أسماء بن خارجة الفزاري
كتب  د.عبدالقدوس أبو صالح ▪ بتاريخ 03/11/2019 08:25 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 94

 

 كان أسماء بن خارجة بن حصن بن بدر الفزاري سيد أهل الكوفة، وكان جواداً مقدماً عند الخلفاء.. وهو الذي قال له عبد الملك يوماً: ما أشياء بلغتني عنك يا أسماء؟ فقال: يحدثك غيري عني يا أمير المؤمنين. فقال له عبد الملك: وعلى ذلك فأحب أن أسمعها منك يا أسماء.

      فقال: نعم يا أمير المؤمنين!..

-        ما مددت رجلي بين يدي جليس لي قط مخافة أن يرى أني تكبرت عليه.

-        ولا سألني رجل قط حاجة إلا كان أكبر همي قضاء حاجته.

-        ولا أكل رجل قط عندي أكلة إلا كان له الفضل عليَّ أيام حياتي.

-        ولا ظلمني رجل قط بمظلمة إلا رأيت عقوبته العفو عنه.

فقال له عبد الملك: حسبك بهذا شرفاً يا أسماء، ثم أنشد عبد الملك:

       إذا ما مات خارجةُ بنُ حُصْنٍ        فلا قطرَتْ على الأرض السماء

     وأسمـاء بن خارجـة بن حصن هو صاحب الوصية التي قالها لابنته حين زوَّجها: "يا بنية! كوني لزوجك أَمَةً يكن لك عبداً، ولا تَدْنِيَنَّ منه فيملّك، ولا تتباعدي عنه فيتغير عليك".

     وكان لأسماء ولدان هما مالك وعيينة، وقد تعرض كل منهما لمحنة الحجاج، وكان كل منهما من الكرم والمروءة بمكان، وكان مالك يفوق أخاه جمالاً وخفة روح، حتى روي أن عمر بن أبي ربيعة رآه وهو يطوف في البيت، وقد بهر الناس جماله وكماله، فأعجب عمر ما رأى منه، فسأل عنه وعرفه وعانقه وسلم عليه، وقال له: أنت أخي حقاً، فقال له مالك: ومن أنا ومن أنت؟ فقال عمر: أما أنا فستعرفني، وأما أنت فالذي يقول:

إن لي عندَ كل نَفْحة بُستانٍ          من الورد أو من الياسمينــا

نظراً والتفاتةً لكِ أرجــو              أن تكوني حللتِ فيما يلينا

     وكان الحجاج قد استعمل مالكاً ثم حبسه بمال اتهمه به، وكانت أخت مالك هند بنت أسماء تزوجت الحجاج. فاشتاقت ذات ليلة إلى حديث أخيها مالك، فأرسل الحجاج إليه فأخرج من السجن، وأدخل عليه في قيوده وهند عنده. فجعل يحدثه، ثم إن مالكاً استسقى ماء فأُتي بماء. فنظر إليه الحجاج فقال: لا، والله لا تشرب إلا من ماء أهل السجن، فأُتي به، وكان الحجاج يأمر فيخلط لأهل السجن في الماء الرماد والملح.

      ثم إن الحجاج قـال لهنـد: قومي إلى أخيك. فقالت: لا أقوم إليه والأمير ساخط عليه!. فأقبل الحجاج على مالك فقال: والله -ما علمت- إنك للخائن أمانته، اللئيم حسبُه، الزاني فرجُه!.

      قال مالك: إن أذن لي الأمير تكلمت. قال: تكلَّم.

     فقال مالك:

-        أما قول الأمير: الزاني فرجُه، فوالله لأنا أحقر عند الله وأصغر في عين الأمير من أن يجب لله عليّ حدٌّ فلا تقيمه عليّ.

-       وأما قوله: اللئيم حسبُه فوالله لو علم الأمير مكان رجل أشرف مني لصاهر إليه.

-       وأما قوله: الخائن أمانته، فو الله لقد ولاني الأمير فوفرت، فأخذني بما أخذني، فبعت ما وراء ظهري ولو ملكت الدنيا بأسرها لافتديت بها من مثل هذا الكلام.

     قال: فنهض الحجاج، وقال لهند: شأنك بأخيك فقد عفوت عنه.

     وأما عيينة أخو مالك فقد حبسه الحجاج أيضاً في بعض ما كان يحبس له أهل العراق، وكان عيينة عدواً لعويف القوافي، وهو شاعر شريف يلتقي مع عيينة في جدهــم حصيــن بن حذيفــة. فلمــا بلـغ عوفاً حبس عيينة وهو بالشام، قام إلى عبد الملك بن مروان، فلم يزل يكلمه ويعمل في أمر ابن عمه عيينة على ما كان بينهمـا مـن العـداوة حتى أخذ من عبد الملك كتاباً إلى الحجاج بتخلية سبيله، فبعث بالكتاب إلى عيينة، وكتب إليه شعراً قال فيه:

لما أتاني عن عُيَيْنـةَ أنـــه                   عـانٍ عليه تَظاهَرُ الأقيـاد

مَحَضَتْ له نفسي النَّصيحة إنه            عند الشدائد تذهب الأحقادُ

وذكرت أيَّ فتى يقوم مقامـه                بالرفـد حين تقاصَرُ الأرفاد

أم من يهين لنا كرائم مــاله                 ولنا إذا عدنا إليه معــاد

***

 

 

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب