المُراديَّة
كتب  د.أحمد تمَّام سليمان ▪ بتاريخ 03/11/2019 17:18 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 94

 

هذه هي الْمَقَامَةُ الْمُرَادِيَّةُ، الَّتي تحكي عن عاشقٍ، رأى رؤيا أنَّه مُرِيدٌ، وَرُئِيَتْ له رؤيا أنَّه مُرَادٌ، فماذا صنعَتْ به الأقدار؟ هذا ما سيحكيه قلبه، فأعيروه لُمْـظَاتِ قلوبكم، وَلِتُشَنَّفْ آذانكم إلى ما أُكْحِلَتْ به عيناه، من مَرَاءٍ مَلَأَتْ عليه كلَّ رِجْءٍ من أرجاء دنياه بل أخراه، فيالصبر العاشقين!


العاشق ما رَآهُ وما رُئِيَ له: حُكِيَ أنَّ أحد العاشقين رُئِيَتْ له رؤيا، أنَّه يتوسَّط أحبَّته كواسطة العقد، ليمرُّوا في طريقٍ مفروشةٍ ببساطٍ أبيضَ، لكنَّ جملًا سَدَّ عليهم السَّبيل، فأراد أن يأخذ بخطام الجمل؛ لينحِّيه جانبًا ويمرَّ الأحبَّة سالمين، بَيْدَ أنَّهم خافوا عليه أن يلحق به أذًى، وإذا به يتقدَّم، فإن كان هناك أذًى تحمَّل تبعاته عنهم، وقد كان هذا دَيْدَنَهُ، فهو فداءٌ لأحبَّته، لا يشعر بأنَّه يحيا معهم، بل يحيا لهم، ولمَّا تقدَّم صَوْبَ الجمل؛ هَامَ عليه الجمل بصولته، فعقره وآذاه، ولمَّا أَلِمُوا لمصابه أخذ يشير إليهم: أَنْ قفوا فقد تحمَّلت عنكم الأذى.


سمع الحبيب بأمر الرُّؤيا، فارتجف قلبه خوفًا، ولمَّا طلب عبورها قيل: إنَّ حبيبك مبتلًى بحزنٍ ثقيلٍ يجثم على حنايا قلبه، فالجمل رمزٌ لفراق الحبيب؛ إذ يظعن به إلى أرضٍ نائيةٍ، وَيُضْرَبُ بينهما النَّوَى ويشطُّ المزار، فلا الحبيب زائرٌ، ولا الحبيب مُزارٌ.


 أمَّا عن البساط فهو الرِّزق؛ فكلما طُوِيَ كان التَّضييق والفقر، وكلَّما بُسِطَ كانت السَّعة واليسر، وفي تلك الرُّؤيا مُـدَّ البساط بسببٍ من الحبيب لأحبَّته وأهله، لكنَّهم شاركوه خيره ومنعوه حبَّه، فياللعجب مِنْ فراقٍ بين مَنْ يحبُّ بيد مَنْ يحبُّ!


ولمَّا علم الحبيب بتأويل رؤياه، ارْتَـكَنَ إلى كتاب الله، وكانت عادته إذا ادْلَهَمَّتِ الْخُطُوبُ أن يتلو القرآن، دون اختيارٍ مسبقٍ لآياته، فيكون للصَّدر انشراحٌ، وَلِـلْخَطْبِ انفراجٌ، وفي تلك المرَّة إذا به عَـفْـوَ الْخَاطِرِ يقرأ: (وَلَئِنْ مُـتُّمْ أَوْ قُـتِـلْـتُـمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ)، فأحسَّ كأنَّ الأجل قد دَنَا، والعودَ قد انْـزَوَى، والرَّحيلَ قد أَزِفَ، ثـمَّ قرأ بعدها: (فَـبِـمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِـنْـتَ لَـهُـمْ وَلَـوْ كُـنْـتَ فَـظًّا غَـلِـيظَ الْـقَـلْـبِ لَانْـفَضُّوا مِنْ حَـوْلِـكَ فَاعْـفُ عَـنْهُـمْ وَاسْـتَـغْـفِـرْ لَـهُـمْ وَشَاوِرْهُـمْ فِي الْأَمْرِ)، فأحسَّ أنَّ فَـرْطَ الرَّحمة الَّتي في سُـوَيْـدَاءِ قلبه تجاه أحبَّته وأهله؛ هي الباعث على مفارقة حبيبه، وإن هو أغلظ قلبه لهم ليظفر بِمَنْ يحبُّ؛ خسر الأحبَّة من أجل الحبيب، فيكون كقاطع إحدى يديه بالأخرى لِـتَـثْـأَرَ الأخرى من الأولى، فيصبح أَجْذَمَ، ثـمَّ قرأ بعدها: ) إِنْ يَـنْـصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَـكُـمْ وَإِنْ يَخْـذُلْـكُـمْ فَـمَنْ ذَا الَّذِي يَـنْـصُرْكُمْ مِنْ بَعْـدِهِ، (فَـتَـثَـبَّـتَ من أنَّ الأمر كلَّه بيد الله، وأنَّ قلبه بيد مُـقَـلِّـبِهِ يوجِّهه كيف يشاء، وأنَّ صفحة الغيب مَطْوِيَّةٌ عن العباد، حتَّى تبلغ الأمور مقاديرها وَفْـقَ مراد الله.


وكان يقرأ باطمئنان المؤمن، وحزن العاشق، ودموع الْـمُـفَارِقِ، وَوَجَلِ الْمُحْـتَضَرِ، قراءةَ مُـتَـرَدِّدٍ بين خوفٍ ورجاءٍ؛ خوفٍ من افْـتِـرَاقٍ ماضٍ، ورجاءٍ في اتِّــفَاقٍ آتٍ، ولمَّا أتـمَّ تلاوته بأنفاسٍ مُـتَحَشْرِجَةٍ وَزَفْـرَاتٍ مُـتَـلَهِّـفَةٍ، سَـكَـنَـتِ الأعضاء من شدَّة البكاء وألم الإصغاء، فَـأَسْـلَـمَ بل أُسْـلِمَ إلى النَّوم، لكنَّه نومٌ غير هَانِئٍ؛ لأنَّ النَّائم غيرُ قَـرِيـرِ العين لعدم خُـلُـوِّ القلب، فكأنَّه بين النَّائم واليقظان، وهنا تواتيه الرُّؤيا؛ فكأنَّه وسط الجمع من أحبَّته، وأمامهم نَـاقَةٌ قَـلُوصٌ، تمتطيها عَرُوسٌ، وجهها قد حَاكَى البدر نورًا، لدرجةٍ جَعَلَتِ الرَّائِي يظنَّ أنَّ ما حولها من نورٍ هي سابحةٌ فيه، وكأنَّها الْـمَعْـنِـيَّةُ بقول الشَّاعر:


وَلَمَّا أَنْ رَآكِ الـنَّاسُ قَالُوا: ** تَـعَـالَـى اللهُ رَبُّ الْـعَـالَمِيـنَا

 

لَـقَـدْ أَعْطَاكِ رَبُّـكِ فَاشْـكُرِيهِ ** جَمَالًا فَوْقَ وَصْفِ الْـوَاصِفِينَا

 

إِذَا أَقْــبَـلْـتِ رُعْتِ الـنَّاسَ حُسْـنًا ** وَإِنْ أَدْبَـرْتِ قَـيَّـدْتِ الْـعُـيُونَا


فأخذَتْهُ قدماه تجاهها، يبتعد بخطواتٍ وَئِـيـدَةٍ عن أحبَّته، ويتَّجه إلى محبوبته، لكنَّ ناقتها قَـلُوصٌ تَجِدُّ في السَّير؛ كي لا يلحق بها الغير، وكلَّما سار هو جَدَّتْ هي، وكلَّما شَطَّتْ عن مكانه، قَـرُبَتْ من قلبه، وَعَلِقَتْ بوجدانه. ويحسُّ بألمٍ في يمينه، فإذا كَبِدُهُ حَرَّى من ألم الفراق، النَّار فيها مُضْطَرِمَةٌ، تنزل دموع عينيه؛ كي تطفئ نار كبده، لكنَّها تلهبها، وَهَـمُّ الفراق قد أوجعه، حتَّى أثقل قدمه، فوقف كَالضَّرِيرِ في قَـبْضَةِ الْـبَصِيرِ، لا حيلة في التَّدبير. أمَّا هي فسهام القدر قد انطلقَتْ بها مُجِدَّةً؛ لِـتَـنْـأَى عنه بَوْنًا شَاسِعًا، فناداها:


مُـنِّـيـتُ بِـالْـقُـرْبَـى ** فَــبُـلِــيــتُ بِـالْــفُـرْقَـى

صَرَخْـتُ بِـالـشَّكْـوَى ** فَـأُجِـبْـتُ بِـالـذِّكْـرَى

إِنْ مُتُّ فِي الْأُولَى ** فَـالْعَـيْـشُ فِي الْأُخْـرَى


وإذا به لا يراها بمشاهدة العيان، وإنَّما يدركها بشفافية الوجدان، ويسمع هَاتِـفَـيْنِ يردِّدان، أحدهما عن الشِّمال من جهةٍ مُـدْلَهِمَّةٍ، بصوتٍ مُرْعِدٍ: "إِنْ مُتَّ فِي الْأُولَى"، والآخر عن اليمين من جهةٍ مُـنِـيرَةٍ، بصوتٍ حَنُونٍ: "فَـالْعَـيْـشُ فِي الْأُخْـرَى"، كأنَّهما يتجاذبان سهام القدر، بطول فِرَاقٍ أو بأمل تَلَاقٍ:


وَقَـدْ يَجْمَعُ اللهُ الشَّتِـيـتَـيْنِ بَعْدَمَا ** يَظُـنَّانِ كُلَّ الظَّنِّ أَلَّا تَلَاقِـيَا


وفي أقصى اليمين يحسُّ بنور اليقين، إذ يُـلْـفِـي نورًا ينبعث من حلقة ذِكْرٍ، يَعْـمُـرُهَا رجالٌ متوكِّلون، قلوبهم رقيقةٌ كقلوب أَفْـرَاخِ الطَّير حُمْرِ الحواصل، فيستجير صائحًا: ماذا بَعْـدُ يا رسول؟ زِدْنَا! فيحسُّ بشعاعٍ من نورٍ، يَـنْـبَـثِـقُ من مشكاة يقينٍ؛ ليمسَّ قلبه فتسكن رِعْـدَتُهُ، ويسمع النِّداء عَـبِـقًا في أجواء السَّماء: "القلوبُ بينَ إصبعَي الرَّحمنِ يُـقَـلِّـبُهَا كيفَ يشاءُ"، فيقول: حَظِّي من المشيئة بُعْـدُ الأحبَّاء، وَفَـقْـدُ الأصفياء.


وَيُجِيلُ النَّـظَـرَ فإذا بشجرةٍ عجيبةٍ، قائمةٍ على الْمُـتَـنَاقِضَاتِ، تُـثِـيـرُ في النُّفوس الحزن والسُّرور، بها سَوَادٌ وَظُـلْـمَةٌ، وبها بَـيَاضٌ ونورٌ، لها غصونٌ ذَابِلَاتٌ وثمارٌ يَانِعَاتٌ، ولمَّا استظلَّ بظلالها الْوَارِفَةِ، علم أنَّها شجرةُ الْـبَـلْـوَى، المستظلِّون بها عبادٌ ابْـتُــلُوا فصبروا فحقَّ على الله إكرامهم، يقول لهم: أنا لم أبتلِكم لهوانِـكم عَلَيَّ، وإنَّما ابتليتُـكُمْ لأنَّ الدُّنيا عندي لا تساوي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، ثـمَّ تبلغهم رحمته ويدخلون جـنَّـته، (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَـيْرِ حِسَابٍ)، عندها أحسَّ من هذه الشَّجرة أنَّ الَّذي يُـثِـيـرُ الحزن هي الْـبَلَايَا، وأنَّ الَّذي يُـثِـيـرُ السُّرور هي الأجور.


وكان يقف وقوف الْمُـنْـتَـظِرِ، وإذ بالحبيب يعود مُمْتَطِيًا صَهْـوَةَ الجمل، ومن خلفه صوتُ الْهَاتِفِ يُـرَدِّدُ كلامه: "إِنْ مُتَّ فِي الْأُولَى، فَـالْعَـيْـشُ فِي الْأُخْـرَى"، نعم فــ(الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِـذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُـتَّـقِـينَ)، لكنَّ بكاءه في الأولى بكاءُ افْـتِـرَاقٍ، وبكاءَه في الأخرى بكاءُ تَلَاقٍ، وصدق الشَّاعر:


وَمَا فِي الدَّهْرِ أَشْقَى مِنْ مُحِبٍّ ** وَإِنْ وَجَدَ الْهَـوَى عَذْبَ الْمَذَاقِ

تَـرَاهُ بَـاكِـيًا فِي كُـلِّ حِـيـنٍ ** مَخَافَةَ فُـرْقَةٍ أَوْ لِاشْـتِـيَاقِ

فَـيَبْكِي إِنْ نَـأَوْا شَـوْقًـا إِلَيْـهِمْ ** وَيَبْكِي إِنْ دَنَوْا خَوْفَ افْـتِـرَاقِ

فَـتَسْخَنُ عَيْـنُـهُ عِنْدَ التَّـنَـائِي ** وَتَسْخَنُ عَيْـنُـهُ عِنْدَ الـتَّـلَاقِي

*****

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب