الأدب الإسلامي ونظرة المرأة إلى الرجل
كتب  د. عبدالباسط بدر ▪ بتاريخ 07/09/2021 08:49 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

 

من حكمة الله سبحانه وتعالى أن جعل في كل من الرجل والمرأة خصائص متميزة تتناسب مع ما هيئ له في الحياة الدنيا، فالرجل جعل الله فيه بنية قوية ليواجه شدائد الحياة، وليقوم بالقوامة التي أناطها الله به، فهو الذي يسعى في كسب الرزق تكليفاً لينفق على نفسه وعلى من يعوله، وقد جعل له إزاء القوامة مسؤولية الكفالة، كفالة زوجته ولو كان لها كسب أو ثروة، وكفالة الأبناء حتى يشتد عودهم، وجعل في بنية المرأة صفات الأنوثة والأمومة التي أنيطت بها، فهي الزوجة السكن، وهي الأم الرؤوم، وهي الراعية في بيتها ومسؤولة عن رعيتها، حضانة وتربية ومتابعة؛ فضلاً عن الحمل والولادة والرضاعة.


ومن حكمته العظيمة أيضاً أن جعل في فطرة كل من الرجل والمرأة تطلعاً إلى الآخر، ورغبة في الخصائص التي ميزه الله بها، فالرجل تشده بالفطرة ما في فطرة المرأة من أنوثة وأمومة، وما يتبع هذه الصفات الأساسية من صفات فرعية وتفصيلات.


 والمرأة تشدها بالفطرة أيضاً ما في فطرة الرجل من رجولة وقدرة على القوامة، وما يتبع هذه الصفات الأساسية من صفات فرعية وتفصيلات أيضاً، وكل منهما يتطلع إلى الطبائع والخلق والسمات المؤدية إليها، سواء في الشكل أو في المضمون.


وعلى مر العصور كانت فروسية الرجل وشهامته ومروءته وكرمه وما وراء هذه الصفات الحميدة هي النموذج الذي تتطلع إليه المرأة، إن في الزوج الذي تحلم به، وإن في الولد الذي تجتهد في تنشئته. وبالمقابل كانت محاسن المرأة الخَلْقية والخُلُقية هي النموذج الذي يتطلع إليه الرجل؛ إن زوجة، وإن ابنة يربيها لتكون زوجة وأماً وربة بيت.


هذا في سواء الفطرة، وفي الأفراد والبيئات التي لم تسقط في الانحراف والضلال.. وكان الموجه الأول إلى تلك الخلال الشرائع السماوية التي حملها الرسل إلى الأمم، وعندما نزلت خاتمة الشرائع على خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم تأكد بوضوح قاطع لا يقبل اللبس الحرص على رجولة الرجل، وأنوثة الأنثى، كما تأكد تجريم ولعن كل انحراف عنهما أو خلط بينهما حتى ولو بالتشبه. وأصبحت هذه الحقيقة من القواعد الأساسية في الإسلام لا تتأثر بتغير الأزمنة والأمكنة.


وفي العصر الحديث، ونتيجة لظروف وعوامل كثيرة متشابكة بدأت بعض مجتمعاتنا تشهد خللاً في هذا الأمر، وتظهر فيها ظواهر سلبية تؤذي كلاً من رجولة الرجال وأنوثة النساء. ومن هذه الظروف الفهم الخطأ لمعطيات الحضارة الحقيقية ومعايير التقدم، وضعف القلوب أمام الغالب، وتبعيته له حتى في القشور في تقليد أعمى لا يميز الخبيث من الطيب.


 وكانت فئة الشباب في كثير من مجتمعاتنا هي الأكثر انزلاقاً في هذه الهوة، فقد استهوت بعضهم ما شاع في الغرب من سلوكيات غير طبيعية، في المظهر، وفي الطباع، وفي السلوك، والتي نتجت عندهم عن أسباب غير موجودة في مجتمعاتنا، فسعى بعضهم لتقليدها، في لباسه، وفي حلاقة شعره، وفي ليونته وتكسره، وربما في سلوكيات ومظاهر أخرى منحرفة عن الفطرة، وهو يحسب أن ما يفعله سيعجب الآخرين، وسيكون لافتاً لنظر الفتيات اللواتي يتطلع بشغف كبير إلى نيل إعجابهن، وقد غاب عنه أن الفطرة السوية في المرأة تأنف أن يكون في الرجل صفات الأنثى، فهي تريده رجلاً برجولته، وبما يرتبط بهذه الرجولة من قيم نبيلة.


ولم يغب عن المتتبعين لظواهر المجتمع هذه الظاهرة، فقد اهتموا بها، كما اهتم الدعاة والمصلحون وكل غيور على شباب الأمة، وكان للأدب الإسلامي إسهام كبير في هذا الميدان، فقد شرع الأدباء والأديبات في تشخيص هذا الداء، وفي رفضه، وفي الدعوة إلى معالجة جدية ناجعة له، وكان من بين هذه الإسهامات إسهام متميز لشاعرة مبدعة طالما تفجرت قريحتها بقصائد إيمانية رائعة، تحمل في مضموناتها هموم مجتمعاتنا الإسلامية، وكان أبرز ما تميز إسهاماتها أنها وقفت تخاطب الشباب الذين زاغت أبصارهم، وضلت بصائرهم بصوت الأنثى، وبصوت فطرتها السوية، وبالشجاعة التي تتحلى بها المرأة الحرة، فتبوح لهم بحقيقة تطلع الفتاة للشباب، ولما تريده أن يكون عليه، وما يكون فيه من قيم وسلوكيات، لتزيل الغبش عن بصائرهم، وتطرد الأوهام التي توهموها وهم في نير التقليد الأعمى، هذه الأديبة الشاعرة المتميزة هي الدكتورة إنصاف بخاري، التي أبدعت قصيدة بعنوان تلك الرجولة مطلبي، افتتحتها بإنكار ما تراه من نماذج مهتزة في بعض الشباب المنزلق في وهدة التغريب، فتقول:


ما هذه السحنات ما هذي الملامح والصفات!؟

ما كل هذا الصرح تطفئ وهجه تلك السمات!؟

هل أنت أنت حبيب عيني أم دنا منه الممات!؟

من قال تغريني الخصور اللدن أو تلك المهاة!؟

أو ذلك الطول المموسق فيكم والنمنمات!؟

أو تلكم النغمات في الأفواه أو تلك اللمات!؟

أبحسن أوصاف الأنوثة فيكمُ تحلو الحياة!؟

أم بالدلال الغض في الأعراف تغتر الفتاة!؟


وتنتقل الشاعرة من موقف الإنكار إلى موقف البيان والعرض، فتبين لهؤلاء الشباب المضللين ما تتطلع إليه الفتاة الحرة في فتى أحلامها، تريده رجلاً يحفظها ويحميها، ويتصف بالجود والشهامة وبالنبل حتى في الخصام،.. فتقول:

 


لا يا حبيبي! فالرجولة تلك عشقي في الأنام

ما ضيم فضل في حماها فالحمى سامي المقام

جود ونبل والمروءة والشهامة في الخصام

والصدق والقلب العفيف هما لها خير الزمام

فكن الرجولة تزدري أوصالها كل الحطام

وكن الرجال بفعلهم تخطو الدنا نحو الأمام

وهي الرجولة مطلبي بل مهر قلبي بالتمام

فلترتديها في فعالك في خصامك والكلام

ما بالحديث العذب تمهرني ولا عبث اللئام

بل بالرجولة حلية شاهت بعصر الانهزام

تلك الرجولة في الورى هي عشق نفسي والغرام

وهي المليك لعذب نبضي.. إنها كل المرام.


وبعد؛ فهذا صوت فتاة حرة ملأ الإيمان قلبها، وملأت توجيهات الشريعة وجدانها، تلك التوجيهات التي تصوغ شخصية الشاب صياغة رجولة كاملة، بكل ما فيها من شجاعة وشهامة وقيم سامية، وتصوغ شخصية الفتاة صياغة امرأة فاضلة، زوجةً وأماً وراعية بيت تغمره السعادة ويحدو أفراده السعي للحياة في شرع الله، والتطلع لرضوانه، وهذا ما يهتم به الأدب الإسلامي ويحرص أدباؤه وأديباته على نشره في مجتمعاتهم، وما صدحت به هذه الشاعرة الإسلامية المبدعة.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب