لقاء العدد مع: الأستاذ الدكتور عمر بوقرورة:
كتب  حسن خليفة ▪ بتاريخ 01/07/2019 15:11 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 90

bo qrora

الدكتور عمر بوقرورة

 

  • اهتمامي بالأدب الإسلامي ناتج عن الرؤية الحياتية العامة التي نشأنا عليها منذ طفولتنا.

 

hasankha

المحاور حسن خليفة.


حاوره حسن خليفة - الجزائر

يقودنا الحوار مع البروفيسور عمر بوقرورة إلى استجلاء الكثير من الخفايا في موضوعات وحقول متعددة: الفكر الإسلامي، الأدب والشعر، الجامعة والشأن الأكاديمي، الكتابة الإسلامية المعاصرة في مجال نقد الحداثة..الخ، لقد حاولنا في هذا الحوار الذي يندرج في إطار الانفتاح على الكفاءات والكوادر الوطنية السامقة تعريفا وتنويها وتقديرا… حاولنا أن نمدّ أبصارنا إلى كل نقطة مهمة في عديد المجالات ذات الصلة باشتغال الدكتور بوقرورة. نأمل أن يكون الحوار كاشفا ومفيدا ونافعا، فالأستاذ الدكتور عمر أستاذ متعدد الاهتمامات، ففضلا عن كونه أستاذا للأدب الحديث والمعاصر، فهو باحث متمرس مهتم بالدراسات الفكرية والحضارية، إلى جانب اشتغاله بمجال النقد الحديث والمعاصر.

 

 * نبذة عن حياتك ومساراتك التعليمية، العلمية، المهنية؟

–  أما عن سؤال الحياة فمجال أجوبته ما يتعلق ببداية صعبة أصلها طفولة اليتم والمعاناة حيث خرجنا بعد استقلال الوطن من ويلات الاحتلال الفرنسي مصحوبين بالألم والأمل، أما الألم فأساسه استشهاد الأب في سبيل تحرير الوطن ووفاة الوالدة دون أن أعرف ملامحهما، وأما الأمل فأصله الاستقلال الذي يعني في عرفنا الطفولي البريء آنذاك أن نعيش في كنف الحرية التي ضحى من أجلها آباؤنا.. هكذا كانت بداية الحياة، حيث ولدت عام 1953م بقرية من قرى بلدية عين جاسر ولاية باتنة، حفظت القرآن الكريم وعمري اثنا عشر عاما..التحقت بعدها بالمعهد الإسلامي بباتنة حيث تخرجت فيه بشهادة البكالوريا، بعدها دخلت المعهد التكنولوجي لأساتذة التعليم المتوسط بباتنة حيث تخرجت فيه بالرتبة الأولى وبامتياز، ثم انخرطت في سلك التدريس لثلاث سنوات من الزمن، بعدها تم انتدابي إلى جامعة باتنة عام 1980م حيث تخرجت في قسم اللغة العربية وآدابها عام 1984 بالرتبة الأولى وبتقدير ممتاز، بعدها تحصلت على منحة دراسية إلى جامعة القاهرة حيث تخرجت فيها بشهادة الماجستير عام 1987م، وتم تعييني بعد ذلك أستاذا مساعدا في جامعة باتنة، وقد تحصلت بعد ذلك وفي عام 1994م على شهادة دكتوراه الدولة من جامعة قسنطينة بتقدير مشرف جدا، انخرطت بعدها في سلك التدريس المؤيد بالبحث العلمي حيث حاولت أن أبذل الجهد قدر المستطاع ووفقا لرؤيتي الخاصة المؤيدة أبدا بالعلاقة السليمة بالله وبالوعي بالأزمنة الحضارية الواعية للأمة في علاقتها الإيجابية بالأمم من حولها، والجهد أثمر لحد الآن اثنا عشر كتابا مطبوعا وكتبا أخرى تنتظر الطباعة، وأكثر من خمسين بحثا شاركت بها في مجلات دولية وفي مؤتمرات وندوات وطنية وعربية وعالمية، يضاف إلى هذا الجهد العلمي المتعلق بالإشراف العلمي على الرسائل الجامعية وبالتعامل المتواصل مع جامعات جزائرية وعربية وعالمية في مجال تحكيم البحوث.

 

* علمنا أن لك اهتماما بالأدب الإسلامي في وقت مبكر جدا… حدثنا عن ذلك؟

– الحديث عن اهتمامي بالأدب الإسلامي هو حديث عن الرؤية الحياتية العامة التي نشأنا عليها منذ طفولتنا حيث احتضننا مهاد طفولي قروي محافظ مؤيد، تلك الرؤية التي تكللت بحفظنا للقرآن الكريم، ولعلها الرؤية التي أسست فينا انتماء حضاريا تعمق بعد ذلك بالدراسة التي تشكلت بها رؤيتنا للمعرفة والفن والحياة بصفة عامة، بهذا جاء اهتمامنا بالرؤية الإسلامية في الفن والأدب وبعالم المعرفة بصفة عامة، فكنا نتعامل مع عالم المعرفة والأدب منذ دخولنا إلى الجامعة ببدايات الوعي النقدي المؤيد بالوعي الحضاري الذي لا نعي الأدب ولا نرى المعارف بصفة عامة إلا من خلاله، فكنت أحاور أساتذتي بقوة حول ماهية الفن والأدب وماهية النصوص ووظائفها وجوهر تشكلها في علاقة كل ذلك بأزمنة  الأمة، رغم أن الحوار مع الأساتذة في هذا المجال نادر، فالأساتذة الجامعيون غالبا ما ينخرطون في الدرس الكمي الذي لا يتعاملون به مع الدروس ومع عالم المعرفة إلا من خلال الكم الذي يعتمدون فيه على النقل دون السؤال عن ماهية المنقول، وأذكر أنني كنت أعاني اغترابا كبيرا في قاعات الدرس في الجامعة حيث كنت أسأل عن جوهر الفنون والمعارف ووظائفها في علاقتها بالأزمنة الحضارية التي تمر بها الأمة، ولكنني لم أجد الجواب.

وقد تعمقت أسئلة الفن والأدب والحضارة بعد ذلك عندما تعمقت دراستي ومطالعتي حيث لم أكتف بدراسة الأدب فرحت أطالع كتب الحضارة والفكر والدراسات الجادة الواعية التي لها علاقة بالدرس القرآني المندمج في الدرس الحضاري، وبذلك كان اهتمامي بالأدب الإسلامي، لكنه اهتمام مشروط بالرؤية المعرفية الموصولة أبدا بالعلاقة السليمة بالله وبالوعي بالأزمنة الحضارية للأمة، بعيدا عن سلطة الوسيط (الجهوي أو العشائري أو القبلي، أو السياسي، أو الديني…)  ذلك الوسيط الكريه الذي اتخذه بعض الدارسين والأدباء المهتمين بالأدب الإسلامي منهجا لهم في تعاملهم مع عالم الفن والأدب والإبداع.

كان ذلك الاهتمام منذ بداية الثمانينيات من القرن العشرين ولعله الاهتمام الذي تحول إلى رؤية معرفية وفنية ونقدية اتخذناها منهجا لنا في حياتنا، هذه الرؤية التي تأيّدت بقراءتنا المتأنية لتأسيسات قرآنية لمفهوم الفن والشعر والكلمة المبدعة الطيبة بصفة عامة، فأصبحنا بفعل تلك القراءات لا نرى الأدب والفن إلا بالوعي الحضاري الذي يجعل علاقتنا موصولة بالله دون سواه، وقلنا هذا لأننا ندرك الآن أن  كثيرا من المهتمين بالأدب الإسلامي أنفسهم قد انخرطوا في دائرة المتغير الديني والسياسي السيئ الذي كشف عن خلل في أصل المعرفة عندهم، حيث اعتمدوا في إسلامية الأدب والمعرفة على الوسيط فضاعوا وضاعت جهودهم.

 

* كيف تبدو لك صورة الأدب الإسلامي اليوم.. من خلال ما تراه، وأيضا من خلال رابطة الأدب الإسلامي العالمية؟

– السؤال له علاقة بما سبق، والجواب عن السؤال جوهره الرؤية الإيمانية السليمة التي تجعل كل الجهود وكل الآداب والفنون  والمعارف وكل الرؤى موصولة أبدا بالله سبحانه وتعالى في إطار رؤية إيمانية استخلافية، هذه الرؤية التي يفترض في المبدعين والمفكرين وأهل البحث العلمي في أوطاننا العربية والإسلامية ألا يتفاعلوا مع عالم المعرفة والإبداع إلا بها في علاقة كل ذلك  بالمتغيرات العالمية من حولهم، بهذه الرؤية نجيب عن سؤالكم بقولنا: إن حضور الأدب الإسلامي في الزمن الحالي ضعيف، وأن المشكلة إنما تكمن أساسا في عجز أهل الأدب والمعرفة بصفة عامة عن الإقبال على عالم البحث والإبداع بالصيغة الإيمانية، والعجز أساسه المرجع المعرفي والمنهجي الحاصل في ثقافتنا المعاصرة التي تأصلت بسند مرجعي اغترابي بعيدا عن عالم الذات، والعجز أساسه أيضا ما حصل من متغيرات سياسية وثقافية واجتماعية وسلوكية أيضا في عالمنا العربي وفي العالم من حولنا منذ نهاية القرن العشرين إلى الآن، والعجز حاصل بالضرورة بالخلل المعرفي الذي أصاب المنخرطين في الكتابة بالصيغة الإسلامية، حيث حبسوا أفكارهم وأشعارهم في دائرة الكتابة الخاطئة التي تعتمد الوسيط أساسا في إسلامية الأدب، وللعلم فإننا قد حذرنا منذ أن أنجزنا أطروحة الدكتوراه من هذه الثقافة وهذا الأدب المعتمد على الوسيط، وقلنا حينها: إن الذي ينخرط في الكتابة بالرؤية الإسلامية عليه أن يراهن على الله أولا وآخرا، بتلك المتغيرات كلها وبالخلل المعرفي والفني  يحضر مشهد الأدب الإسلامي اليوم (مؤسسة وكتابات أدبية ونقدية وإبداعا).

 

* يكاد يكون أكثر الأدباء شهرة ورواجا ممن ليست لهم صلة بالدين والعقيدة، بل لعلهم من خصوم الدين.. كيف تقرأ  ذلك؟

وكيف تفهم تحديدا هذه الجرأءة الكبيرة على”المقدسات “(الذات الإلهية ـ الرسل والأنبياءـ القيم والمبادئ) في النص الأدبي والنقدي العربي المعاصر؟


-القضية نفهمها دون تعقيد من خلال فهمنا وإدراكنا لماهية المرجع المعرفي والأدبي والفني الذي يحكم كتابات هؤلاء والذي جعلهم لا يرون الكتابة إلا به، والمرجع منقول ومستعار، وهو مرجع أقبل عليه الدارسون والأدباء  العرب المعاصرون الموسومون بالحداثيين دون وعي، ودون سؤال عن ماهية المرجع وعن ماهية العلاقة  بين المرجع وبين الذات التي هي ذات منتهكة الأصل المعرفي أساسا، وبالمرجع المستعار الذي تحول إلى أصل في ثقافتهم وفي المشهد العام لحياتهم كانت كتاباتهم التي لا يرون بها المقدس والانتماء الحضاري كما لا يرون بها وجودهم أصلا إلا من خلال الآخر الذي يملي المرجع والرؤية والذي يشكل عناصر الذات، والذي ألقي بهؤلاء الأدباء أخيرا في أزمنة التيه والضياع لأننا ندرك يقينا أن الذي لا يملك مرجعه المعرفي الذي تتشكل به عناصر هويته لا يمكنه أن يملك عناصر وجوده أصلا ، وعن إشكالية الجرأة على المقدس نذكر أن فاقد الأصل المرجعي وفاقد الذات وفاقد الهوية وفاقد الأخلاق الإنسانية العامة هو الذي يخاصم ويعادي ويتجرأ بل ويختار القطيعة مع أصله ومع ماهية وغائية وجوده ، وفي الجرأة على المقدس وعلى المنظومة القيمية للمجتمع نذكر وبكل أسف أن أبواب الشهرة ومرايا الإعلام والإشهار وصكوك الجوائز في عالمنا العربي إنما تمنح في أغلب الأحيان وفي غياب الضمير لهؤلاء المغامرين.

 

 

* هذا يقودنا إلى الحديث عن “فتنة الحداثة” ونتائجها المدمّرة على مستوى الأدب والنقد في الساحتين العربية والجزائرية.. هل من إيضاحات شافية؟

– الحديث عن الحداثة يقودنا إلى ماهية المصطلح نفسه في علاقته بماهية حضوره في الواقع المعرفي والعلمي والقيمي والمجتمعي، إن الحداثة عند الأمم الأخرى وعند الآخر الأوربي الذي هو مصدر ما ننقل وما نستعير استجابة لحاجات تلك الأمم التي فرضتها المتغيرات  المعرفية  والفلسفية  والحضارية  المتعلقة بماهية وجودها في العالمين من حولها، كما هي متعلقة بمدى وعي هذه الأمم  وبمدى ما تملك من فهم واستيعاب لجوهر الوجود نفسه في علاقة تلك الأمم بالكون من حولها، أما الحداثة عندنا فهي نقل واستعارة وهي اغتراب عن الذات وانقطاع عن المكون الحضاري وتشويه وتحطيم لعناصر وجوهر الهوية أصلا.

بذلك وجدنا الحداثة وهي تتجسد في واقعنا العربي في تيار أدبي ونقدي وإبداعي ومعرفي عام، ذلك التيار الذي اختار التحول نحو الآخر وجعله مرجعا ومركزا لرؤية  سلبية منقولة غدت عند ذلك التيار رؤية نهائية للكون والوجود ، إنه التيار الذي لا يرى الحياة ولا يمارس الكتابة، ولا يحاور الأنا والآخر إلا بتلك الرؤية المنقولة، ولذلك لا نتعجب ونحن نقرأ  بعض ما تتقوّله الأسماء الموسومة  في الجزائر وفي العالم العربي بصفة عامة بالحداثية أو بالأسماء الرائدة التي تمسك بمفاصل المعرفة والنقد والإبداع ، والمتقوّل منقول عن الآخر، وهم في الواقع لسان حال ذلك الآخر فهم لا يرون إلا ما يرى، وهم ينطقون باسمه، إن المشكلة في الحداثة في عالمنا العربي المعاصر أن نجد الباحث والدارس والناقد الحداثي فاقدا للوعي الذي يمكنه من فهم واستيعاب أصول المعارف والمناهج والأفكار، فهو لم يتعامل إلا مع المنقول الذي أنتجه تودوروف وجاكبسون ورولان بارت وجاك دريدا وجيرار جينيت… وفي هذا نسأل كيف هو حال النقد عندنا و هو يجهد النفس في تنظيرات منقولة يحاول  بها أصحابها أن يحاوروا  النص الشعري أو الروائي كما يحاوروا المتلقي العربي؟ إن المحاورة – لاشك – مبتورة ، بل هي مستحيلة، لأن الناقد العربي الحداثي أو الشكلاني بصفة خاصة يستقبل عناصر الشكلانية ويحفظها بترديد يفوق ما يفعله الأوربي نفسه، لكنه ينسى الأهم الماثل في فهم النسق والسياق  بجهد مضاعف يستلزم الوعي بالنسق الحضاري الأوربي وبالنسق الحضاري العربي أيضا، وبدون ذلك تغدو المعرفة ويغدو النقد اختزالا تعسّفيا لأن النقد لا ينجز بالمشابهة، بل بشروط منهجية وبمستويات وظيفية ذات جمالية ومعرفية تضمرها هوية الخطاب، والهوية ليست آخر أبدا.

لقد تحول النقد  في مشهد الحداثة في عالمانا العربي إلى أشتات من ملصقات بمسميات غير مستوعبة ، تلك الملصقات التي تبدو في تراكم اصطلاحي يقبل عليه النقاد الموسومون بالحداثيين في إطار السياق التأثري المحموم (…النصية.. اللا نصية.. الميتانصية.. الأدبية.. اللاّ أدبية.. ما تحت الأدب.. الانزياح.. الفجوة.. التوتر.. الانقطاع…).

والمشكلة الكبرى في هذه الحداثة إنما نجدها في ذلك السلوك الإقصائي المؤيد بواقع معرفي ونقدي بدا به بعض الأكاديميين في الواقع العلمي الذي عشناه في الجامعات الجزائرية، أولئك الذين اختصروا الأدبية في شكلانية متعالية، وأبعدوا بذلك كل صوت معرفي وكل خطاب نقدي يحاول به أصحابه أن يجاوروا الأمة، أو ينجزوا صور فهم النص من خلال استيعاب ماهية المعرفي الذي تشكلت به النصوص، ونتيجة الاختصار ضياع الرسالية في جيل كامل من الباحثين الجدد الذين أُرغِموا في أقسام الدراسات العليا – في كثير من  الجامعات  الجزائرية و العربية  أيضا –  على نهج ما أراده الأساتذة ، فكان النقد بلا نسق وسياق وبلا رسالة.

والمشكلة تكمن أيضا في أن يتجاوز النقد حقل الشعر والرواية ليصب في دائرة  دراسة النص القرآني نفسه وفقا لقاعدة الشكل ولهوس موت المؤلف تلك القاعدة التي ألحقت الضرر بماهية ثقافة الأمة العربية الإسلامية في نهايات القرن العشرين بصفة خاصة، لقد أقبل بعض الباحثين – في إطار ومضة منهجية ومعرفية إشهارية –  على دراسات أدبية ونقدية ولغوية ولسانية موضوعها القرآن الكريم الذي أخضعوا نصه الخاص المحكوم بدلالات الوحي  إلى شكلانية اختزلته في بنيات لغوية مؤيدة بمناهج إحصائية أفقدته روحه وجعلته في مستوى النص الشعري حيث غدا الفرق بين النص القرآني والنص الشعري – في معظم الدراسات المؤيدة بالشكلانية – صفرا، فالمهم عند هؤلاء أن يحصل التجاور بالشكل وإن أدى إلى قسر وقهر يبعد الدراسة عن هدفها الأسمى الماثل في جماليات نكتشفها في ثنايا نص الوحي الخاص المؤيد بالجلال والقداسة، هكذا ترد الدراسات المذكورة بهذه العناوين (سورة الرحمن.. دراسة بنيوية…، سورة الأنعام.. دراسة سيميائية...، سورة البقرة.. دراسة في الانزياح النصي…، سورة القصص.. دراسة في البنية القصصية…)!!

 

والنتيجة بهذا الدرس الحداثي المبتور من سياقه الحضاري اغتراب السؤال الأدبي والنقدي والمعرفي العام عن الذات، فالحداثي لا يتعامل مـع الأسئلة إلا في إطار الانفصام الخاضع لهزيمة حضارية  شاملة، وهو لا يرصد إلا الأجوبة الجاهزة التي يوفرها النقد الغربي، والجاهز لا يغني ولا يسمن، كما أنه لا يمنحه أدنى الشروط المنهجية والمعرفية التي تمنح أدبه وإبداعه السلامة والتماسك والانتماء.

والخلاصة جهد مهدور فنحن لا نكاد نـعثر في الجامعات الجزائرية بصفة خاصة، وفي أقسام الدراسات العليا في أخريات القرن العشرين وفي بدايات القرن الجديد على كرسي يشغله ناقـد يوفر أبجديات المنهج النقدي الذي يمكنه أن يؤسس لمدرسة عربية تعمل في إطار الوعي الذاتي بعيدا عن النقل، وتجتهد في إطار التواصل الإيجابي الذي يضمن حضور التلميذ والمتلقي في دائرة الأستاذ الذي يملك خصوصية المنهج والمعرفة وخصوصية السؤال المؤيد أصلا بملكية الذات.

إن  الإبدالات النقدية والمنهجية التي لا يحركها السند المعرفي الخاضع لأسئلة الذات الناقدة في علاقتها الإيجابية بالأنا وبالآخر (منهجا ومرجعا معرفيا)، هي إبدالات عليلة قوامها المعرفي المنقول المؤيد بالواقع العربي الذي عجز المكون الاجتماعي والثقافي فيه على التفاعل مع مقومات البقاء التي لا تثمر إلا بالكف عن ملاحقة الإبدالات بطريقة التراكم المعرفي الناقل، فالتعامل مع الجديد المعرفي واجب حضاري وفني وإنساني، والنقل عنه دون الإبداع والتجاوز خطيئة، فمحصلة النقل تكرار وفوضى وإهدار للجهد المبذول.

 

* وكيف يمكن لنا تجاوز هذا في تقديرك..؟ أي كيف نستفيد من “منجزات الحداثة ” دون أن نصادم مبادئنا وأصولنا وتاريخنا ومقدساتنا؟

– السؤال مهم وجوابه أن الحداثة انزياح معرفي وفني وحضاري شامل وأنه لا يمكن لأحدنا أن يغض الطرف  عن هذا الانزياح  أو  يقاطعه أو يخاصمه بدعوى أنه انزياح الآخر، إننا نعلم يقينا أن العالم يعيش زمن المعرفة الكونية الواجبة، لكننا نعلم أن اندماجنا في معارف عالمية لن يأتي إلا بوعي ثقافي ومعرفي يتيح لنا معرفة الذات أولا، ثم معرفة الأسس الثقافية والمعرفية التي نتفاعل بها مع الآخر ونشاركه بجدل يفضي إلى حضور الجميع سواسية في مجال إنتاج المعرفة،فالحل إذا أن نتعامل مع عالم الحداثة وما بعدها بإيجابية تضمن حضورنا وتعاملنا وتفاعلنا مع الآخر أيا كان هذا الآخر، والإيجابية أساسها الشروط  التي يجب أن تتوفر في الباحث أو الناقد أو المفكر  نفسه والتي نختصرها في الآتي:

 

حضور الرصيد المعرفي المؤيد بالرصيد العقيدي والفكري الضامنين لسلامة معرفية ومنهجية يسلكهــا الباحث،  فجهد أي ناقد أو باحث أو مفكر لا يمكنه أن يثمر إلا إذا ارتبط ارتباطا عضويا بالخاص الحضاري الواعي الذي يهبه المعنى والدلالة ، وبالتالي فإن حضور المعرفي بالشرط المذكور ضرورة لازمة للتعامل مع مشهد الحداثة وما بعدها.

الحذر من النقل المعرفي والفني الخاضعين لاستعارة يقع فيها كثير من النقاد الذين لا يتوفرون على الأصول المعرفية المؤهلة للتأثر السليم الخاضع لشروط الأنا، والعنصر خطير إذا ما تعلق الأمر بنا عربا ومسلمين ذلك لأن النقل هنا إنما يتعدى المجال النقدي والفني ليصب في دائرة المعرفي العام والشامل حيث يتحول المصدر فيه إلى فرع ناقل جاهد في البحث عن الجديد الموهوم الذي صار قديما في أصله، وتزداد خطورة هذا العنصر في النقد عندما يتخلى النقاد عن أدائهم المعرفي المسؤول ويتحولون إلى صيادين أذكياء ماهرين يصطادون المعارف والمناهج والمصطلحات الموغلة في الغموض الخاضعة للانبهار والمفاجأة، وهم يسعون بذلك إلى أن يظهروا مجددين عصريين أو حداثيين ماسكين بأسباب الريادة التي تلقي بهم في عالم الشهرة.

ولاء الجامعي لأمته، فالبحث الجامعي مسؤولية فنية وفكرية وثقافية وسلوكية أيضا، وهو بحث مستمر عن الجوهر الذي يضمن الحـكم السليم، وهو أيضا مسؤولية أخلاقية تفرض على الباحث أو الناقد نوعا من الولاء المخلص لأمته، والباحث بهذه الشروط جاد وهو باحث من أجل موقف شامل ورؤية كلية يمنح بها الخير لذويـه وللعالم من حوله ، وبهذا يبتعد عن النقل والاستعارة وعن التأثر السلبي بالآخر وعن السطحية والعرضية، ويتغلغل في عمق المعارف والمناهج سائلا كاشفا عن إنّياتها من خلال إحاطة شاملة بها في ضوء العلاقة الواجبة المميزة بين أصول الأشياء وفروعها.

وهنا نؤكد أن الحقل المعرفي والأدبي والنقدي والإبداعي المؤيد بالانتماء الوطني والحضاري هو الحاسم في تحديد العلاقة بين ما ينجزه الباحث وما يستقبله من مراجع تصب في الإطار العالمي العام، فنحن لا نتصور مبدعا أو مفكرا معاصرا يكتب دون أن يتفاعل مع قضايا أمته بالتزام فني وموضوعي يدرك به كنه الأزمنة، وكنه الانزياحات الحضارية التي تمر بها أمته.

 

* كونك أكاديميا وباحثا مارست مهنة التدريس الجامعي على مدار عقود.. ما هي خلاصة تجربتك؟ وكيف يمكن تقويم “قطاع التعليم العالي” في بلدنا وفي البلدان التي درّستَ فيها؟

– الحديث عن التعليم العالي يقودنا إلى السؤال عن ماهية هذا التعليم الموسوم بالعالي، وعن هويته؟ وعن المرجعية المعرفية والمنهجية والإدارية والقيمية التي تتحكم في القطاع الجامعي تأسيسا وتأصيلا؟ فهل تتوفر جامعاتنا ومراكزنا العلمية على باحثين مؤطَّرين وفقا لهويتهم، عازمين على تحقيق الخاص المعرفي والمنهجي الذي يعني إثارة الإشكاليات التي تتقاطع جدلا مع المبتغى العلمي في المجتمع والأمة، أم أن البحث العلمي والتعليم الجامعي بصفة عامة تعميم وتعويم ورصد لإشكاليات معرفية ومنهجية منقـولة لا علاقة لها بواقع الأمة؟ والسؤال نستحضره بجدل مفاهيمي مفاده أن التعليم الجامعي -كما نفهمه ونتمناه- جهد معرفي ومنهجي سنني تنجزه الأمم في إطار قانون الخصوصية المعرفية والحضارية الواعية ، الذي يلزم الجامعيين أنفسهم بضرورة الانطلاق من هذه القانون المذكور الذي يجب أن يعملوا به على إيجاد حلول  لمشكلات  فكرية وثقافية واجتماعية يواجهها قطاع التعليم الجامعي نفسه كما يواجهها المجتمع  الذي يحن أبدا إلى مؤسسات جامعية تمنحه الحلول الواجبة لمشكلاته.

وفي الحديث عن ماهية قطاع التعليم العالي نذكر بعض  السلبيات المميتة التي أصابت هذا القطاع في الجزائر وفي العالم العربي بصفة عامة وهي:

اغتراب الباحث والأكاديمي الجامعي نفسه في أغلب الأحيان عن دوره الرَسالي أو حتى عن دوره الحياتي العام، حيث ارتمى الكثير من هؤلاء في أحضان الشهادات الملفقة ( بحث الدقيقة والثانية ) الخالية من الجهد والاجتهاد.

غياب البحث المثير لأسئلة الإشكاليات المعرفية والمنهجية وفقا لحاجات المجتمع والأمة، وفي هذا الغياب سيفاجئنا حتما أمران خطيران: أولهما أن يرفض المجتمعُ البحث َبمنهجه ومحتواه، وحينها لاتصله الإشكاليات ولا نتائجها لأنها لا تهمه في الأخير، إذ هي ليست ملكا له، أو هي لم تدخل في دائرة تكوينه الحياتي العام كما لا تتعلق بخصوصياته الحضارية وبماهية وجوده أصلا ، أما الأمر الثاني فالمحتمل فيه أسوأ ومفاده اندماج المجتمع في مرجعيات الغير، واغترابه عن قضاياه ومشكلاته الخاصة الخاضعة لكينونته، والنتيجة بعد كل هذا الجهد أن يؤول المجتمع إلى التفكك في خصائصه وسماته،كما يؤول البحث نفسه إلى جهد مهدور، إن أهمية ما نفعله في عالم البحث وفي العملية التعليمية برمتها لا يكمن في سردنا للمناهج الغربية بفلسفاتها ومذاهبها … والتباري في حفظها واستظهارها في مدرجات الجامعة بشيء من التلقين الساخر الفاقد لسؤال الجوهر والقيمة ، إنه يكمن أساسا في مدى تفاعلنا مع هذه المناهج والمعارف وفقا لوعينا بخصوصيتنا الحضارية التي لا يمكننا أن نبلغ الحقيقة العلمية إلا بها.

التسيب والتلاعب بقيمة وقيم ما تحمله الشهادات العلمية العليا (الماجستير والدكتوراه) فبعض الكليات والمعاهد في  الجزائر وفي عالمنا العربي لا تعرف في منحها للدرجات العلمية إلا مشرف جدا أو ممتاز وإن ساد البحوث قصور منهجي وخلل معرفي، واعتماد كلي على الآخر الذي يغدو أساسا في العملية التعليمية برمتها.


* نعود إلى رابطة الأدب الإسلامي التي أنت على معرفة بها.. هل أدت أدوارها؟ وماذا حققت حتى الآن؟

– اسمحوا لنا أن نجيب هنا بكيفية أخرى، وبالشروط التي يمكنها أن تجعل الرابطة تحقق حضورها الإيجابي في الواقع الفني والنقدي في العالمين من حولها، فالرابطة في رأينا – وإن انقطع تواصلنا معها واقعيا منذ عشرية كاملة أو يزيد من الزمن إلا ما تبقى من تواصل مع قلة من  النقاد والدارسين الجادين المجتهدين  في المغرب الأقصى بصفة خاصة – لا يمكنها أن تحقق وجودها في الواقع الأدبي والنقدي من حولها، ولا يمكنها أن تكون معادلا فنيا ونقديا ومعرفيا قويا إلا بشروط ذكرناها منذ زمن طويل، وجعلناها شرطا أساسيا في تفاعلنا مع جهد هذه الرابطة الأدبية والشروط نعيدها الآن، ومنها:

-         الإمساك بالمرجع المعرفي الذي يصب في دائرة أساسها الإسلام وما ينضوي تحته من تراكم معرفي وفني جيد، فالمرجع أساس في الكتابة الشعرية مثلا، ذلك لأنه مصدر مانح للأنساق الاجتماعية والحضارية والفنية التي تقف وراء تشكيل النصوص، فالشعر نص إبداعي منتج  في شبكات نسقية اجتماعية وحضارية معقدة، تلك الأنساق التي تخضع – في أغلبها – لحركة الأمة ولمساراتها التاريخية والفنية والعقيدية أيضا.

بهذا تحضر أهمية المرجع الخاص الخاضع للإسلام، فبه نقرأ النصوص الشعرية المؤيدة بالرؤية الإسلامية، وبدونه يكون الغياب الذي لا مفر منه، وبكل ذلك نؤكد أنه لا يمكننا أن نعثر في عالمنا الشعري المعاصر على نصوص ذات رؤية إسلامية دون مرجع معرفي عميق، ودون ثقافة إسلامية خالية من شوائب المذاهب المؤدلجة، ومن سيئات الوسيط الذي أضر بالدرس المعرفي العام في الأمة.

لقد زعم بعض المنفعلين – بالبديل الإسلامي في الأدب- برؤية إسلامية يمكنها أن تحضر كمعادل فني وموضوعي في واقعنا دون أن يدرك هؤلاء المنفعلون أن البديل الفني لا يمكنه أن يحضر إلا ببديل معرفي تبدو سماته في المناهج والمذاهب والنظريات التي تستحضر الإسلام الصافي بعيدا عن إسلام الأيديولوجيا أو إسلام الوسيط حين التأسيس للأدب والشعر والنقد أيضا.

-         الوعي بالزمان المؤيد بالنسق الحضاري الخاضع للأمة في مسارها التطوري، وفي امتدادها التاريخي الماثل في انزياحات حضارية كبرى تؤول إلى متغيرات يجب أن يعيها كل من أراد أن يمارس الكتـابة بصيغ الأمة، فنـحن لا نتصور أديبا وناقدا وشاعرا معاصرا يكتب عن قضايا أمته بالتزام فني وموضوعي دون أن يدرك كنه الأزمنة، وكنه الانزياحات الحضارية التي مرت بها أمته، فهذا الإدراك الواعي هو الأساس الذي يؤدي بالشاعر إلى الكتابة بمسؤولية سننية تجعله مبدعا برؤيته الخاصة التي تتعامل مع الأزمنة باستيعاب نقدي يضمن حضور زمن الشاعر والأديب والناقد أولا، فذلك هو مكمن الوعي، وبدونه تخيب الكتابة بصيغ الوعي، وبدونه يغيب النص الأدبي بصيغه الحضارية  الإيجابية الخاضعة للأمة.

-         حضور الشرط الكوني: الكون آية من آيات الوجود ذاته، ذلك الوجود الذي يتحول إلى موضوع كبير ينهل منه العلماء والمفكرون والفلاسفة والشعراء وأهل التأمل في كل مصر وعصر، فبذلك تكون الكتابة الشعرية وكذا الدراسات الأدبية والنقدية التي تبدو بتجليات كونية صادرة عن شاعرية وعن رؤية أدبية ونقدية مؤمنة لا تؤلِّه إلا الذي صنع الكون، وبكل ذلك تغدو المعارف بكلياتها رسالة يؤديها أهل البحث بمنطق الاستخلاف الذي يجعلهم مؤمنين مُستخْلَفين في فضاء كوني رحْبٍ خالقه هو الله.

-         الشرط الفني  العميق: شرط أساسي في الرؤية الإسلامية التي لا يمكنها أن تتحقق في القصيدة إلا بعمق فني يبدو بتشكيل لغوي وبلاغي وإبلاغي لا مجال فيه لضعف أو تسطيح يؤول إلى شعر وعظي وإرشادي يخلو التشكيل الشعري فيه من القوة والمتانة التي تُكْسِبه شعريته وتهبه جماليته الخاصة الخاضعة للرؤية الإسلامية، وفي هذا المجال نذكر أن بعض الكتاب والشعراء والأدباء المعاصرين – ممن خاضوا في موضوع الرؤية الإسلامية في الأدب – قد كتبوا بالعام الذي أفقدهم الدقة، حين جعلوا من مجرد ذكر الإسلام أو الدين، أو التصوف في الشعر أو في السرديات العامة أدبا إسلاميا، والحقيقة غير هذا.

 

 * لقد شاعت مسألة السرقات العلمية في الأبحاث الجامعية ـ في مختلف الحقول الإنسانية والعلمية.. بصراحة كيف تنظر إلى الأمر؟ وهل يفسر ذلك تدني مكانة الجامعة الجزائرية بصفة ما؟


– الموضوعية تحتم علينا أن نقول في هذا المجال الغريب عن  العلمية وعن المنظومة الأخلاقية العامة للأمة، وعن كافة الأعراف الإنسانية، وعن كرامة الجامعي وعزته وسمو همته: إن السرقات ظاهرة عامة، فقد انتشرت في الأبحاث العلمية في عموم العالم العربي، وأنا شخصيا لا أنظر إلى الموضوع من زاوية السرقة وحسب إنه سقوط في المنظومة الأخلاقية والمعرفية أيضا؛ تلك المنظومة التي أذنت  للسيئات بكافة أشكالها وألوانها في عالمنا العربي أن تحضر، ذلك لأننا لو امتلكنا المنظومة التعليمية المؤيدة بالمنظومة الأخلاقية ما وصلنا إلى هذه الظاهرة، إذ كيف يمكن لنا أن نصف جامعيا بالباحث والناقد والأديب… وفي الآن نفسه نجده وهو يسرق!!! وللعلم فإن السرقة في مجال البحث العلمي الجامعي الآني أنواع، فسارق يسطو على الجهد العلمي للآخرين، وسارق ينقل عن الأمم الأخرى دون وعي، وسارق يشتري البحث الجاهز من المتوفر عبر التسوق الوقح الذي وفره بعض الباحثين المزورين في العالم العربي عبر الشبكة العنكبوتية، والمحصلة النهائية تدني مكانة البحث العلمي في جامعاتنا ، وانحطاط في المستوى المعرفي، وسقوط في المجال القيمي، وتلك هي الطامة الكبرى.

ــــــــــــــــــــــــ

  • · (في حوار مع مجلة "البصائر" الجزائرية، الثلاثاء 11 جمادى الآخرة 1439ﻫ، 27-2-2018م).

 

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب