لاميّة العجم .. للطغرائي
كتب  د.عبدالقدوس أبو صالح ▪ بتاريخ 05/02/2011 09:31 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

لاميّة العجم .. للطغرائي

 

      تحدثنا إليك فيما مضى عن لامية العرب للشنفرى، ونتحدث إليك اليوم عن لامية العجم للطغرائي، وما ندري لم سميت بلامية العجم، مع أن قائلها عربي النسب، وليس فيها أي تعصب للعجم ضد العرب، ولعلها سميت بذلك لأن قائلها كان يعيش في بلاد العجم، ويتفيأ ظلال الحكام الأعاجم، كما أنه جعل قصيدته على روي لامية العرب، فكأنه أراد أن يعارض قصيدة الشنفرى .

     أما الطغرائي – صاحب لامية العجم – فهو أبو إسماعيل مؤيد الدين الحسين بن علي، وهو ينتمي إلى أسرة عربية تنتسب إلى أبي الأسود الدؤلي، وإنما غلب عليه لقب الطغرائي لعمله في ديوان الطغراء، وهي الطرّة التي تكتب فيها نعوت السلطان واسمه، ويختم بها صدر الكتب التي تصدر عنه .

     وقد عاش الطغرائي في أواخر القرن الخامس الهجري، وارتقى به شعره وكتابته إلى رئاسة ديوان الإنشاء في بلاط السلطان محمد بن ملكشاه، وعندما توفي هذا السلطان وخلفه ابنه محمد فسدت العلاقة بين الطغرائي ووزير السلطان الجديد، فرحل شاعرنا إلى بغداد، ولكن سرعان ما نبا به المقام فيها فذم العراق بشعره، ونظم قصيدته التي عرفت بلامية العجم .

     وموضوع هذه القصيدة هو الشكوى من الزمان وأهله، ولكنها شكوى لا تنكسر فيها نفسه، بل يظل له طموحـه، وتظـل لـه صلابته، وتظل له فضائله التي يفخر بها " وقد استهلها بقوله :

    أصالةُ الرأي صانَتْني عن الخَطَلِ       وحِليَةُ الفضل زانَتْني لدى العَطََلِ (1)

     ومضى يشكو طويلاً غربته في بغداد الزوراء، وأن لا صديق له فيها ولا أنيس سوى الوحشة وبعد الوطن والدار، مع بوار الأماني وانعكاس الآمال :

 

فيمَ الإقامةُ بالزوراء لا سَكَنــي       بها ولا ناقتي فيها ولا جَمَلـي (2)

ناءٍ عن الأهل صُفْرُ الكفِّ منفرداً        كالسيف عُرِّي متناه عن الخلل (3)

فلا صديقٌ إليه مُشْتكى حَزَنـي         ولا أنيـسٌ لديه منتهى جَذَلي

والدهرُ يعكِسُ آمالي ويقنعنـي         من الغنيمة بعدَ الجدّ بالقَفَــل

     ثم يصرح بأن " طالب المجد لابد له أن يغامر وأن يركب الأخطار، فإن لم يتحقق له المجد في بلدة طلبه في أخرى :

حبُّ السلامـةَ يثْني هَمَّ صاحبـه        من المعالي ويُغري المرءَ بالكسـل

إن العلا حدَّثتني وهي صادقــة ٌ        فيمـا تحدثُ أن العِزَّ في النّقـل

لو أن في شرف المأوى بلوغَ مُنىً         لم تبرح الشمسُ يوماً دارةَ الحَمَـل

     ويعود الطغرائي ليعلل نفسه بالآمال في أن تقبل عليه الأيام ثانية، ويشكو من الدهر ومن الناس، ويفصح عن اعتزازه بنفسه وكرامته، ويحذر من الأصدقاء الأدعياء قبل الأعداء، ويختم قصيدته بالدعوة إلى القناعة ورفض المناصب، إذ كل ما في الدنيا نعيم زائل وظل حائل :

أعلِّلُ النفس بالآمال أرقبُهـــا       مـا أضيقَ العيشَ لولا فُسْحةُ الأمل

وإنْ عَلاني مَنْ دوني فـلا عَجَبٌ        لي أسوةٌ بانحطاطِ الشمس عن زُحَل

أعدى عـدوك أدنى من وثقتَ به      فحاذر الناس واصحَبهُمْ على دَخَل (4)

وإنّمـا رجلُ الدنيا وواحـدُها        من لا يعَوِّل في الدنيا على رجــل

فيمَ اقتحامُك لُجَّ البحر تركبـُه      وأنت يكفيك منه مَصَّةُ الوَشَــل (5)

ترجو البقاءَ بدار لا ثباتَ لهـا        فهل سمعت بظلٍّ غيرِ منتقـــل

 

ــــــــــــــــــ

1- الخطل : فساد الرأي . العطل : التجرد من الحليّ .

2- الزوراء : من أسماء بغداد .

3-  صفر : خالٍ . متن السيف : حدّه .

4-  على دخل : على شك وحذَر . 

5-  الوشل : الماء القليل .

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب