علماء وأدباء في ذاكرتي: الأديب محمد المجذوب
كتب  يحيى حاج يحيى ▪ بتاريخ 01/07/2019 18:03 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 90

لم يكتب لي لقاء الأديب الداعية محمد المجذوب في أيام الطلب، مع أنه كان معروفا  لأبناء جيلنا من خلال قصصه وشعره، وكان بالنسبة لنا رمزا أدبياً إسلامي الوجهة والفكرة.

وشاء الله أن يكون لقاؤنا في المدينة المنورة، إذ قدمتها متعاقدا مع الجامعة الإسلامية للتدريس في معهدها الثانوي، في العام الذي ترك فيه المجذوب الجامعة متقاعدا في سنة 1403هـ.

 مع ذلك فقد توثقت العلاقة بيننا من خلال مجلس السيد عبد الحميد عباس، ونادى المدينة الأدبي، ولقاءات رابطة الأدب الإسلامي وزيارات متتابعة للراحل في منزله بقباء مستأنسا برأيه، ومستفيدا من علمه في بعض ما أنظم وأكتب...

كان المجذوب -رحمه الله- من جيل لم يعتمد في تحصيل ثقافته وعلمه على المدارس والمعاهد العالية شأنه في ذلك شأن العقاد وسعيد الأفغاني وأستاذنا عمر يحيى وغيرهم كثير.

ولد – رحمه الله – في عام 1907م بمدينة طرطوس على الساحل السوري في بيت متدين يعمل في التجارة، وله صلة بعلوم الدين والعربية، وتلقى دراسته الأولية في الكتاب، ثم في مدارس الدولة العثمانية، وعلى يد الشيوخ، ثم مضى في طلب المزيد من العلم والثقافة معتمدا بعد الله على جهده الشخصي، فقد عرف عنه منذ طفولته حب القراءة والاطلاع حتى إنه ليستأجر الكتب يقرؤها على ضوء السراج، واستمرت المطالعة دأبه إلى أخريات أيامه.

في مطلع عهد الاستقلال 1936م بدأ عمله في سلك التعليم، وما زال يتدرج خلال مراحله حتى التحق بخدمة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة مدرسا من عام1383 إلى1403هـ، وكان –رحمه الله-من أوفر المدرسين نصيبا من حب طلابه المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، وقد حدثني الأستاذ سعود التركي وكان أحد تلاميذه أن الشيخ كان يدرسهم السيرة النبوية، فيمر ببعض أحداثها متأثرا باكيا، فيبكي التلاميذ لبكائه!.

دخل – رحمه الله – معركة الدفاع عن الإسلام وأهله في وقت مبكر من عمره، فكان كتابه (فضائح المبشرين) من أوائل ما كتب، وهو دون سن العشرين، رد به مفتريات أحد المتنصرة من المبشرين الذين احتموا بالاحتلال الفرنسي للشام، فراحوا يشنون غاراتهم على الإسلام قرآنا وسنة وتاريخا؟!

وقد  بلغت مؤلفاته المطبوعة والمشرفة على الطبع قرابة الخمسين؛ ما بين شعر وقصص وبحوث ثقافية تنطلق جميعها من الرؤية الإسلامية، وتنعكس خلالها أحداث عصره في سورية، وعلى مستوى العالم الإسلامي، وقد طبع له النادي الأدبي في المدينة المنورة عددا منها: (ردود ومناقشات- أضواء على حقائق – مع المجاهدين في باكستان – تحفة اللبيب من ثقافة الأديب – قصص لا تنسى – نصوص مختاره من شعره – أدب ونقد – آلام وأحلام).

 ومن أجلِّ تصانيفه كتاب (علماء ومفكرون عرفتهم) بأجزائه الثلاثة، وهو لم يقتصر فيه على الترجمة لعدد من علماء عصره ومفكريه ممن عايشهم، ولكنه شافههم من خلال صلته بالعدد الكبير منهم، وقد تجاوز عدد هؤلاء الأفاضل الستين، شمل كثيرا من  الأقطار الإسلامية. بعضها كتبه بلغة شاعرية هي ذوب قلبه، كما فعل بترجمة رائد الحركة الإسلامية في بلاد الشام الدكتور مصطفى السباعي – طيب الله ثراه- نقتطف منها، وهو يصف عودة السباعي من جبهة القتال مع يهود لإنهاض العزائم: "وبلغ البطل يومئذ رسالته، ثم عاد إلى الجبهة ليواصل حماية الثغرة التي عهد بها إلى كتيبته، وليسقي الأرض المقدسة. بمزيد من الدم الطاهر، الذي تسابق إخوانه لبذله في سبيل الله، ليسجلوا للعالم المتآمر، من وراء وأمام ويمين وشمال، أن أرض الإسلام لن تعدم الأحرار الذين يقدمون أجسادهم في سبيلها طعاما للحديد والنار".

كان للمجذوب – رحمه الله – موقفان ممن ترد في أحاديثهم وكتابتهم أغاليط أو شبهات حول الإسلام، فحين تكون الأغلوطة نزعة بِنية الهجوم المتعمد على الإسلام فإنه يقابل السلاح بمثله آخذا بأنف المبطل حتى يعلم جلال الحق، دون مواربة أو مجاملة كما فعل مع أدونيس إذ يقول وهو يعدد أسماء الذين ينطحون بقرونهم جبل الإسلام: "والرافضي الحاقد علي سعيد الذي اختار لنفسه لقب (أدونيس) إيثارا للفينيقية على العروبة والإسلام!".

وأما الآخرون ممن يوردون الأغاليط جهلا أو اجتهادا بزعمهم فسبيله معهم لا يخرج عن التي هي أقوم بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، كما فعل مع أحد الذين انتقدوا قصته (قصة من يوغسلافية) في زمن تيتو، مستندا إلى بعض الوقائع التي تشير إلى حرية العبادة وإقامة المساجد والكتاتيب، فيرد المجذوب: "إن المألوف في الدول المضطهدة للإسلام أن تقيم واحات خاصة في جحيمها، تدعو لزيارتها كبار المسلمين، حتى إذا ما شاهدوا مظاهر النعيم في تلك الواحات أبدوا بحق رضاهم عما شاهدوه... وهي في الواقع زيارات محدودة وعابرة لا تكفي لاستيفاء الصورة الكاملة للوضع لاستهوائهم، وقد حدث هذا لوفود زارت بعض المناطق في الفيلبين وروسية".

 كتب – رحمه الله – أكثر من عشر مجموعات قصصية منها: (اللقاء السعيد – قصص من سورية – دماء وأشلاء – بطل إلى النار)، ونشر ثلاثة دواوين شعرية (نار ونور – همسات قلب- آلام وأحلام)، وله في أدب الرحلات (مشاهداتي في ربوع الهند – مع المجاهدين والمهاجرين في باكستان – ذكريات لا تنسى من الفيلبين وإندونيسية وتركية وقبرس).

وفي نطاق الأدب يقول عنه الأستاذ محمد الحسناوي في كتابه (الأدب والأدب الإسلامي): كان المجذوب داعية وأديبا وشاعرا، كان يقرأ ما وراء السطور مثلما يقرأ الشاعر رسائل الورد، ويترجم زقزقة العصافير، وخرير الجداول.

وقال عنه الدكتور شوقي عبد الحليم حمادة أستاذ الأدب والنقد بجامعة الأزهر: إنه الأديب النابه، والقاص البارع، والشاعر العملاق، والخطيب المفوه.

ويقول الأستاذان الجدع وجرار في (شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث): "اهتم شاعرنا المجذوب بقضايا العالم الإسلامي فصاغها شعرا معبرا، ومعاني سامية، وقارئ شعره ينتقل إلى عالمه، ويعيش أحاسيسه، وينفعل به".

رحم الله محمد المجذوب الداعية والأديب، فقد عاد من غربة إلى غربة ليموت في بلده –عام 1999م– وقد تزامنت وفاته في الأسبوع الذي توفى فيه الشيخ علي الطنطاوي، وتعامت عن خبر وفاته وسائل الإعلام القريبة، فنقله أصدقاؤه ومحبوه!.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب