ابنتي عائشة
كتب  شمس الدين درمش ▪ بتاريخ 05/02/2011 08:29 ▪ تعليقات (1) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

 

عبد الرحمن شن شمس الدين درمش

                                               المؤلف : عبد الرحمن شن                             المترجم : شمس الدين درمش

 


ابنتي عائشة أولى أولادي، ولدت في فترة إقامتي في مدينة ( مرسين ) ، أما ابني ( ماتاهان ) فقد ولد في استانبول.

يشعر الإنسان بالسعادة عندما يكون أبا، لدرجة البكاء فرحا أحيانا. وهكذا حصل لي عندما ولدت ابنتي.

ولكن عندما ولد ابني!! لم تكن دموعي أقل من دموع اليائسين إذا يلاقون الأمل. كنت أبكي من الفرح، ولكن كان الحزن غالبا علي.

الدموع التي ذرفتها في ولادة ابني كانت خوفا من ملاقاته لحياة بائسة. فالأوضاع الصعبة التي تذكرتها منذ طفولتي هي التي فجرت دموعي عندما كنت أنتظر أمام باب المستشفى الذي ولد فيه.

رجعت إلى البيت، واحتضنت ابنتي عائشة، وبشرتها بولادة أخيها، وسلامة أمها.

كانت عائشة في الربعة من عمرها، ولكنها كانت واعية، وبقيت كذلك.

بعد مدة من ولادتها في ( مرسين ) انتقلنا إلى مدينة ( أضنه )، فمرضت هناك. كان المرض من أمراض الطفولة المعتادة. ولكنه كان شديد الوطأة. وأصابتها أيضا عدوى أحد الأمراض الخاصة بـ ( جوقور أوه )[1] فلم نستطع أن نتحمل ما أصابها فهربنا بها إلى استانبول.

أسعد ما كان عند ابنتي أن أقبل أناملها حين أمشي ممسكا بيدها. وكان أغيظ ما لديها أن أقبل أنفها!! وعندما كبرت، وصارت بطولي كان يسرها أن أضع يدي على كتفها حين تمشي إلى جانبي.

في المنزل المقابل للمبني الذي نسكن فيه توجد فتاة يتيمة كانت واقفة على الشرفة تنظر ألينا عندما خرجت مع ابنتي عائشة وقد وضعت يدي على كتفها، وضممتها إلي بحنان. سحبت يدي فجأة!! وعندما سألتني عن السبب، ذكرت لها أن تلك الفتاة يتيمة تنظر إلينا، وأن رؤيتها لنا على هذه الصورة يذكرها بأبيها ويحزنها. ولم نخرج مرة أخرى كذلك.

كانت عائشة تتدخل في كل شيء يخص مظهري.. الحذاء، الجوارب، ربطة العنق.. وغيرها. وإذا لم ألبس ما تريده تضحك ساخرة، وتعلق تعليقات لاذعة. أما أنا فكان السرور يغمرني.

بدأت عائشة بإصدار مجلة فصلية مدرسية مع زميلاتها في الصف الرابع لمدة. وكنت نشرت بعض مخاوفي المستقبلية في زاويتي الخاصة من صحيفة ( يني آسيا ) فيبدو أنها اطلعت على المقال، فقالت لي:

نحن لن نفعل مثلك يا أبي، نحن سنصدر المجلة ونبيعها، وسنقدم هدايا لتوطيد علاقاتنا الصحفية، وسأتفوق عليك في العمل الصحفي إن شاء الله. وكنت أمشي إذ ذاك في ظل الأيام.

نشأت بين عائشة وزميلاتها في الصف منافسة أدبية فتعطل العمل في المجلة المدرسية، وبدأت ابنتي تتحدث عن إصدار مجلة أفضل في الأيام المقبلة.

في العطل المدرسية كانت تحاول الكتابة.. تكتب.. تمزق ما تكتبه وترميه.. تخفيها عني. حورت بعض القصص خلال ذلك فكتبت قصة - عليه السلام - بعنوان " يوسف الغريب ".

نجحت عائشة إلى الصف السادس وبدأت الدراسة في مدرسة جديدة، كانت حريصة على نفسها، تعنى بطعامها، حتى جعلتنا نتحدث عن زيادة وزنها بشكل ملحوظ. وفجأة انطفأت وماتت خلال شهر واحد!! .

تورمت ساقها أولا، فذهبنا بها إلى مستشفى " زينب كامل " فأدخلت قسم التنويم بشبهة الروماتيزم. وخلال خمسة أيام أجريت تحاليل مختلفة في الدم. أظهر التحليل الأولي وجود أثر الروماتيزم فكان بشارة لنا وأنه لا داعي للخوف.

ثم بدأ الحديث يدور عن وجود فيروس في الدم يجري البحث عنه، وتم أخذ عينات من الدم عدة مرات للتحليل والدراسة. عندما رجعنا إلى المستشفى في الموعد المحدد بعد عشرة أيام لم نجد اسم عائشة في المراجعين، ولا نتيجة التحاليل، مما سبب لنا حيرة بالغة.

الطبيب الذي كان ينبغي أن يغضب ويقول شيئا لمسؤول المواعيد بدا في غاية الهدوء، وكأن شيئا لم يكن، وأعطانا موعدا آخر واضعا عطلة نهاية الأسبوع نصب عينيه !!.

مروة أخرى أخذ عينة دم للتحليل، في هذه المرة اضطررنا لمراجعة الطبيب نفسه في عيادته الخاصة ودفعنا له أجرة، فقام بمعاينة ابنتي المريضة من الرأس إلى القدم. فقال طبيب مستشفى " زينب كامل " بعد المعاينة: لا يوجد أي شيء في ابنتك! عفوا.. عفوا بل يوجد شيء، يوجد في ابنتك عيب خـَـلـْـقــي في أخمص القدم. يوجد تسطح في أخمص قدمها، وهذا يسبب لها انزلاقا في المشي، ويحدث هذا لكثير من الأطفال. يجب أن تلبس حذاء طبيا على الدوام حتى لا تتعرض للوقوع والكسر. اشترينا حذاء طبيا، ورجعنا إلى البيت، ولكن لم نجد أي تحسن، بل زاد الحال سوءا!!.

ذهبنا إلى طبيب آخر في مستشفى جامعة " مرمرة " وبدأت المواجع تظهر هناك. عندما نظر الطبيب إلى نتائج التحليل التي أجريت من قبل مستشفى " زينب كامل " لم يزدد على أن هزّ رأسه، وقال: إن الإنسان يشعر بالخجل أن يكون زميلا لبعض الأطباء بالرغم منه!!

أدخلت ابنتي إلى مستشفى جامعة " مرمرة " يوم السبت في منتصف شهر رمضان قبل الإفطار بساعتين تقريبا.

ساء الوضع في اليوم الثالث... وحوالي الساعة الثانية عشرة ليلة الجمعة بدأت محاولات يائسة من الأطباء لإنقاذ الوضع، ولكنها فشلت.

كان تشخيص المرض يدل على استفحاله من لحظة دخولنا إلى المستشفى، وكان الأمر يتفاقم. الأمسية التي قضيتها مع زملائي في بلدية " باي أوغلو " أرهقتهم وعرضت صيامهم للخطر. كان همنا منصبا على تأمين متبرع للدم. ولم نستطع أن نترجم النيات المخلصة إلى عمل حقيقي. حاولنا أن نقدم كل ما نستطيع.. من نعرفه.. ومن لا نعرفه.. كل واحد أبدى الرغبة في تقديم شيء ينقذ طفلة صغيرة من الموت.. يعيدها إلى الحياة.

كل واحد أبدى إنسانية.. تعاطفا مع الإنسان. ولكننا كنا مخطئين، فقد كان هناك من يحبها أكثر منا وأراد أن يستعيد أمانته التي أودعها عندنا.. وبالفعل كان.

لو كنا نعرف ما ينفعنا وما يضرنا في الغيب فما عسى أن يبقى للحياة؟!!.

في ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك التي يحتمل أن تكون ليلة القدر التي وافقت ليلة الجمعة سلمت ابنتي روحها لبارئها وفارقتنا، ولكنها أخذت معها قلوبنا.

أخوها " ماتاهان " كان يناديها " ماما الصغيرة " وكانت هي سعيدة بذلك، ولكن ابني الآن فقد أمه الصغيرة.

بعدما خرجنا من مستشفى " زينب كامل " كانت عائشة أرتني خاطرة كتبتها، وجعلت عنوانها " الإنسان " تقول فيها:

" لا يستطيع الإنسان أن يبوح بالحقائق! ، إنه يود ذلك؛ ولكن الأخطاء تنكشف والحقائق تختفي ".

ومع أنني قرأت توقيعها تحت الخاطرة فقد سألتها:

-         أين رأيت هذه الكلمات الجميلة وقرأتها؟!

فأجابتني:

-         أنا كتبتها يا أبتِ .

ثم رأيت تلك الورقة معلقة على جدار غرفتها.

أتذكر أيامها الأخيرة قانية.. ثانية.. ، كانت إيحاءات الوداع ترتسم في كل خطوة من خطواتها، وفي كل كلمة من كلماتها، وفي كل حركة من حركاته، ألا تقرؤون كلماتها التي كتبتها مرة ثانية؟! ماذا عسى أن تقول غير التي قالت؟!

أي إنسان مهما يكن، وبالأخص أبوها وأمها ما كان ليجد أدنى ملاحظة على هذه الزهرة الجميلة.

وحدث ما حدث.. وطارت ابنتنا من بين أيدينا إلى ربها ونحن ننظر. وبدأنا نسلي أنفسنا ونعزيها رجاء أن تكون ابنتنا في جنة أبدية بين ولدانها إن شاء الله.

أمر صعب، ولكننا نتصبر على فقدان عزيزتنا عائشة. ارتدت ثياب عرسها البيضاء فقبلت يدها فلم تفرح! ، وقبلت أنفها فلم تغضب! ، كانت دنياها اختلفت عن دنيانا، هي صارت في الحياة الحقيقية، ونحن علينا أن نعيش بقية حياتنا في دنيا اللهو واللعب حتى يسترد صاحب الأمانة أمانته.[2]

 



[1] معنى الكلمة: السهل المنخفض أو ( الغور)

[2] * من مجلة عالم الثقافة، العدد 11 ، السنة 2

ترجمة : شمس الدين درمش

 

تعليقات القراء
د . أمين الستيتي الباهلي Feb 06, 2011
ولكننا نتصبر على فقدان عزيزتنا عائشة. ارتدت ثياب عرسها البيضاء فقبلت يدها فلم تفرح! ، وقبلت أنفها فلم تغضب! ، كانت دنياها اختلفت عن دنيانا، هي صارت في الحياة الحقيقية، ونحن علينا أن نعيش بقية حياتنا في دنيا اللهو واللعب حتى يسترد صاحب الأمانة أمانته.
جزاك الله خيرا على هذه القصة الإنسانية الرائعة ، وخاتمتها الإيمانية العاطفية العميقة ن فإلى ألأمام يا غالي

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب