الحوار الشعري في ديوان محمد إقبال (الأعمال الكاملة): دراسة تداولية بلاغية منطقية (3/3)
كتب  د. أحمد عدنان حمدي ▪ بتاريخ 07/09/2021 10:28 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 116

الحِجَاج في الثقافة الغربية:

إنّ الحِجَاج (argumentation) كما يقول غريز (Grize) "في التصور الشائع هو تقديم حجج لدعم أطروحة أو لدحضها. ولكنه يرى أنه من الممكن النظر إلى الحِجَاج من زاوية أوسع، وفهمه بوصفه تمشياً يستهدف التأثير في رأي شخص ما وفي موقفه وحتى في سلوكه. وهو تمشّ يتوسل إلى التأثير بأدوات الخطاب وحدها"([1])، أي أنه يجعل الكلام كله حجاجياً بالضرورة، وهذا ما يقوله بلانتان (Christian Plantin)، وهذا الرأي "نتيجة ملموسة للتلفّظ المنزّل في سياق. فكل ملفوظ يهدف إلى الفعل في متلقّيه، وإلى تغيير طريقة تفكيره. وكل ملفوظ يجبر الآخرين على تغيير معتقداتهم وآرائهم وأفعالهم أو يحثّهم عليه"([2])، فهذا الكلام يعدّ حجاجياً.

وهناك من بالغ في رأيه ووسع هذا المفهوم فجعل الحِجَاج ملازماً للغة نفسها وهذا "موقف ديكرو (Oswald Ducrot)، وأنسكونبر (Jean-Claude Anscombre) اللذين يريان أنّ معنى ملفوظ ما يحوي، بمثابة جزء من صميمه جزء تكوينيّ، ذلك الشكل من التأثير المسمّى قوة حجاجية. فأن يدل ملفوظ ما يعني -في نظرهما- أن يوجه نحو نتيجة ما"([3]).

من ذلك نجد أنّ نظرية الحِجَاج "تهدف إلى دراسة التقنيات الخطابية، وتسعى إلى إثارة النفوس، وكسب العقول عبر عرض الحجج"([4]). وموضوعها كما يحدده بيرلمان وتيتيكا هو "درس لتقنيات الخطاب التي من شأنها أن تؤدي بالأذهان إلى التسليم بما يعرض عليها من أطروحات، أو أن تزيد في درجة ذلك التسليم"([5]). ثم إنّ هناك حجاجاً مباشراً وغير مباشر، لذلك فرقت أموسيّ بين المقصد الحِجَاجي الصريح والمباشر الذي من أمثلته المرافعة والخطاب الانتخابي والبيان السياسي أو الأدبي والخطاب الإشهاري، والبعد الحِجَاجي المضمر وغير المباشر الذي من أمثلته الوصف في مقال صحفيّ أو في عمل روائيّ والمقال العلمي والأخبار المتلفزة والمحادثة اليومية والقصة التخييليّة([6]).

نستنتج من ذلك أنّ هناك مشتركات في مفاهيم الحِجَاج بين الثقافتين مع التسليم بوجود الاختلافات، فغاية الحِجَاج هو التأثير في الآخرين، وموضوعه دراسة طرق الحِجَاج أو تقنياته وأدواته التي بها يؤثر في المتلقين. ويمكن أن يكون ظاهراً أو مقدراً، ولا يقتصر على خطاب واحد، بل يمكن أن يكون في عدة خطابات. أما الاختلاف فنجده في أن الحِجَاج في الثقافة الغربية قد درس بوصفه موضوعاً مستقلاً ضمن التداولية، أما في الثقافة العربية فكان موزعاً بين البلاغة والمنطق والمناظرة والمباحثة والمجادلة، وكذلك نجد أن الثقافة الغربية قد بالغت في تصور الحِجَاج إذ جعلت معنى الملفوظ نفسه من دون سياق يحمل قوة حجاجية، ولم نجد مثل هذا الرأي في الثقافة العربية الإسلامية، وذلك لأنّ اللفظ عند النحاة الذي هو مصدر مراد به اسم المفعول الملفوظ، وهذا عندهم يسمى مجازًا من إطلاق شيء وإرادة شيء آخر، يمكن أن يكون مهملاً  كديز مقلوب زيد أو مستعملاً.

الحوار المباشر (الكلي)؛ النسر والنملة:

وقد اخترنا من هذه القصائد لدراستها دراسة تداولية ببعديها البلاغي والمنطقي، قصيدة النسر والنملة([7])، وهي قصيدة قصيرة مؤلفة من أربعة أبيات، إذ يقول الشاعر:

قالت النَّملة للنِّسر الذي
أنت ترعى في بساتين النُّجوم
قال: لكن أنا لا أبحث عن
لستُ ألقي نظرةً حتَّى ولا

 

مرَّ يوماً ما على وادي النَّملْ
وأنا في شقوة العيش المُذِلْ
مؤني مثلك في هذا التُّرابْ
للسماواتِ التي فوق السَّحابْ

تعود هذه القصيدة إلى ديوان الشاعر (جناح جبريل) هذا الديوان الذي نقله من الأوردية إلى الفرنسية نثراً السيد ميرزا سعيد ظفرشاغتي والسيدة سوزان بوساك، ثم نقله من الفرنسية إلى العربية نثراً الأستاذ عبد المعين الملُّوحي، ثم صاغه إلى العربية شعراً الأستاذ زهير ظاظا، وطبع هذا الديوان في عام 1935م.

إنّ هذا الحوار يجري بين شخصيتين من الكائنات الحية وهما النملة والنسر، اللذان يختلفان في الحجم والإمكانيات، فالنملة هي صغيرة الحجم قياساً إلى النسر، والنسر يستطيع الطيران أما النملة فلا، وتبدأ النملة هذا الحوار، بعد أن مرّ النسر على وادي النمل، إذ يقول الشاعر:

قالت النَّملة للنِّسر الذي      مرَّ يوماً ما على وادي النَّملْ

إنّ المتأمل في هذا الحوار يمكن أن يستشف عبر سطوره الكثير من المعاني الفكرية والفلسفية الجميلة، فالنملة قالت للنسر:

أنت ترعى في بساتين النُّجوم       وأنا في شقوة العيش المُذِلْ

فهي تقول للنسر: أنت أيها النسر تحلق في جو السماء وبين الغيوم والسحاب والنجوم، تسبح في جلالها وجمالها، فكأنك ترعى في بساتين النجوم، وفي اللغة تقول: رَعَيت ورَعَتِ الإبل رَعيًا ومَرعًى أي أكلت من الكلأ، وتقول: رعى النجوم رِعيَةً أي رقبها، فالنسر هنا إما أن يكون باحثاً عن رزقه في بساتين النجوم والكلام على المجاز، وإما أن يكون مراقبا لها، والسياق يرجح الدلالتين فهو يبحث عن الرزق لوجود قرينتين حرف الجر (في) الدال على الظرفية وكلمة (البساتين)، فهو يبحث في تلك البساتين عن فريسته، ويمكن أن يكون مراقباً للنجوم عن كثب وقرب منها.

فالنملة تستخدم خطاباً حِجاجياً معتمداً على طريق أو تقنية القياس العقلي مفاده ما يأتي:

النسر يرعى في بساتين النجوم، وكل من يرعى في بساتين النجوم سعيد، فالنتيجة النسر سعيد في حياته. والقياس الثاني النملة في شقوة العيش، وكل من كان في شقوة العيش تعيس، فالنتيجة أنّ النملة تعيسة في حياتها.

فهي تقارن صورة حياة النسر بصورة حياتها التي تصفها بأنها حياة شقاء ومذلة، إنّ هاتين الجملتين الخبريتين لا تكتفيان بدلالتهما اللغوية بل تدلان على معان ثانوية أخرى، وذلك لوجود قرائن متعددة، وذلك من حيث طبيعة الشخصيتين المتحاورتين، وأسلوب الحوار، أي أنّ فيهما قوة إنجازية متضمنة فيهما.

فالنملة والنسر يمكن أن يرمزا إلى الإنسان المجتهد والباحث عن الحقيقة، إلا أنّ النسر يرى الأشياء من فوق، فهي رؤية لظاهر الأشياء، وبالتالي ستكون رؤيته سطحية أو حالمة غير واقعية، أما النملة فرؤيتها عميقة، فهي تحفر في الأرض، وتفتش عن الحقائق والمعرفة، وتخوض في نطاق واسع من التجارب والخبرات.

وأسلوب الحوار يشير إلى ذلك، إذ يجيبها النسر قائلاً:

قال: لكن أنا لا أبحث عن       مؤني مثلك في هذا التُّرابْ

لستُ ألقي نظرةً حتَّى ولا       للسماواتِ التي فوق السَّحابْ

فالمؤنة ترمز في هذا السياق إلى الحقائق، ويرمز التراب إلى الأرض والحياة إذ أطلق الجزء وأراد الكل، والمقصود بالبحث هو البحث عن المعرفة والحقائق، أو البحث عن الرزق، والرزق في الدلالات القرآنية يحمل معان واسعة فهو يمكن أن يدل على المعرفة والعلم والحكمة، فهي أرزاق أيضا يرزقه الله لمن يشاء من عباده وهو الحكيم العليم.

فنظرة النسر ظاهرة ترى ظاهر الأشياء، فهي رؤية حالمة، ولو كانت باطنة وعميقة لاستطاع على الأقل أن يبحر في عمق السماوات ليلقي نظرة ويحصل معرفة، فسقف معرفته محصور ومتوقف إلى السحاب، فلا يستطيع أن يتجاوزها ليرى ما فوق السحاب من السماوات.

وتخرج دلالة أسلوب النملة إلى بيان التفاوت الغريب في المنزلة بينها وبين النسر، أو إظهار التحسر والتحزن على حالها وحال عيشها، فجملتها خبرية متضمنة قوة إنجازية تفصح عن حالة نفسية معينة للنملة.

ويخرج أسلوب النسر إلى عكس هذه الدلالة، والإشارة إلى أنّ منزلتها أعلى من منزلته، والتلويح بأن تقنع بما لديها ولا تنظر إلى ما عند الآخرين، فجملته خبرية متضمنة قوة إنجازية غايتها إقناعية بدعوة النملة إلى ترك هذا التصور غير الصحيح.

الحوار غير المباشر (الجزئي)؛ محاورة السهم والسيف:

وقد اخترنا قصيدة (محاورة السهم والسيف)([8]) أنموذجاً على هذا الحوار، وهي قصيدة قصيرة مؤلفة من عشرة أبيات، قال الشاعر:

قال سهمٌ مرهفٌ يوم الزِّحامْ
يا من الجَنَّة في أعطافهِ
خالداً صاحبْتَ يَفْري الفيلَقَا
نارُ قهر الله في جوهرِكَا
إنني في الجوّ أو في جَعبتي
وإذا القوس رمتني للثُّبورْ
إنْ خلا الصَّدرُ مِنَ القلبِ السَّليمْ
نَفذ النَّصلُ خِلالَ الأعظُمِ
وإذا حَلَّاه قلبٌ مؤمنُ
ذاب روحي من فؤاد وَقدَا

 

قال للسيف وللحرب ضرامْ
ذو الفقار العضبُ من أسلافهِ
وعلى الشَّام نثرتَ الشفقَا
جَنَّةُ الفردوس مأوى ظلِّكَا
حيثما كنت، بجسمي شُعلتي
بَصُرَتْ عيني بأحناء الصُّدورْ:
ما به يأسٌ ولا خوفٌ مقيمْ
فكسوتُ الجسمَ درعاً من دمِ
نورُه الظَّاهرُ ممَّا يُبطنُ
وهمى نصلي كقطْرات النَّدَى

إنّ الحوار الشعري في هذه القصيدة بين السهم والسيف هو حوار شعري مباشر أحادي، يجري على لسان السهم، فهو يحمل في طياته دلالات عميقة وخفية فكرية وفلسفية وتنموية، حملها الشاعر محمد إقبال في هذا الحوار الشعري وفي الشخصيتين المتحاورتين، فهما وإن كانتا من الجمادات السهم من الخشب والمعدن والسيف من المعدن، إلا أنهما صارا رمزين محملين بدلالات فكرية وثقافية وحضارية عميقة.

فالسهم من سياق القصيدة، ومن طبيعة الحوار والدلالات العميقة التي يوحي بها، وجدت أنّ السهم هو شخصية رمزية ترمز إلى صاحب القوة الذاتية. أما السيف فيرمز إلى صاحب القوى الخارجية، أو أنّ السهم يرمز إلى الإنسان المسلم الجاد والملتزم والساعي إلى بناء الثقافة والفكر والحضارة وعمران الأرض، والمعتمد في ذلك على طاقاته ومواهبه التي وهبها الله له ومكتسباته الذاتية التي وفقه الله إليها. أما السيف فهو شخصية رمزية كذلك ترمز إلى الإنسان المسلم الجاد لكنه معتمد على ماضيه وتراثه وأسلافه. ويمكن أن يكون السهم رمزا للشاعر نفسه، والسيف لغيره من الناس المعاصرين له، وذلك لأنّ الشاعر وصف السهم بأنه مرهف، وهذه الكلمة يمكن أن تحمل معنيين: الأول هو خاص بالسهم، فالسهم المرهف هو السهم الدقيق، وسَهْمٌ مَرْهُوفٌ ومُرْهَفٌ: مُرَقَّق([9]). أما الثاني فهو خاص بالإنسان، فرجلٌ "مُرْهَفُ الجسم: رقيقه"([10])، "وَفِي الحَدِيث أَن عامرَ بن الطُّفَيل قدِم على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ مُرهَف البَدَن، أَي لطيف الْجِسْم دَقيقه"([11]). وتقول "شاعر مُرهَف أي مُرْهَف الحِسّ: حسَّاس"([12]).

فالسهم يخاطب السيف محاوراً ومستعملاً حججاً دينية وتاريخية لغاية تحفيزية لتشغيل طاقات السيف (الإنسان المعتمد على ماضيه) الذاتية بالاقتداء بمن سبق ويكررها لغاية توكيدية فيقول له:

يا من الجَنَّة في أعطافهِ
خالداً صاحبْتَ يَفْري الفيلَقَا
نارُ قهر الله في جوهرِكَا

 

ذو الفقار العضبُ من أسلافهِ
وعلى الشَّام نثرتَ الشفقَا
جَنَّةُ الفردوس مأوى ظلِّكَا

فالسيف له أبعاد دينية وتاريخية إسلامية عميقة، فعندما يقول الشاعر: يا من الجَنَّة في أعطافه، فهو بذلك يستدعي نصا دينيا أي قول الرسول صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ, وَسَلُوا الله عَزَّ وَجَلَّ الْعَافِيَةَ, فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا, وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ"([13])، وعندما يقول الشاعر:

 "ذو الفقار العضبُ من أسلافه

  خالداً صاحبْتَ يَفْري الفيلَقا

  وعلى الشَّام نثرتَ الشفقا"

 فحواره الشعري لا يكتفي بالدلالة الظاهرة، بل يستدعي بعداً تاريخياً إسلامياً، فذو الفقار هو سيف علي بن أبي طالب رضي الله عنه العَضْب؛ أي القاطع، وخالد هو القائد المسلم سيف الله المسلول خالد بن الوليد، فهو بسيفه يقطع الفيلق من الجنود ويشقه ويقضي عليه، وهو بجهاده بسيفه نثر دماء الأعداء، فأصبحت كأنها شفقاً أحمر في سماء بلاد الشام. ثم يستدعي الشاعر مرة أخرى النص الديني، ويكرر ما استدعاه سابقاً لغاية توكيدية، فهي جملة خبرية متضمة قوة إنجازية توكيدية، إذ يقول: "نارُ قهر الله في جوهرِكاجَنَّةُ الفردوس مأوى ظلِّكا". فشخصية السيف هي شخصية معتمدة على تاريخها وما قدمه الأسلاف وما حققوه في حياتهم، فهو يفتخر بذلك الإنجاز ولا يحاول أن يقدم شيئاً في حياته المعاصرة لنفسه أو لدينه أو لأهله ووطنه أو لأمته كما قدموا أجداده. أما السهم فنجده يتكلم عن نفسه قائلاً:

إنني في الجوّ أو في جَعبتي     حيثما كنت، بجسمي شُعلتي

فالسهم حيثما يكون نجد طاقته في ذاته، إذ يقول: "بجسمي شُعلتي"؛ فموهبته وطاقته وقواه الذاتية وشعلته توجد في داخل جسمه وشخصيته وروحه، وهي مصاحبة له أينما كان في الخارج (في الجو) أم في الداخل (في جعبتي)، فهو يستعمل جملاً خبرية متضمنة قوة إنجازية تحفيزية تدعو السيف أو المتلقي إلى فعل شيء إيجابي في نفسه ومجتمعه وأمته، وتؤكد ذلك باستعمال الأداة التوكيدية (إنّ) في قوله (إنّني).

ثم إنّ صاحب القوة الذاتية لابد أن يمتلك بصيرة وحكمة يميز فيها بين الحق والباطل، والصحيح والخطأ، والصديق والعدو، فالوعي قبل السعي والعمل، والسهم يمتلك هذه البصيرة والحكمة، إذ يقول محمد إقبال:

وإذا القوس رمتني للثُّبورْ
إنْ خلا الصَّدرُ مِنَ القلبِ السَّليمْ
نَفذ النَّصل خِلالَ الأعظُمِ
وإذا حَلَّاه قلبٌ مؤمنُ
ذاب روحي من فؤاد وَقدَا

 

بَصُرَتْ عيني بأحناء الصُّدورْ:
ما به يأسٌ ولا خوفٌ مقيمْ
فكسوتُ الجسمَ درعاً من دمِ
نورُه الظَّاهرُ ممَّا يُبطنُ
وهمى نصلي كقطْرات النَّدَى

فعين السهم ورؤيته تبصر نواحي صدور الرجال وخفاياها، ففي اللغة "حنو الْجَبَل: ناحيته وَالْجمع أحناء"([14]). و"حِنْوُ كُلِّ شَيْءٍ: اعْوجاجُهُ"([15]). ومنه حنْوُ الأضْلاعِ، "ومن المجاز: طوى عليه أحناء صدره. وهو أعرف بأثناء الأمور وأحنائها. وهو يتقلب بين أحناء الحق، ويتحرّى أنحاء الصدق"([16])، إذ يرى السهم نوعين من القلوب، قلب غير سليم وليس فيه يأس وخوف مقيم ويقتحم المعارك والأهوال والمظالم، وقلب مؤمن متقد (من فؤاد وقدا) حباً ونوراً ظاهراً وباطناً. فالأول يصيبه السهم ويخضب جسمه بدم القلب مستعملاً أسلوب التشبيه، فيغدو الدم المخضب به السهم كأنّه درعُ مقاتلٍ مخضبٌ بلون أحمر قاتم. والثاني يذوب السهم وينصهر بشعاع نوره كأنه ماء مستعملاً أسلوب الاستعارة، ويتحول إلى شيء جميل يشبه قطرات ندى جميلة بجمال الفجر مستعملاً أسلوب التشبيه، تهمي على أوراق القلب الجميل السليم من الأحقاد والضغائن. فالسهم يستعمل جملاً خبرية خرجت إلى معنى التنبيه والاهتمام بالأمر، وهي قوة إنجازية تضمنتها تلك الجمل.

وفي نهاية هذا البحث نرى أنّ هاتين القصيدتين الأنموذجين كأنّهما قد جسدتا أبعاد رؤية الشاعر محمد إقبال النهضوية الحضارية والثقافية في المجتمعات المسلمة، إذ وجدنا أنّه قد وظف حسه الشعري والبلاغي، وفكره الفلسفي، وحججه العقلية والدينية والتاريخية، واختار الحوار أسلوبا لصياغة شعره وفكره الإسلامي، وذلك لأنّ الحوار هو لغة العصر والفكر والشعر والفن والإبداع، فضلاً عن توظيف أسلوب الحكاية والقصة والنص الممسرح والرسائلي والرمز والإيقاع الشعري، وذلك رغبة منه للمزج في شعره بين أساليب الشعر وأساليب النثر بين الفكر والوجدان، بين العقل والعاطفة،  كل ذلك التنوع الجميل وبلوحة فسيفسائية منسجمة الألون استعمله الشاعر للتأثير في المتلقين بالترغيب والتنفير، وبأقيسة تخييلية لدفعهم وتحفيزهم على القيام والحركة والفعل الحضاري والثقافي والإنساني، وذلك عن طريق تشغيل طاقاتهم وحركتهم الذاتية مع الاستفادة من ماضيهم وتاريخهم المشرق فضلاً عن قرآنهم الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ودينهم الإسلامي الذي هو دين سماوي لكل البشرية والعالم أجمعين، فشعره حمل الخيال المبدع والرسائل القيمية الفكرية النهضوية.



([1]) في تحليل الخطاب السردي وجهة النظر والبعد الحِجَاجي، محمد نجيب العمامي، الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم، تونس، ط1، 2009م: 90.

([2]) المصدر نفسه: 89.

([3]) المصدر نفسه: 89.

([4]) التداولية والحِجَاج مداخل ونصوص، صابر الحباشة، صفحات للدراسات والنشر، سورية، دمشق، ط1، 2008م: 15.

([5]) الحِجَاج أطره ومنطلقاته، عبدالله صولة: 299. نقلاً عن معالم لدراسة تداولية وحِجَاجية للخطاب الصحفي الجزائر المكتوب ما بين 1989 و2000م، (أطروحة دكتوراه)، عمر بلخير، إشراف أ.د خولة طالب الإبراهيمي، جامعة الجزائر، كلية الآداب واللغات، قسم اللغة العربية وآدابها، 2005-2006م: 172.

([6]) ينظر: في تحليل الخطاب السردي وجهة النظر والبعد الحِجَاجي: 90.

([7]) ديوان محمد إقبال، الجزء1: 550.

([8]) ديوان محمد إقبال، الجزء1: 199.

([9]) ينظر: لسان العرب، الجزء9: 128.

([10]) كتاب العين، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (ت 170هـ)، تحقيق د.مهدي المخزومي، د.إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، الجزء4: 45.

([11]) تهذيب اللغة، الجزء6: 149.

([12]) معجم اللغة العربية المعاصرة، الجزء2: 950.

([13]) الـمُخْتَصَرُ النَّصِيحُ فِي تَهْذِيبِ الْكِتَابِ الْجَامِعِ الْصَّحِيحِ، الـمُهَلَّبُ بنُ أَحْمَدَ بنِ أَبِي صُفْرَةَ أَسِيْدِ بنِ عَبْدِ اللهِ الأَسَدِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ، المَرِيِيُّ (ت 435هـ)، تحقيق أَحْمَدُ بْنُ فَارِسٍ السَّلوم، دار التوحيد، دار أهل السنة، الرياض، ط1، 1430هـ = 2009م، الجزء2: 283.

([14]) جمهرة اللغة، أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (ت 321هـ)، تحقيق رمزي منير بعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، ط1، 1987م، الجزء1: 575.

([15]) معجم ديوان الأدب، أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن الحسين الفارابي (ت 350هـ)، تحقيق دكتور أحمد مختار عمر، مراجعة دكتور إبراهيم أنيس، مؤسسة دار الشعب للصحافة والطباعة والنشر، القاهرة، 1424هـ = 2003م، الجزء4: 15.

([16]) أساس البلاغة، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: 538هـ)، تحقيق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة: الأولى، 1419هـ - 1998م، الجزء1: 219.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب