استفادة أدب الطفل الإسلامي من علم البيئة (1/2)
كتب  د.فاتح ممدوح عبد الحليم ▪ بتاريخ 26/12/2018 08:31 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 86

الدكتور فاتح ممدوح عبد الحليم

 أستاذ مساعد فـي قسم علوم الأغذية

 - كلية الزراعة الثانية دير الزور

 (جامعة حلب سورية)

 

 

أولاً المقدمة:

صحيح أن بعض النقاد قد تطرق فـي كتاباته القصصية للأطفال.. ومسرحياته.. وشعره.. ومقالاته؛ إلى أشياء تتعلق بعناصر الطبيعة من نبات أو حيوان.. أبرزوا من خلالها عشق الإنسان لها حيناً، وتآلفه معها حيناً، لكنها لم تتعد كونها محاولات يراد منها تقريب الطفل من الشجرة -على سبيل المثال- عبر إيضاح أهميتها فـي حياتنا، وكذلك الوقوف على ما تقدمه لنا بعض الحيوانات من فوائد تخدم غذاءنا.. لباسنا.. إلخ: ((أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ))، (سورة الغاشية17).

ومع التقدم العلمي أفرزت الحضارة الحديثة إساءات للبيئة لا أحد يستطيع أن ينكرها، لهذا نشأ أدب الطفل البيئي.

والذي ساهم الكاتب فـي الكثير من أجناسه، تناول فـيها تلوث البيئة.. والتوازن البيئي الطبيعي، منبهاً إلى ما تتعرض له من مخاطر:

 

!cid A6FF3D2C E8E6 4AFA B355 F98BADF091E0

باسم البراءة والطفولة

نناشد أهل الضمير

قد دق ناقوس الخطر

فالكون يمضي فـي خطر

هل يا ترى

مات الضمير

هرب السنونو

بكى الكنار

ومات حتى الببغاء

تلك الأبيات من قصيدة ((الخطر القادم)) للكاتب (منشورة فـي صحيفة تشرين السورية.. العدد 7957، 20 آذار 2001م، الصفحة 6)، ((مخطوط مسرحية الفراشات والطبيعة مقدم إلى مسابقة انتقاء مسرحيات بيئية للأطفال، الاتحاد العام النسائي بالتعاون مع جمعية حماية الحيوان SPANA – 2004))، تمثل صرخة استغاثة واضحة للصغار، فـي الوقت نفسه تحث على الحد من التلوث، انطلاقاً من رغبة صادقة فـي العيش بأمان:

يا أيتها النسوة

يا أيها الرجال والأطفال

شدوا الرحال

وأوقفوا الطغيان

فحذار..

حذار من غرق قادم.. قادم

ولترفع الأصوات عالية

تردع من يحاول خنق الأبرياء

أي أن ما ينتظرنا هوله كبير، وبخاصة إذا لم يترافق مع إجراءات يتمنى الأطفال أن يقوم بها الكبار،أملاً فـي حياة هانئة:

ثقب الأوزون

فماذا تنتظرون

لماذا أنتم صامتون

الموت آت.. الموت آت

ولأن الفراشات الصغيرة تحلم بوطن آمن بعيد عن كل ما يسيء إليها، وتحديداً إلى أحلامها لهذا تتمسك بكل ما من شأنه أن يحافظ على بيئتها نظيفة وسليمة:


الماء والأرض

حق لنا

حتى الهواء

فمن اعتدى

هذا غباء

بل فناء

لن نتنازل أو نساوم

حتى ولو

خضنا بحراً من دماء


وتقترن محاولة إقناع الكبار فـي العدول عن إساءتهم بتحذير المتهاونين من مغبة استهتارهم وعدم مبالاتهم:

فيا أهل القرار

من أجل مستقبل الأجيال

أقول بجرأة فـي وضح النهار

أن لا خيار

لا خيار

فإما حياة

و إما اندثار

مثل هذا الطرح يتضح فـي قصيدة ((احم الطبيعة يا فتى)) للشاعر إبراهيم الصغير:

هذي الطبيعة دارنا          وملاذنا نحن البـشر

فلنـتحد يا إخوتي            كي لا تموت وتنتحر

أما علاقة الهجرة الداخلية من الريف إلى المدينة بالتلوث البيئي فأشير إليها فـي قصة العصر، وتلوث آخر ((البيئة فـي عيون الصغار قصص للأطفال))، إذ أوضحت مفرزاتها، يأتي فـي مقدمة ذلك توسع المدن ونشوء مناطق سكن عشوائي فيها، حيث يعيش سكانها فـي ظروف غير صحية لا تسمح للكثير من الصغار بممارسة هواياتهم أو اللعب أو المرح، فبعضهم يربي الحيوانات – على سبيل المثال – وسط الأحياء الشعبية، يتسبب هذا فـي تلويث البيئة وانتشار الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان مما يهدد صحة الأطفال بالخطر، إضافة إلى الازدحام الشديد والضجيج، هذا ما دفع الأب ليقول فـي تلك القصة:

لم تعد لوحة المدينة المطلية بهباب فحمها المنثور تبهرني...

ولم تعد سمفونية الأصوات العالية وهدير المحركات تطربني...

أود الآن أن أضيف إلى ملحمة العشق أسطورة عناق أشجار الصنوبر للسنديان...

اشتقت إلى شلالات المياه العذبة، وإلى حقول القمح والبنفسج والأقحوان...

اشتقت إلى رقصة على أنغام شدو البلابل وزقزقة العصافير ولحن الكروان...

اشتقت إلى قراءة كلمات بدت جلية فـي أعماق الجداول المنسابة من الينابيع على مر الزمان...

بعد أن محوت من ذاكرتي سائر حروف قصيدتي ((مدينتي الجميلة)) واستبدلت بها ((مدينتي ودموع إنسان)).

أما مقومات نجاح المهتم بأدب الطفل البيئي فيما يكتبه فتعتمد على أسلوبه الشائق، وحرصه على انتقاء الكلمات السهلة المعبرة والمناسبة للفئة العمرية التي توجه إليها، إضافة إلى إثارة الطفل القارئ وتسليط الضوء على مشاكل بيئية تتربص به لتغتال أمنياته وطموحاته، لا بأس من تحليقه فـي فضاء الإبداع والاختراع، ربما يسهم من خلاله فـي إيجاد حلول تنقذ البيئة من شرور التلوث.

والأهم أن يحسن الأديب توظيف الأشياء القريبة من الطفل، أي التي تخص حياته اليومية.. واجباته المدرسية وغيرها، فهذه الأمور يمكن الإفادة منها فـي طرح قضايا بيئية مختلفة، ففي قصة منال والسؤال: ((سلمى والكلمة وقصص أخرى.. قصص للأطفال)) استخدام للسؤال فـي مفاهيم بيئية، ((إنها تبرز من وسط جموع زملائها واثقة من سؤال أطلقته بعدما سمحت لها المعلمة بذلك، فعرف التلاميذ من خلال إجابة معلمتهم ما يتعرض له الماء من اعتداء أهوج، هذا ما يهددنا بكارثة حقيقية فيما لو استمر عبث و استهتار المتهاونين بتلك النعمة العظيمة))، فـي حين كان للممحاة فـي قصة ((مهاة والممحاة)) دور بيئي من خلال الحث على زراعة الأشجار، ووضع القمامة فـي أماكنها وأوقاتها المحددة، وكذلك تنظيف الأيدي قبل الطعام وبعده، أي أنها تريد أن تمحو عادات بعضهم السيئة تجاه البيئة.

براعة واضحة أظهرها مصباح فـي قصة ((مصباح والمفتاح)) عندما تمكن من ربط المفتاح بالبيئة، إذ شبه زراعة الأشجار والعناية بها بمفتاح يسهم فـي حماية بيئتنا من تلوث أرعن نهش جوانب عديدة فـي حياتنا، وربط ترشيد استهلاك الماء بمفتاح يغلق باب شحه.

معاناة مريرة تشهدها كلمة البيئة فـي قصة ((سلمى والكلمة)) فهي تعاني اليوم من تلوث ألم بها فطالت شروره التربة والماء، ولم يرحم حتى ما نستنشقه من هواء، ناهيك عن وصول سمومه إلى ما نتناوله من طعام.

لا يمكن أيضاً إغفال دور الحواس فـي التنويه إلى أمور بيئية، فحاسة البصر تبعث فـي النفس الأمل وتدخل إلى القلوب البهجة والسعادة، ((لهذا نقلت تلك الحاسة صورة حقيقية إلى إيناس، الأمر الذي دفعها لإطلاق سؤال لم تجد له جواباً.. لماذا يلوث الإنسان بيئته وهو على اقتناع تام بمخاطر ذلك؟..)) ((قصة إيناس والحواس.. البيئة فـي عيون الصغار.. قصص للأطفال))

بينما نجد أن حاسة السمع تطرب إيناس بما تشدو به البلابل، فـي حين يقلقها سماع أصوات سيارات الإطفاء التي تهرع لإنقاذ ما تبقى من أشجار أصابتها نيران حريق بفعل تهاون واستهتار بعضهم.

ولحاسة الشم مقدرة على تمييز الروائح العطرة، تعطي بذلك للناس شعوراً فـيه الكثير من الارتياح، لكن ما يحز فـي نفسها تلك الروائح المنبعثة من أكوام النفايات المتناثرة.

أما حاسة التذوق فسرحت بخيالها فيما احتوته الأشجار من ثمار، حتى إنها غفت قليلاً فأيقظها صوت إيناس، ثم انبرت تكمل ما بدأته وأفصحت بالقول: ((كم كنت أشعر بالمتعة عندما يتناول الناس بعضاً من تلك الثمار لأني أحس بسرورهم))، ولم تنس تنبيه من تجاهل غسل يديه وتنظيف الثمار.

حتى إن حاسة اللمس تنبهت حالما ضربت راحتي كفيها مستنكرة ما رأته من سلوكيات خاطئة يقوم بها البعض تجاه البيئة، إذ عبرت عن رأيها تجاه ما سمعته بقولها: ((رغم أني أقوم بدور أعتز به كحاسة أؤديها عبر جلد الإنسان فأجنبه الكثير من المخاطر، لكني فـي الوقت نفسه أشعر بالأسى و الحزن تجاه ما يعترض ثروات عالمنا)).

أنشودة ((أعداء الطبيعة مجرمون حقيقيون)) برعت مها فـي نظمها ((قصة رسالة مها للمؤلف.. فائزة بجائزة تشجيعية فـي مسابقة القصص البيئية للأطفال.. الاتحاد العام النسائي فـي سورية بالتعاون مع جمعية حماية الحيوان SPANA  2001)) علّها تجد آذاناً صاغية، فهي تريد أن تمتد من تلك الينابيع جداول ترتسم بريشة فنان برع فـي تصوير أعماقها بدرجة كبيرة، أظهر فرحة الأشجار المكللة بالثمار الحلوة واللذيذة فـي انسياب الماء تحت جذوعها، رسم لون خضرتها على سطح تلك الجداول، التي تجمعت حولها بعض حيوانات الغابة لتأخذ قسطاً من الراحة، ولترتوي من مائها فتزداد انتعاشاً ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ)) (سورة البروج: 11).

ثانياً هدف البحث:

يهدف هذا البحث إلى ربط البيئة بهموم الصغار.. متاعبهم.. طموحاتهم وأحلامهم من خلال تسليط الضوء على جوانب بيئية مهمة تتعلق بحياتهم، وإبراز تأثيرها عليهم.

ولأن بعض الأطفال لا يدركون مخاطر ما يرتكبونه من إساءة تجاه البيئة لهذا يشكل البحث فرصة للمهتمين بأدب الطفل البيئي فـي الغوص بأعماق قضايا بيئية لها صلة وثيقة بعادات الصغار وتصرفاتهم، وذلك لغرض تنبيه بعضهم جراء تعاملهم الخاطئ من جهة، ومن جهة أخرى الإشادة بسلوك الآخرين النبيل تجاه البيئة.

هناك ناحية مهمة فـي هذا البحث تتعلق بتوظيف أشياء قريبة من الطفل لأغراض بيئية تختلف حسب الفئات العمرية، لأن الانطلاق منها يشكل ركيزة للتوجه إلى ما يراد الوصول إليه من بيئة نظيفة وسليمة، أي عالم آمن.. هادئ، بعيد عن كل ما يسيء لعالم الأطفال النقي والبريء، عالم يستطيعون أن يقضوا فـي خمائله أوقاتاً مفيدة وممتعة، وهم يرددون بفرح أناشيدهم، أو يسطرون قصة محبتهم له، مؤدين أدوارهم ببراعة فـي كل ما يكفل لهم مستقبلاً مشرقاً وحياةً هانئة وسعيدة.

يرسمون عندها بشوق لوحة حياتهم بطريقة لا يغيب اللون الأزرق عن سمائها الصافية، ولا تبعد العذوبة عن جداول مياهها، فيستمتع مشاهدها بلون المروج الخضراء وبأزهار البنفسج وهي تفوح عطراً مميزاً، مستيقظين على صوت الديك وشدو البلابل وهديل اليمام ((وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةًۖ)) (سورة النحل:66).

يكشف هذا البحث أيضاً رغبة الصغار الجادة فـي التوجه إلى الآخرين عبر مقالاتهم ورسائلهم، يأملون من خلالها إيصال نداءاتهم واستغاثاتهم لإنقاذ بيئتنا من أي اعتداء آثم لا يخلف وراءه غير الدموع والندم الذي لن يقدم غير الحسرة واللوعة.

اللافت للنظر أن شمس الأمل بوعي الصغار لم تغب عن فضاء هذا البحث، فهم يشعرون أنهم بحاجة إلى زمن نقي الهواء.. عذب الماء، نظيف الطعام، لذا تجدهم يعملون كل ما من شأنه أن يضمن ذلك.

يؤكد ذلك قول الشاعر زكريا الصالح فـي قصيدته ((حماة البيئة والوطن)):

بالـصدق نعاهد بـيئـتنا              أن تصبح نهجاً ومسارا

أن نـجعل من درر الحسنى         جنـات تسطع أنوارا

ثالثاً العرض والمناقشة:

إن الطبيعة رائعة.. جميلة وفتانة، هكذا أوجدها الله سبحانه وتعالى: ((فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)) (سورة المؤمنون:19)، يقابل ذلك إساءة بعضهم إليها، فغدت تعاني من جوانب عدة، لهذا أخذت تئن من جراحها ومن آلامها تصرخ.

1- الهواء فـي أدب الطفل:

 للهواء دور مهم فـي عالمنا، فما يحتويه من أوكسجين يبث فينا الحياة، وما يحمله من غاز ثاني أكسيد الكربون يُمَكّن الأشجار من صنع غذائها فتعطينا من خيرها الكثير: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) (سورة الروم:46).

إن ما يحلم به الناس – صغاراً كانوا أم كباراً – هواء نقي يدخل فـي نفوسهم البهجة والسعادة، ولهذا فإن ما حل بهواء مدننا المزدحمة أصبح مخيفاً ويهدد بكارثة حقيقية.

فـي مسرحية ((البيئة كما يراها الصغار)) يقول خالد: (ثبت ما لعوادم المركبات ومداخن المصانع وغيرها من تأثير واضح، وذلك بما تنفثه من غازات تتخذ من أجسامنا ملاذاً لها، لتبث فيها أمراضاً عديدة، والأخطر أنها تتسبب فـي زيادة سخونة الجو، لهذا أخذت درجات الحرارة تميل للارتفاع فـي كوكبنا مؤخراً).

إنه التلوث الهوائي الذي أصاب بيئتنا ولم يرحمنا بسمومه: ((هاهما الآن توجها إلى مصنع قريب غارق فـي سموم لمكافحة الحشرات وغيرها مما يصيب الزراعة من آفات، كانت الغازات المنفوثة من مداخنه قد لوثت الهواء، فشكلت غمامة واسعة امتدت لمسافات بعيدة، بينما بدت الأشجار المحيطة من حوله مصفرة وذابلة بفعل ما أصابها من تلوث طالت سمومه التربة أيضاً، ولم يرحم حتى الماء.. قصة الأخوان والطبيعة..)) ((البيئة فـي عيون الصغار.. قصص للأطفال))

لا يعني هذا أن هواء جميع الأماكن بات ملوثاً، لذا فإن نزهة بين أحضان الطبيعة ستكون رائعة حيث النسمات العليلة والمناظر الخلابة: ((أما هواء ذاك المكان بالتحديد فكان نقياً، إذ لا عوادم للسيارات تنفث سمومها ولا أبراج لمصانع أو معامل تخيف بهباب فحمها المنثور.. قصة الفرات والدموع..)) ((البيئة فـي عيون الصغار.. قصص للأطفال)).

وهاهم الصغار يقصدون اليوم فـي رحلة أحد الأماكن الجميلة، هناك حيث الطبيعة الساحرة، رغبة فـي استنشاق هواء نقي يزيدهم صحةً ونشاطاً: ((وبفارغ الصبر انتظر جمول موعد الرحلة، كان الجو جميلاً والشمس ساطعة تبشر بقدوم الربيع، إذ ما من شك فـي أن نزهة بمثل هذا اليوم تبث فـي النفوس الأمل والسعادة، لا سيما بعد أن طال التلوث بسمومه هواء مدننا المزدحمة)).. ((قصة جمول والفضول.. سلمى والكلمة وقصص أخرى.. قصص للأطفال)).

تحذير واضح من مخاطر التلوث يبديه بعض الصغار فهم على دراية بما يؤدي إليه من مخاطر ((تجدها وقد أماطت اللثام عن وجه عوامل التلوث المختلفة عبر تسليطها الضوء عليها وتحديدها بدقة بحيث لا تدع مجالاً للشك، فمن يلوث الهواء بمركبته حثته على فحصها أو تركيب فلتر خاص يثبت على عادمها، ولم تتوان عن إرشاده إلى مصادر الطاقة البديلة الرخيصة والصديقة للبيئة، حدث هذا أثناء نزهة قامت بها برفقة أمها وشقيقتها بين أحضان الطبيعة)).. ((قصة ولاء والضوء.. قطوف عبقة.. قصص للأطفال)).

ليس ما ينفث من دخان هو مصدر تلوث الهواء الوحيد، فنتيجة علاقة بعضهم السيئة مع الطبيعة، على سبيل المثال ما تعرضت إليه البادية من اعتداء أهوج أصابت شروره ما يكسو أرضها من غطاء نباتي لا شك بأنه يسهم فـي ذلك: ((تكاد الرؤية تنعدم يا أمي، أظن أن هناك صعوبة بالغة فـي استمرارك بقيادة السيارة يا والدي، من يدري ربما تستمر هذه العاصفة الهوجاء طويلاً؟..)) ((قصة عواطف والعواصف الغبارية.. نفحات عطرة.. قصص للأطفال)) كانت تلك العاصفة مفاجئة لعواطف، إذ لم تتخيل أن هولها يكون كبيراً إلى هذا الحد، فهي لم تعهدها من قبل، حتى إنها أخذت تبكي، فـي حين راح والداها يهدئان من روعها.

براعة واضحة يتسم بها بعض الصغار خلال حديثهم عن الهواء وأهميته: ((لولاها لما تحركت الغيوم لتهل علينا خيراً وعطاءً، ولما تجدد هواء مدننا المزدحمة الذي يحمل الكثير من الملوثات التي تهدد حياتنا بكارثة حقيقية فيما لو استمر التلوث على هذا المنوال، ناهيك عن دورها فـي تلقيح ما تحتويه الأشجار من أزهار لتغدو ثماراً شهية..)) ((قصة سماح والريح.. نزار والأشجار.. قصص بيئية للأطفال)).

نظرت إثرها الأم إلى صغيرتها نظرة مفعمة بالإعجاب، ولم تتأخر عن ملاحقتها بعبارات الإطراء، خاصةً بعد أن توصلت إلى تصميم لآلة تستغل حركة الرياح لتعمل عليها فتزودهم بطاقة كهربائية تمكنهم من معالجة نفايات مزرعتهم لإنتاج مواد مختلفة زهيدة الثمن وصديقة للبيئة.

ويظل الهواء النقي حلماً يطارد الجميع وبخاصة الصغار، فهو مؤشر على بيئة سليمة لم يدنسها التلوث، ترى هل يساعدهم الكبار على تحقيقه؟ وهل تتحقق أمنية الشاعر أحمد حسن بدر فـي قصيدته بيئتي؟

لا نرى سم دخان            فـي المسام الرئوية

2 الماء فـي أدب الطفل: 

لا أحد ينكر أن الماء هو سر الحياة، لولاه ما كانت هناك جنان خضر ولا بلابل تشدو أو عصافير تزقزق، فهو نعمة كبيرة وهبنا الله عز وجل إياها، لهذا يجدر بنا أن نحسن التعامل معها ((وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)).. (سورة النحل:66).

ما أروع الطبيعة حين يكون للماء حضور فيها: ((أسطح بيوت ريفية.. بعضها قرميدي.. سواقي مياه عذبة أظهرت مقاطعة تامة لكل أشكال التلوث.. بساتين على مد البصر.. سنابل قمح.. بنفسج وسوسن.. رائحة زكية تفوح من هنا وهناك تنافس المسك والعنبر والريحان)).. ((قصة ياسمين و حرف السين.. هنوف فـي رحاب الحروف.. قصص للأطفال)).

مثل هذه المشاهد الرائعة تجعل الألوان والأنغام تتداخل فتودع المرء فـي غفوة تتبعها صحوة تأتيه بفعل هديل اليمام: ((كان يقفز الجداول فرحاً برؤية تفاصيل أعماقها، فماؤها العذب الزلال يكشف كل أسرارها، كيف لا وهي البعيدة عن كل أسباب التلوث؟! أما سعادته فكانت لا توصف عندما يحس بأن بعض الحيوانات تجمعت حول تلك الجداول لتأخذ جانباً من الراحة ولترتوي من مائها قبل أن تتابع مشوارها..)) ((رحيل النورس.. رواية للأطفال)).

ولأن للماء أهمية خاصة تجد الكثيرين ينتظرون المطر بشوق، لاسيما بعد أن يحتبس طويلاً، تكون خلالها أحوال العباد قد ساءت، فيبس الزرع وجف الضرع، لاشك فـي أن الناس سيسعدون بهذا العطاء القادم والخير الوفير: ((أعتقد أن مخزون جوف الأرض من الماء سيزداد بعد ذلك الشح المرير الذي عانيناه، ليتها تكون سنة مباركة تبشر بالأمل وتحمل إلينا فـي جعبتها الكثير مما افتقدناه وحلمنا به)).. ((قصة الغمامة الهاربة.. الصغار والغذاء.. قصص للأطفال)).

شوق كبير إلى قطرة المطر أظهره الصغير فـي تلك القصة بعدما نظر إلى غمامة وهو يقول: هلمي عانقي أرضنا، إنها بشوق لما تحملينه، أقسم أني زرعت الكثير من الأشجار التي أخاف عليها فيما لو تأخر عطاؤك، ليتك تعلمين

يا عزيزتي كم تحمل إلينا من فوائد، فلولاها لاستحال العيش على كوكبنا اليوم.

لم يسمع من تلك الغمامة غير صدى صوت دوى بعدما دفعت بها الغيوم باتجاه آخر ((كان بودي النـزول إليكم، لكن طالما أرضكم تحتضن بذور الأنانية والنميمة والحسد فلن أجود عليكم بالمطر))، لكن قطرة المطر تهبط من غيمتها فـي مكان آخر ((مسرحية سر الحياة.. أحمد الكواملة)) مؤملة أن يحسن الآخرون التعامل معها:

ماذا أسمع يا أصحاب

لولاي لما كانت خضرة

لولاي لما نبتت شجرة

علائم خوف وقلق رهيب ارتسمت على وجه عوف ((عوف والخوف.. قصة للأطفال)) وهو يحدث إخوته عما يحمله إلينا سوء التعامل مع الماء، تلك النعمة العظيمة، هكذا وصفها، مبرزاً أهميتها البالغة فـي حياتنا، محذراً من مخاطر هدرها والعبث بها، متمنياً  فـي الوقت نفسه أن يعود المتهاونون والمستهترون إلى رشدهم لينصفوا قطرة الماء التي عانت الكثير.

ولهذا يحرص الأوفياء عليها فـي مسرحية ((سعاد والأعياد))، يؤكد ذلك قول الأم وهي تحدث صغارها: ((لا أعتقد أنكم تشكّون بأهمية الماء العظيمة فـي حياتنا، لهذا تجدوني أحرص على عدم هدره، ولم يهدأ بالي إلا مع دخول العامل إلى منـزلنا ليساعدنا فـي تجنب ذلك))، لم يغب أيضاً هدر الماء عن قصائد بعض الشعراء، مؤملين أن يتجنبه الصغار وأن يدركوا ما يحمله غيابه من مخاطر، فهاهو الشاعر راشد عيسى يقول:

قلت لأمي: أسـمع صوتاً            ينـزل.. ينـزل نقطه نقطه

وقفت أمي تصغي بصمـت          عـرفت عرفـت سرَّ الصوت

قالت: يا فدوى يا بـنـتي            لـولا المـاء إذن ما كـنـت

قلت لأمي: لـن  أهـدره              نبـع   حياتـي   سـأقـدره

((البيئة أمانة فـي أعناقنا فلنحافظ عليها سليمة)) طرح لرباب أثنت عليه معلمتها ((يوميات طفلة.. قصص للأطفال))، فهي بالأساس تفكر فـي أن تطرح ما يشوب مخيلة بعض الصغار من تصرفات تسيء إلى بيئتنا، تجدها لهذا تكون قد نبهت زملاءها إلى أهمية ما تجود علينا به الطبيعة، مشيرةً أيضاً إلى ما يؤديه الماء وبقية عناصرها من دور عظيم فـي حياتنا.

بكل أسف تُغتال أحياناً براءة الماء وعذوبته بما يصله من ملوثات، ففـي قصة بسمة والطبيعة ((البيئة فـي عيون الصغار.. قصص للأطفال)) تأثرت بسمة بما أصاب البحيرة من كارثة فبكت وقالت: يجب على هذا المصنع أن يجمع فضلاته فـي مكان مخصص لها ويرمي فـي البحيرة المفيد منها كغذاء للأسماك وغيرها.

لم يتوان الأب عن رمق ابنته بنظرة مفعمة بالإعجاب وقال: حسناً سأذهب غداً إلى مدير المصنع لأقول له ((باسم الطفولة.. حافظوا على نظافة البحيرة)).

خوف كبير يجتاح الصغار ((قصيدة شاطئنا الجميل.. للشاعر محيي الدين سليمة)) وهم يتأملون شاطئ البحر بعدما ألم به التلوث فدنس مياهه، لهذا لم يكن أمامهم إلا أن يرددوا بحسرة: 

اجتاح الشاطئ إعصار             الموت به والظلمات

وعوامل فيه مدمرة                 بالجهل أبيدت جنات

فمياه الصرف تلوثه                وبـها سم ونـفايات

3 التربة فـي أدب الطفل:

لا شك فـي أن للتربة أهمية كبيرة فـي حياتنا، فهي الركيزة لانتشار الخضرة، حيث يحلو للصغار الركض فوق مروجها وراء الفراشات الجميلة الزاهية الألوان ((هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ))..((سورة الملك:15)).

أما حرص الصغار على الغطاء النباتي فيؤكد رغبتهم فـي الحد من انجراف التربة وتدهورها، ففي قصة سهيل والسيل ((لامع والضفادع وقصص بيئية أخرى.. قصص للأطفال)) قال سهيل وقلبه يعتصر ألماً بعدما اجتاحتهم عاصفة هوجاء: ((يا له من سيل جارف يا أماه، انظري كم أنه قوي، لم يرحم ما احتوته بعض المنازل الريفية من أمتعة وبعض قطع الأثاث)).

فـي حين تبدو الأرض لرياض ((قصة رياض والأرض)) جميلة ومعطاءة، لم تبخل علينا بخيراتها، حتى إنها أحياناً تحتضن كميات من المياه مشكلة بحيرة كهذه، هذا ما قاله وهو يقترب من رجل قصدها للاستمتاع بجمالها وروعتها، أو ربما ليمارس هواية الصيد فيها.

ومن مكان ليس ببعيد أظهرت مساحة من الأرض حزناً وبؤساً، أخذت تشكو همها قائلة: ((أصبحت الآن ملوثة، أقسم إني لم أرغب بوصول الملوثات إليكم، لكن هناك من يتعمد الإساءة – أو ربما عن جهل – فـي استخدامه المواد الكيماوية، أذكر منها بعض أنواع الأسمدة أو المبيدات.

تألم شقيق رياض لما سمعه فاغرورقت عيناه بالدموع، بينما ربت رياض على كتفه قائلاً: لاشك فـي أن عالمنا لا يزال يحتضن الكثير من أصدقاء البيئة الأوفياء، هؤلاء لن يبخلوا علينا بمد يد العون حتى نعيد للأرض فرحتها وابتسامتها)).

فـي قصة ((هبة والأراضي الرطبة)) أكدت الصغيرة أن هذه الأراضي تكون حيث يتواجد منسوب المياه الطبيعية فـي مستوى الأرض أو قريباً منه، أو عندما تغمر بمياه ضحلة، فهي تعدها من أكثر البيئات المنتجة فـي العالم، منها الغذاء والمياه التي يعتمد عليها للإبقاء على أنواع لا حصر لها من الكائنات الحية.

قصص بيئية أخرى أشارت إلى دور الأرض فـي احتضان البذرة ((قصة البذرة والحياة.. نزار والأشجار وقصص بيئية أخرى.. قصص للأطفال)) موضحة أن أعداداً من البذور اللواتي لم تنبتن فـي الموسم الماضي أبدين ارتياحاً مع قدوم الموسم الجديد، إنهن على ثقة كبيرة أن أبا علاء لن يقصّر فـي التعامل معهن، لهذا ينتظرن الآن بشغف ظروفاً مواتية حتى تبدأ مسيرة العطاء.

لون أصفر صبغ الخارطة ((قصة فاطمة والخارطة.. نفحات عطرة.. قصص للأطفال))، فذلك اللون يشير إلى مناطق الصحارى التي أخذت اليوم فـي الاتساع لما يحصل فـي بعض مناطق عالمنا من اعتداء أهوج عليها، لهذا و ببراءة طفولية راحت تقول: ((عجبي من ذلك المستهتر الذي لم ترحم شروره ما كان هناك من أماكن خضراء وارفة الظلال، دون أن يكترث بما سيؤول إليه ذلك)).

فـي مسرحية ((البيئة بين الخطر والأمل)) تبرز لوحة الصحراء لتعد التصحر من أهم المشاكل التي تواجه العديد من الدول، فهو يعني تدهوراً جزئياً أو كلياً لعناصر الأنظمة البيئية والأرضية، يؤثر على حياة الإنسان، إذ يهددها بانخفاض مستوى المعيشة والهجرة لأطراف المدن طلباً للعيش.

يقترب نزار فـي قصة ((نزار وحرف الزاي.. هنوف فـي رحاب الحروف.. قصص للأطفال)) من هذا الطرح عندما أطلق زمام مبادرة جديدة، حدث هذا انطلاقاً من اقتناعه بضرورة المحافظة على بيئتنا نظيفة وسليمة، آخذاً بالاعتبار أيضاً ما يحمله إلينا الغطاء النباتي من أهمية، فهو يثبت التربة ويبعد عنا شر الزوابع الرملية.

بدا حرف العين حزيناً ((قصة معين وحرف العين))، وهو يشيع عدل العصاة الحاقدين إلى مثواه الأخير، أمله كبير فـي تأثير الصغار على هؤلاء الكبار المتغطرسين والمتعطشين لدماء الرضع وعبق أزهار الربيع.

واليوم قصف أهوج أصابت شروره المقبرة، وتهدم قبر أبي عبد الله، تناثرت أشلاء جثته الراقدة فـي مكان خلودها الأبدي، وأعيد دفن الشهيد ثانيةً، من يدري ربما يدفن ثالثة ورابعة؟

حقيقة لا أحد ينكرها هي أن هؤلاء القتلة لا يستهدفون فقط الناس – الأحياء منهم والأموات – بل يدمرون البيئة أيضاً، إذ أصابت شرورهم التربة وكل ما عليها من نبات أو حيوان.

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب