مع السلطان العثماني محمد الفاتح شاعرا
كتب   ▪ بتاريخ 12/02/2013 17:01 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 22

د.أحمد الخاني- سورية

 

كتابي (مع الشعراء) معارضات، أو حواريات مع الشعراء بدءا من امرئ القيس، وانتهاء بعد الله البردوني. بدأته مع الشعراء العرب، ثم دخل على الخط الشعراء الأتراك، ولذلك سبب أذكره فيما يأتي:

كنت في تركيا، فاجتمعت بإستانبول بشاب، تقدم مني، وقال: أنا محمود أوز سراج، طالب في كلية الشريعة، أحفظ القرآن الكريم، أحببت أن أتعرف إليك.

رحبت به، ومن خلال الحديث عرف أنني أتعاطى الأدب، فقال: هل تعرف أن فاتح القسطنطينية شاعر!؟

قلت: لا، وهل تستطيع أن تحصل لي على نسخة من ديوانه، وأن تترجمه لي؟

فقال: نعم.

كان في بيتي كوخ شدره موقد، وكان صاحب البيت يأتيني كل يوم بحطب أشعله وأصنع إبريقا من الشاي المثقف، وأسهر على دراسات أدبية، ولما عرفت أن محمدا الفاتح العظيم شاعر أردت أن أحاوره على طريقتي في حوارياتي مع الشعراء العرب.

سهرت تلك الليلة، واستدعيت الشعر، فأبى علي تلك الليلة، فنمت مهموما، فرأيت في نومي أنني مقيد بأصفاد الحديد، وجاء شاب من أقربائي اسمه عبد القادر، وفك عني الأصفاد.

استيقظت مستبشرا، صليت، ثم أمسكت بالقلم، ودونت هذه القصيدة في ربع ساعة:

الفاتح

غادة الرومان عزت في حماها/ ودم الأبطال يسعى في رضاها

ما دم العنقود؟ ما نار الدياجي؟/ بهجة الإصباح تبدو من ضياها

فرأت آماقها (تورا) دمشق/ زرقةَ البسفور تبدي مقلتاها

أمويون، وجاؤوا خطبوها/ فبدا المريخ أدنى من علاها

غادة، لحظ وسفاك دماء/ وتحلت قبضة السيف حلاها

أدمت الأعتاب أعقاب الليالي/ بانتظار الفجر في حلو لقاها

فإذا الشوك وأسوار وبذل/ شفق أسود يغزو من أتاها

أمويون.. وذي (ذات الصواري)/ غادة الرومان وتر قد شفاها

تحت أسوار قصور وصليب/ دق ناقوس فأفنى وحماها

يا أبا أيوب عطرت ثراها/ ودعوه، بات فردا في حماها

ودمشق الفتح تغضي في الليالي/ ما رؤاها؟ غيهب القس ضحاها

غادة الرومان تيها ودلالا/ فوق ثغر الشمس تغفو.. مَنْ فتاها؟

رضع النور وقد هز الجبالا/ وقناة من دم الليل رواها

جاءها، عزت، أمالت أخدعيها/ كبر الجبار، آيات تلاها

حمحمات الخيل تدمي مقلتيها/ وجنود الله حتف قد كواها

جئتها فتحا كبركان تلظى/ فجر الكون التهابا كدماها

ضج بالقس اضطراب، جن رعبا/ ظنه الساعة لا يدري مداها

جاء إسرافيل بالصور؟ فماذا/ زلزل الأركان؟ ماذا؟ من رماها؟

جد يحفى، هرولت منه دماه/ طالبا للسلم، قبلا ما نواها

شفق أخضر، نور واعتلاء/ فهلال النصر يزهو في سماها

يا (أياصوفيا) دموع وصلاة/ ودعاء فعدا عنها دجاها

غادة الرومان دمع وابتسام/ راية النور، وما أسمى فداها!

فتحت قلبا لنور سرمدي/ أسجدت لله أوربا نداها

تلك بشرى بطل الأبطال تندى/ من مغاني طيبة النور سناها

يا ندى الفاتح بالأمس انتصار/ وغدا في القدس لبينا نداها

العالم الغربي يعرف أبطاله.. سيرة نابليون بونابرت مثلا تدرس في المدارس الفرنسية. وسير أبطال الإسلام من العرب وغير العرب غائبة عن فكر ناشئتنا، وحل محلهم سير أبطال الرياضة!.

فمن هذا الرجل الذي يسمى محمد الفاتح!؟

محمد الفاتح هو بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، القائل: (لتفتحن القسطنطينية، ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش!)، وهو حديث صحيح، رواه السيوطي في الجامع الصغير.

ولد محمد الفاتح في 26 رجب 833هـ، الموافق 20 نيسان/أبريل 1429م.

وقضى مدارج طفولته في أدرنه تكلؤه عين والده السطان الحازم مراد الثاني. وكان هذا الشاب أول الأمر جموحا، شديد الإعراض عن التعلم والدرس، ولم يسلس قياده لمعلم. وقد سأل السلطان عن معلم ذي شخصية قوية، فدل على المولى أحمد الكوراني، فأعطاه السلطان قضيبا يضرب به، ودخل على محمد والقضيب بيده. فضحك الشاب، وسخر من المعلم! فعاجله الشيخ بضربة قوية ارتاع لها الفتى الشموس، ثم استخذى، وأدرك أنه أمام معلم جديد يختلف عمن سبقه. وكانت هذه الضربة بمثابة المفتاح الذي فك طلسم نفسه، ففتحت أبوابها، فاقبل الفتى على التعليم بنهم وجد ونشاط، فما مضى غير وقت قليل حتى ختم القرآن الكريم، وتعلم أكثر اللغات كالعربية والفارسية واللاتينية والإغريقية. وأكب على قراءة التاريخ، ولاسيما ما يتعلق بسير العظماء في المشرق والمغرب.(انظر كتاب: السطان محمد الفاتح للدكتور سالم الرشيدي).

وكان يكتب أشعاره باسم (عوني)، وللفاتح ديوان باللغة التركية معظمه في الغزل، فماذا عن الديوان!؟

ترجم الديوان لي محمود أوز سراج بعد ان عرضه على الشاعر التركي الإسلامي صادق يلصيص بمعرفة الصحفي الإسلامي التركي زكي توبراق، وهو يجيد العربية، وقد عرضها على إمام جامع الفاتح الشيخ أمين سراج.

لقنونا صغارا أن الأتراك العثمانيين مستعمرون، وتعرفت إلى أشعار أمير شعراء الأتراك محمد عاكف يرحمه الله،  وعرفت أيضا أن من الشعراء الإصلاحيين نجيب فاضل.

يجب أن يعرف الشاب المسلم أن محمدا الفاتح كان عظيما أثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى جيشه، وأن سلاطين آل عثمان أحفاده كانوا حماة للإسلام والمسلمين، وكانوا غزاة في سبيل الله، ولكن يهود الدونمة الذي أسقطوا الخلافة الإسلامية هو الذين كانوا سيئين!.

وقفت على أشعار محمد الفاتح وصغت بعض هذه الترجمات في اللغة العربية شعرا. ووقفت على هذه العبارة للفاتح: (سقتني بكأس فقاعتها قبة السماء!)، فضمنت معنى هذه العبارة آخر بيتيتن من قصيدة أطلي. وصغت مسرحية (فتح القسطنطينية) مرتين؛ مرة شعرا، مرة نثرا، ونالت المركز الأول في مسابقة وزارة المعارف 1406هـ.

وحاورت شعرا نجين فاضل وصادرق يلصيص وأحمد راسم وجاهد ظريف أوغلوا والشاعرة زهراء عطيش التي أثنت على مدينتي حماة.

وأختم مقالي هذا بقصيدة (أطلي) شعر محمد الفاتح، ترجمة أحمد أوز سراج، وقد صغتها شعرا بالعربية.

 

أطلي

شعر السلطان محمد الفاتح

 ترجمة أحمد أوز سراج- تركيا

 صاغها شعرا بالعربية الشاعر أحمد الخاني- سورية

أطلي يا ضياء العيد  يا أوتار ألحاني

أطلي ليلة المعراج   في أسرار أكواني

أطلي كالرحيق البكر من أزهار أغصاني

أطلي بالعذاب الحلو يا آماق ولهان

***

أيبدو الكف من سينا/ يلوح كضوء شجان!؟

وقيد الحب كبلني/ بلحظ منك وسنان

شفاه حبيبتي ورد/ على أفنان بستان

ولون خدود قاتلتي/ تحير بالدم القاني

***

بهاؤك فتنتي أرقي/ مع الإصباح والغسق

فلؤلئتي تضيء الفجر كالياقوت في الشفق

إذا (عوني) يهامسها / وآهاتي بها حرقي

تبدى وجهك الفتان   كالأفلاك بالألق

***

به لهب، به فلق/ أنا في النار والغرق

وثغرك برعم العشاق كالنوار في الحدق

سقتني كأسها الريان في الأسحار بالعبق

فصارت قبة الدنيا فقاعة كأس مغتبق.

 

ــــــــــــــــــــ

  • وُلد السلطان محمد الثاني (الفاتح)، فجر يوم الأحد في 26 رجب سنة 833 هـ الموافق 20 نيسان/ أبريل، 1429 م، في مدينة أدرنة، عاصمة الدولة العثمانية آنذاك
  • فتح السطان محمد الثاني الفاتح القسطنطينية ظهر يوم الثلاثاء، 20 جمادى الأولى 857هـ، الموافق 29 أيار/ مايو1453م.
  • وتوفي السلطان محمد الفاتح.. يوم 4 ربيع الأول سنة 886هـ، الموافق 3 أيار/ مايو  عام  1481م، عن ثلاث وخمسين سنة، ومدة حكمه 31 عاما، رحمه الله. (المصدر: ويكيبيديا الحرة).

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب