا قوميَّات متعدِّدة، بِلُغات مُخْتلفة، لا باعتبارنا أمَّة واحدة"(16)، فضلاً عن أنَّهم "كانوا مَحْكومين كذلك بِرَغْبتهم الحميمة، في ألا تكون هناك حضارة إسلاميَّة واحدة، بدين واحد، ولغة واحدة مهيمِنة"(17).

نعم، إنَّ الأدب العربي سابقٌ على الأدب الإسلامي، ومَحْضِن له، "لكنَّه ليس مَحْضِنَه الأوحد؛ فعندما انتشر الإسلامُ خارج الأقطار العربيَّة، ودخلَتْ فيه شعوبٌ أخرى، وتأثَّرَت به آدابُها، نبتَتْ لِهذا الأدب أجنحة جديدة، أعطَتْه بُعْدًا إنسانيًّا عالَميًّا(18)"، فعرفَتِ الإنسانية لأوَّل مرة، "الأدب الفارسيَّ الإسلامي"، و"الأدب التُّركي الإسلامي"، و"الأدب الأَزْدي الإسلامي"(19).

أصبح الأدب العربي -إذًا- رافدًا من روافِد الأدب الإسلامي، وجُزْءًا من أجزائه، وبَقِيَت العلاقة الحميميَّة مستمرَّة بينهما، كيف لا، واللغة العربية هي لغة القرآن وسرُّ الإعجاز؟! ومِن ثَمَّ، ما كان للأدب الإسلامي أن يُزاحِمَ الأدب العربي، أو أن يُلغيه، بل جَعل له الحيِّز الأكبر، ضمن مساحته العالَميَّة، وإنَّما ألغى منه ما يُنافي الأخلاق، ويشجِّع على المُنْكَرات والرَّذائل، ويَنال من الأعراض، ويَدْعو إلى العصبيَّات، وهذا قليلٌ -نسبيًّا- إذا ما قورن بِمَجموع الخَيْر الذي في الأدب العربي، "فأدَبُ الأُمَّة يَصْلح بِمَجموعه أن يكون أدبًا إسلاميًّا، إذا حذَفْنا منه النُّصوص الَّتِي لا تَتَّفِق مع ما يسمح به الإسلام، وهذه النُّصوص التي ينبغي ألاَّ تدخل تَحْت عنوان الأدب الإسلامي، لا تُمثِّل من أدب المسلمين إلاَّ النسبة الأقلَّ"(20).

الأدب العربي الأدب الإسلامي:

لقد جعل الأدبُ الإسلاميُّ مِنَ الأدب العربِيِّ مادته الأولى، فأقر ما فيه مِن الجوانب المشرقة، وهذبه من الساقط والسفساف، وزاد عليه أغراضًا أخرى، وفسح أمامه المجال للتحليق؛ فالعلاقة علاقة استمرار مع التشذيب والتهذيب، لا علاقة إقصاء وقطيعة.

ومِن ثَمَّ، فإنَّ الأدب الإسلامي في حقيقة الأمر، ليس بِدعًا في التاريخ، وإنَّما هو أغصان لِجُذور عربية، تمدُّه بالنَّسْغ الفنِّي، والإسلامُ يُضْفي عليه السَّمْت الأخلاقي، فلا غَرْوَ أن يتكلَّم الصحابةُ في شِعْر الجاهليِّين، ويتذاكَرُوه، بل ويَتناشدوه؛ لِيَقبلوا منه ما وافق الإسلام، ويَرُدُّوا ما خالفه.

وهذا الرَّسول القُدْوة، يتمتَّع بشِعْر جاهلي، ويرتاح له، بل ويُعَقِّب عليه بِحُكم نقدي، يدلُّ على اطمئنانه له، ورضاه به، والتَّشجيع عليه! فعَن عمرو بن الشَّريد عن أبيه قال: رَدِفْتُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يومًا، فقال: ((هل معك من شِعْر أميَّة بن أبي الصَّلت شيء؟))(21) ، قلتُ: نعَم، قال: ((هِيه)) (22)، فأنشدتُه بيتًا، فقال: ((هيه))، ثم أنشدتُه بيتًا، فقال: ((هيه))، حتَّى أنشدتُه مئة بيت، وفي رواية زاد: ((إنْ كاد لَيُسْلِم)) (23).

قال النَّوويُّ معلِّقًا على الحديث: "فيه جواز إنشاد الشِّعر الذي لا فُحْش فيه، وسَماعه، سواءٌ شعر الجاهليَّة وغيْرهم""(24).

وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: ((أصدَقُ كلمة قالَها شاعر، كلمة لَبِيد(25):

 أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ الله َبَاطِلُ

وكاد أُميَّة بنُ أبي الصَّلْت أن يُسْلِم)) (26).

وفي "صحيح البخاري" (27) قال ابن عُيَينة عن خلف بن حوشب: "كانوا يستحبُّون أن يتمثَّلوا بهذه الأبيات عند الفِتَن، قال امرؤ القيس:(28) (الكامل)


اَلْحَــــــرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُــــــونُ فَـتِـيَّـــةً 

 

تَسْـــــعَى بِزِينَتِهَــــــا لِكُلِّ جَهُــــــولِ 

 

حَتَّى إِذَا اشْـتَـعَـلَتْ وَشَـبَّ ضِـرَامُهَـا 

 

وَلَّـــــــتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيـــــلِ 

 

شَمْطَـــــاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهَـــــا وَتَغَيَّــرتْ 

 

مَكْـــرُوهَــــةً لِلشَّــــــمِّ وَالتَّقْبِيــــــلِ

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وكان خلف(29) يقول:" ينبغي للنَّاس أن يتعلَّموا هذه الأبيات في الفتنة"(30)، والنُّصوص في هذا المَجال وفيرة.

فكيف يُزعَم بعد هذا، أنَّ الأدب الإسلاميَّ إنَّما قَصْدُه مَحْوُ الأدب العربي، وإزالة تاريخٍ عريقٍ من فنِّ القول؟

إنَّ استحداث المُصطلح، لا يغيِّر مِن واقع الأدب العربِيِّ شيئًا، ولا يُسيء إليه.


نعَم، قد يتقَلَّص استعمال هذا المصطلح بعض الشيء، أمام المصطلح الجديد؛ لِعُموم هذا الأخير، وخصوص الأوَّل؛ ليُفسَح المَجالُ أمام التَّقسيم الحقيقيِّ للأدب، الذي يُقترح ألا يَخْرج عن قسمين: "الأدب الإسلامي"، و"الأدب غير الإسلامي"، وهو تقسيم واقع، لا يفرضه مُجرَّد الإتيان بمصطلح جديد.

والآيات من سورة الشُّعراء أكَّدَت هذا التَّقسيم: فالشُّعراء إمَّا غواة غُلاة، يقولون ما لا يفعلون، وفي كل وادٍ يَهِيمون، وهؤلاء يُمَثِّلون قسم "الشِّعر غير الإسلامي"، وإمَّا مؤمنون مُجاهدون صادقون، مستحضرون لقيمة الكلمة وخُطورتها، وهؤلاء يُمَثِّلون قسم "الشِّعر الإسلامي"، وهو تقسيم لا يَعْترف بالمراحل الزَّمنية، ولا بالفترات السِّياسيَّة.

وما دَأَب عليه المستشرقون مِن تقسيم "تاريخ الأدب" إلى: جاهليٍّ، وإسلامي، وأُمَوي، وعبَّاسي، وعثماني...؛ فهو تقسيمُ مرحلة، وليس تقسيمَ حالةٍ، وهو تقسيمٌ خاضع للتقلُّبات السِّياسيَّة، لم يضَعْ في الاعتبار معيار الأخلاق والعقيدة والمبادئ.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) مقال: "بين الأدب العربي والأدب الإسلامي، تاريخ المصطلح والدلالة"، مجلَّة الأدب الإسلامي، ع: 6 - 1995م، ص 5.

(2) نفسه، ص 8.

(3) "في التاريخ.. فكرة ومنهاج"، سيد قطب، ص 28.

(4) "الجامع لأحكام القرآن"، القرطبي، ج: 13، ص 147.

(5) منها "العمدة" لابن رشيق، ج 1، ص 209، و"الشعر والشعراء"، ج 1، ص 137 وحاولت جهدي أن أجد للخبر أصلاً في كتب الحديث المعتبرة، فلم أَهْتَد إلى شيء.

(6) "زهير بن أبي سُلْمى"، من مُزَينة، إحدى قبائل مُضَر، وأحد فُحول الجاهليَّة، من أصحاب المعلَّقات، عُرِف شِعْرُه بالحكمة، وقد تُوفِّي قبل مبعث النبِيِّ - عليه الصلاة والسَّلام - بِسَنة؛ "طبقات ابن سلام"، 1 - 63.

(7) عاظَلَ بالكلام: عقَّدَه وصعَّبَه، وعاظل الشَّاعر في شِعْرِه: جعل بعضَ أبياته مفتَقِرًا - في بيان معناه - إلى بعض؛ "المعجم الوسيط: عاظل".

(8) الحُوشِيُّ والوَحْشيُّ: الغريب؛ "اللسان: حوش".

(9) "النَّقْد الأدَبِي، أصوله ومناهجه"، سيد قطب، ص 119.

(10) مقال: "شبهة المصطلح "، د. عبدالقدوس أبو صالح، مجلة الأدب الإسلامي، ع 8، 1995م، ص 3.

(11) "الأدب الإسلامي، أصوله وسِمَاته"، محمد حسن بريغش، ص 90.

(12) "كلمة للشاعر الفلسطيني محمود مفلح"، جريدة المسلمون، ع: 279، 8 /14 يونيو/ 1990م.

(13) أبو محمَّد القاسمُ بن محمد بن عبدالعزيز الأمغاري السِّجِلْماسيِّ، وُلِد بسِجِلْماسة، ورحل إلى فاسٍ ومراكش، وله كتاب: "المَنْزع" الذي ألَّفَه سنة 704 هـ، ولا تُعْرَف سنة وفاته؛ ينظر كتاب "المنْزع" بتحقيق د. علال الغازي، ص 47.

(14) هو أبو الحسن حازم القرطاجني، اشتهر بسَعة المعرفة في المنطق والخطابة والشِّعر، توفِّي بتونس سنة 684 هـ؛ يُنظر كتاب "المنهاج" بتحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، ص 52.

(15) "الأدب الإسلامي، أصوله وسِمَاته"، محمد حسن بريغش، ص 103.

(16) مقال "بين الأدب العربي والأدب الإسلامي"، د. عبده زايد، مجلَّة الأدب الإسلامي، ع: 6، ص 5.

(17) نفسه، ص 6.

(18) "مقدِّمة لنظريَّة الأدب الإسلامي"، د. عبدالباسط بدر، ص 83.

(19) يُنظر تأثُّر هذه الآداب بالإسلام في مقال: "عالَميَّة الأدب الإسلامي"، د. عبدالباسط بدر، مجلة الأدب الإسلامي، 1995م، ع 5، ص 3 وما بعدها.

(20) "مبادئ في الأدب والدعوة" حبنكة الميداني، ص 28.

(21) قال القسطلانِيُّ: "كان من شعراء الجاهلية، وأدرك مبادِئَ الإسلام، وبلَغَه خبَرُ البعث، لكنَّه لم يُوَفَّق للإيمان برسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وكان يتعبَّد في الجاهلية، وأكثرَ في شعره من التوحيد، وكان غوَّاصًا على المعاني، معتنيًا بالحقائق؛ ولذا استَحْسن - صلَّى الله عليه وسلَّم - شعْرَه، واستزاد من إنشاده"؛ يُنظر "إرشاد السَّاري إلى شرح صحيح البخاري"، ج 9، ص 90.

(22) كلمة استزادة؛ أي: زِدْ؛ "القاموس المحيط: الْهَيْه".

(23) "صحيح مسلم"، كتاب الشِّعر، رقم الحديث: 2255.

(24) "شرح النَّووي على صحيح مسلم"، ج 15، ص 12.

(25) لبيد بن ربيعة العامريُّ، من فُحول شعراء الجاهلية، وأحد أصحاب المعلَّقات، أدرك الإسلام وأسلم، تُوُفِّي نَحْو 41هـ؛ (الأعلام: 6/ 104).

(26) "صحيح مسلم"، كتاب الشعر، رقم الحديث 2256، وسبق تخريجه من وجه آخر.

(27) "صحيح البخاري"، كتاب الفِتَن، باب الفتنة التي تموج كموج البحر.

(28) امرؤ القيس بن حَجَر بن عُمَر الكِنْديُّ، أشْعَر النَّاس، من أهل نَجْد، من الطَّبَقة الأولى، عُرف شعرُه بالمُجون والتَّهَتُّك؛ "الشعر والشعراء"، ج 1، ص 105، و"جمهرة أشعار العرب"، ص 117.

(29) أيِ: ابن حوشب.

(30) "فَتْح الباري شَرْح صحيح البخاري"، ابن حجر العسقلاني، ج 13، ص 44، والأبيات في ديوان امرئ القيس، ص 323.

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب