قضايا الشاعر الوجدانية
كتب  د. عبدالباسط بدر ▪ بتاريخ 03/11/2019 07:38 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 94

 

كان الشعر في بدايته عند العرب ـ كما عند الأمم الآخرى ـ تعبيراً ذاتياً محضاً، يسكب فيه الشاعر إحساساته ومشاعره، ويعبر به عن الأحداث والقضايا التي تمسّه مباشرة، وما لبثت قضايا القبيلة أن شاركت قضاياه الذاتية، وكانت أول الأمر جزءاً منها، تماماً كما عائلة الشاعر جزء منه، وما لبثت بظروف الحياة القديمة والنزاعات مع القبائل الأخرى أن زاحمت قضاياه الذاتية، وصار الشاعر يدافع عن قبيلته بشعره مثلما يدافع الفارس عنها بسيفه.


ويحدثنا دارسو بواكير الشعر العربي من العصر الجاهلي عن صوت الفرد وصوت الجماعة وتداخلهما إلى حد التزاحم أحياناً وإيثار قضايا القبيلة على قضايا الذات. فخراً وتمجيداً وتبكيناً للخصوم ورثاء للقتلى ودعوة للثأر.


 ويذهب بعض الدارسين إلى أن صوت الذات وجد له مسارب في القصيدة عندما نضجت على أيدي الفحول وخاصة أصحاب المعلقات، وخاصة في المقدمة الطللية وحكاية الرحلة الشاقة على الناقة والبعير، والصور التي يحشدها الشاعر للصراع بين الثور الوحشي وكلاب الصياد، ليشبه بها ناقته، بل ليعبر تعبيراً رمزياً عن ذاته ورؤاه في الحياة، وأياً ما كانت تفسيرات الدارسين لأقسام القصيدة التقليدية وموضوعاتها، وآراؤهم في تعبيرها الرمزي عن الذات والآخر؛ فإن ما نخرج به من ذلك كله أن ذات الشاعر لا تغيب عن شعره، حتى ولو كان مداحاً أو هجاء أو منافراً لشعراء القبائل الآخرى، وأن مفهوم الذات يتسع في حالات كثيرة ليشمل قضايا الشاعر الوجدانية: حبُّه، وهمومه، وهواجسه، وقضاياه العائلية، وزوجته وأبناءه، شوقاً ورثاء، وحتى موقفه من قبيلته تضامناً أو تنافراً.


 فهذه القضايا كلها يحقق الشاعر فيها ذاته مادام تعبيره وجدانياً صادقاً، وعلى امتداد العصور التالية استمر حضور ذات الشاعر في قصائده بنسب مختلفة نازعتها نوازع المديح والاجتهاد في التكسب، وأثرت في الموضوعات التي يعبر بها عن ذاته، فتراجعت الموضوعات القبلية، وتقدمت موضوعات الغزل والفخر والشكوى.


وظهرت على قلة قضايا العائلة وخاصة في المواقف الفاقعة كموت الزوجة أو التسرع في طلاقها وموت الأبناء، والشوق والحنين إليهم عند السفر والاغتراب، وموت الأم ومن في مقامها، وقلما ظهرت صور الحياة العائلية في غير هذه المواقف.


 واللافت للنظر ندرة ظهور الأب في ذلك التراث الشعري. أقصد الصورة التي يرسمها الشاعر الابن لأبيه، في غير مواقف الفخر العامة التي يفخر فيها الشاعر بسلسلة آبائه وبأنهم بناة المجد والسؤدد على نحو قول الفرزدق:


أولئك آبائي فجئني بمثلهم            إذا جمعتنا ياجرير المجامع


بل إن الشاعر المتشائم من الحياة أبا العلاء المعري أوصى أن يكتب على قبره، وقد كتبت فعلاً ورأيته بعيني، بيتاً يُحمِّل فيه أباه جرير إنجابه حيث يقول:


هذا جناه أبي عليَّ             وما جنيت على أحد


ولا شك أن هذه النظرة القاتمة والخاطئة هي نتاج تفاعلاته النفسية وفلسفته السلبية، تكاد تغيبها صور فخر عند كثير من الشعراء في تراثنا بآبائهم وما أورثوهم من خلال.


وفي العصر الحديث، ازداد حضور قضايا الشاعر الذاتية في شعره، ومن ثم ازدادت صور الحياة العائلية وعلاقاتها، وتجلت صور الأم والأب والأبناء والأقارب الآخرين أحياناً تجلت صورهم في مشاهد وجدانية مؤثرة ليس عند فقدهم ورثائهم وحسب بل في تفصيلات الحياة اليومية، وما يطفو فيها من مشاعر وأحاسيس، وكان للشعراء الذين جمع الله لهم بين وقدة الإيمان وموهبة الشعر أثر كبير في إثراء خزانة الشعر العربي الحديث بصور رائعة للحياة العائلية، تجسد العواطف المتبادلة بين الزوجين، وبين الآباء والأمهات وأبنائهم وبناتهم، وتجسد صور الوفاء بين الأبناء والبنات لآبائهم وأمهاتهم، تُأطرها المشاعر الإيمانية القوية، التي تشد أواصر العلاقات العائلية، وتضفي عليها من قداسة الدين ما يجعلها في درجات عالية من التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، خاصة صور الأب والأم في عيون أبنائهم وبناتهم.


 وتظهر في هذه الصور معاني العرفان الصادق بأفضالهم، والحب العميق المخلص والاجتهاد في وفاء بعض أياديهم، ومن هذه الصور المتميزة صورة الأب البسيط، المكافح الذي يكد ويعرق في سبيل أبنائه، وهذه الصورة تمثل الشريحة الكبرى في مجتمعاتنا في الجيل الماضي، فكثير من الآباء كان محدود الثقافة، وربما كان أمياً لكنه كان على جانب عظيم من حب أبنائه والتفاني في تربيتهم وتعليمهم وغرس الإيمان في قلوبهم ونصحهم وإرشادهم رغم محدودية ثقافته وبساطة مفهومياته، فهو يضحي بكل ما يملكه من جهد ووقت ومال ليقدم لأبنائه ما يرتقون به في مدارج الإيمان والعلم والعيش الحميد، وهذا في يقيني لون من البطولة الإنسانية الخفية والإخلاص الأبوي وسمو النفس، والهمة في الرجل البسيط الكادح. وقد صور الشاعر مصطفى قاسم عباس هذا اللون المتميز من البطولة والسمو في قصيدة وفاء وتقدير عظيمين لأبيه، الذي يجسد تلك الشريحة في المجتمع ، يقول مبيناً في مقدمة قصيدته مخاطباً أباه:


لم تكتب الشعر يوماً ولا الأدبا              وما سهرت الليالي تقرأ الكتبا

ولم تكن من ذوي الأموال تجمعها          ولم تكنز الدر والياقوت والذهبا

لكن كنزت لنا مجداً نعيش به               فنحمد الله من للخير قد وهبا


ويبين الشاعر أن ما قدمه أبوه لأبنائه أغلى من المال، وأكثر فائدة لهم رغم محدودية ثقافته، قدم لهم التربية الصالحة والتوجيه إلى العلم، والنصح الرشيد لذلك سينظم فيه القصائد عرفاناً بفضله العظيم، يقول مخاطباً أباه:


سأنظم الشعر عرفاناً بفضلك يا من          عشت دهرك تجني الهم والنصبا

سأنظم الشعر مدحاً فيك منطلقاً                يجاوز البدر والأفلاك والشهبا

إن غاض حبري بأرض الشعر وا لهفي      ماغاض نبع الوفاء في القلب أو نضبا

قالوا: تغالي! فمن تعني بشعرك ذا           فقلت/ أعني أبي، أنعم بذاك أبا!

كم سابق الفجر يسعى في الصباح ولا      يعود إلا وضوء الشمس قد حجبا!

تقول أمي: صغار البيت قد رقدوا          ولم يروك أنمضي عمرنا تعبا

يجيب سأسعى دائماً لأرى                     يوماً صغاري بدوراً تزدهي أدبا

ما شعري اليوم إلا من وميض أبي           لولاه ما كان هذا الشعر قد كتبا

فأنت أول من للدين أرشدني               وأنت أول من للعلم قد وهبا

نصحتنا ما أحيلى النصح يا أبتي!           فأنت مدرسة للنصح لا عجبا


ويختم الشاعر قصيدته بالدعاء المخلص لأبيه أن يحميه الله من الحساد الذين يحسدونه على أبنائه النجباء، الذين وصلوا بتوفيق الله تعالى ثم باجتهاد أبيهم في تربيتهم على الدين والعلم وصلوا إلى درجات عالية من الثقافة والمكانة الرفيعة في المجتمع رغم بساطة أحواله ومحدودية ثقافته، وهذا في يقينه رقي لأبيه ورفعة. يقول:


حماك ربي من الحساد يا أبتي              قد ارتضيت، وكم من حاسد غضبا!

فاحفظ لنا ربنا ديناً ندين به                 قد شرف العجم طول الدهر والعربا

واحفظ لنا والدي والأم يا سندي              وإخوتي وأهلاً حبهم وجبا


وبعد: فما أجمل أن يقف الابن الذي بلغ درجة عالية من الثقافة والمنصب والمكانة موقف الوفاء والعرفان من أبيه! خاصة عندما يكون الأب بسيطاً محدود العلم والثروة، ولكنه عظيم الهمة والاجتهاد، وعظيم الهمة في الكد والضنى ليكسب ما يعيل عائلته، وعظيم الاجتهاد في تربية أبنائه وغرس الإيمان القوي في قلوبهم وتوجيههم نحو العلم الذي لم يجد الفرصة ليحصله. وهذا الأب وأمثاله كثيرون في مجتمعاتنا جديرون بكل تقدير وثناء. وهذا ما يحرص الأدب الإسلامي وأدباؤه على إظهاره بقوة وإشاعته في المجتمع، ليكون مجتمع إيمان وترابط ووفاء.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب