الهجرة النبوية في ديوان النصرة (2/2)
كتب  شمس الدين درمش ▪ بتاريخ 07/09/2021 10:37 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 116

 

ويقول علي سليمان الحجي من السعودية في قصيدته: نبي الهدى، (ص296):

ربوع يثرب داعي الحب نادانا = هل يعرف العاشق الولهان سلوانا؟

في حب من بالهدى طافت بشائره = لتملأ الكون توحيداً وإحسانا


ويقول:


وهاجر الركب عين الله تحرسهم = ونخل طيبة هز الأرض ألحانا

فوحد القومَ لا عرقٌ يفرقهم = وأصبحوا تحت ظل الدين إخوانا


يفتتح علي الحجي قصيدته بنداء ربوع يثرب، وأن داعي الحب نادانا إليها، والذي يحب الرسول حب العاشقين فإنه لا يعرف سلوانا يسلو به عن هذا الحب، فهذا حب مختلف قد طافت بشائره بالهدى، وملأت الكون توحيداً بدلاً من الشرك والكفر، وإحساناً بدلاً من الشر والأذى. وذكر الشاعر هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم محفوفاً بعناية الله تعالى، وعنما وصل إلى مهاجره طربت نخل طيبة فهزت الأرض بألحانها فرحاً وسروراً بمقدمه صلى الله عليه وسلم. وكانت هذه الهجرة خيراً وسلاماً وأماناً على أهل طيبة، فتوحدت كلمتهم، وزالت العداوات فصاروا إخواناً في الله.


ويقول د.ماجد إبراهيم العامري من السعودية من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في قصيدته: في الروضة الغراء، (ص336):


بيني وبينك يا حبيب ستارُ = من خلفه تتلألأ الأنوارُ

أنا في جوارك يا رسولُ وها أنا = يحدو بي الإجلال والإكبار

أهديك من قلبي السلام مشبَّعاً = بالحب مشفوعاً به الإيثار

وأبثك الأشواقَ عاطرة الشذا = ندٌّ يمازج عَرْفَها وبهار

أنا في الجوار وتلك أعظم مِنَّة = جاد الإله بها فطاب جوار

في الروضة الغراء يشرق خاطري = وتفيض بين جوانحي الأسرار

ما بين منبرك المنيف وبين مَرْ = قَدِك الشريف تجلت الآثار

أستشعر الوصل الكريم وأنتشي = أرجَ النعيم وتعبق الأزهار

وأهيم في ألق الضياء وأكتسي = حلل الصفاء وتورق الأشجار

في الروضة الغراء أمرعُ مجلسٍ = وسرت علي سكينة ووقار


يتميز ماجد العامري عن غيره من شعراء هذا الديوان بأنه من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو يبدأ قصيدته بالإدلال بهذا الجوار الكريم المحبب الذي يرجوه ويتمناه كل مسلم، وعبارة (في جوارك) تحمل معنى مباشراً هو القرب، ومعنى رمزياً هو التحصن والحماية، فطالما افتخر العرب بالجوار، كقول الشاعر:


تُعَيِّرُنا أَنّا قَليلٌ عَديدُنا = فَقُلتُ لَها: إِنَّ الكِرامَ قَليلُ

وَما ضَرَّنا أَنّا قَليلٌ وَجارُنا = عَزيزٌ وَجارُ الأَكثَرينَ ذَليلُ

 

وهل جيرة أعز من مجاورة الرسول صلى الله عليه وسلم!؟


ويبث الشاعر لواعجه وأشواقه وحنينه إلى الرسول،  ويذكر الروضة الشريفة، والمنبر الذي كان الرسول يخطب في موضعه، ومرقده الشريف الذي يقصده المسلمون للسلام عليه، وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وهذه الأبيات جميلة ومضيئة مفعمة بالمشاعر الإيمانية.


وتقول الشاعرة د.مباركة بنت البراء من موريتانيا في قصيدتها: حييت طيبة، (ص348):


حييت طيبة دار المصطفى وكفى = بالمصطفى نسباً، بالمصطفى شرفا

حييت طيبة للإسلام منزلة = حييت طيبة إيماناً وعهد وفا

حييت طيبة داراً قد تخيرها = خير النبيين مهد الحق والكنفا


وتواصل القول:


من أين أبدأ والآثار ماثلة = كل الأماكن تاريخ لمن عرفا

هنا أقام رسول الله شرعته = هنا دعا وسعى، صلى، هنا اعتكفا

والخيل تعلك من شوق أعنتها = إلى الجهاد ونصر الله قد أزفا

تغدو الجيوش وجند الله يكلؤها = قد كان ذلك في التاريخ منعطفا

يا دار خير نبي جاء خاتمة = للرسل آسى وكان الجرح قد نزفا

يا طيبة النور يا داراً تخيرها = خير النبيين مهد الحق والكنفا


الشاعر الموريتانية مباركة بنت البراء تبدأ قصيدتها بإزجاء التحيات المباركات لدار الهجرة التي تسميها باسم طيبة، والشعراء عادة يحيون الديار ويقصدون ساكنيها، فما طابت يثرب إلا بسكنى الرسول بها، وبهذا عبر الشاعر العربي إذ يقول:


أمر على الديار ديار ليلى = أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي = ولكن حب من سكن الديارا


والشاعر المباركة تكرر التحية أربع مرات متوالية مقرونة باسم طيبة في مطلع القصيدة، دالة بذلك على الشوق العارم الذي يسكن قلبها للرسول صلى الله عليه وسلم: فتقول: (حييت طيبة دار المصطفى، حييت طيبة للإسلام منزلة، حييت طيبة إيماناً وعهد وفا، حييت طيبة دار قد تخيرها..)، ثم تشير إلى آثار الرسول في طيبة وهي كثيرة تتحير الشاعرة ماذا تذكر منها وماذا تدع.. فتقول:


 من أين أبدأ والآثار ماثلة = كل الأماكن تاريخ لمن عرفا


نعم كل ذرة تراب، وكل شبر من أرض يثرب طابت برسول الله صلى الله عليه ووسلم، (فطاب من طيبهن القاع والأكم) كما قال البوصيري.


والشاعرة بنت البراء تلخص بعد ذلك تاريخ الإسلام في المدينة، فهنا أقيمت أحكام الإسلام، وهنا صلى الرسول، وهنا اعتكف، وهناك جهزت الجيوش المجاهدة في سبيل الله، وتختم مرة أخرى بذكر المدينة باسمها طيبة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم تخيرها دارا فتقول:


يا طيبة النور يا داراً تخيرها = خير النبيين مهد الحق والكنفا


ويقول محمد رائد عبد الحميد الحمدو من سورية في قصيدته: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، (ص377):


يا أيها المختار أشرق نوره = فأضاءت الدنيا بلا استثناء

بك طيبة طابت لكل متيم = يشتاق بسمة وجهك الوضاء

بك فيض عصر لا يمل عبيره = بك مورد الظمأى لأعذب ماء

بك طيبة تحنو على أوجاعنا = بحنان صدر طيب معطاء

فنريح أرواحاً تنوء بحملها = ونريح أفئدة من الأعباء

لما تلوح مآذن الحرم الذي = تثوي بتربته أبا الزهراء

فإذا الجموع لديك يزحم بعضها = بعضاً بكل تواضع وحياء

تلقي عليك سلامها يا سيدي = بعد الصلاة بروضة خضراء

ترنو إلى نيل الشفاعة يوم لا = تعطى لغيرك رتبة الشفعاء


يذكر محمد الحمدو دار الهجرة باسم طيبة، وأنها طابت بالرسول صلى الله عليه وسلم: (بك طيبة طابت)..، و(بك طيبة تحنو على أوجاعنا).. ويعطينا صورة المدينة للقادم من بعيد، إذ تلوح له مآذن الحرم النبوي الشريف شامخة، ويذكر مثوى الرسول بتربته، مكنياً إياه أبا الزهراء، ويصل إلى المدينة، ويدخل المسجد، ويتقدم للتشرف بالسلام على رسول الله مع الجموع المتزاحمة، لكنها متحلية بالتواضع والحياء في مقام رسول الله، وهي تسلم على الرسول بعد الصلاة بالروضة الشريفة التي يحرص كل من يدخل المسجد أن يصلي فيها راجية القبول، ونيل شفاعة الرسول في الآخرة حين يعطى ذلك المقام المحمود له وحده صلى الله عليه وسلم.


ويقول الشاعر محمد منذر زريق من سورية في قصيدة: ثورة البركان، (ص395)، واصفاً الاحتجاجات التي قامت في أرجاء العالم الإسلامي كالبركان، وكلها متجهة إلى المدينة المنورة:


يا من ذهلتَ بثورة البركان = وسألتَ هل هذي عقود جمان؟

قد جمعت حسناً بحب محمد = من كل فج غائر أو دان

من راسيات الهند في كشميرها = من عاليات مآذن الكاشاني

من قاسيون الشام في عليائه = من جرح بغدادي ومن عَمّان

من أرض مصر إلى عُمَان جماعة = من قبة الأقصى إلى تطوان

هذي الجموع إلى المدينة أقبلت = "إلا محمدُ" بوح كل لسان

حتى الكواكب والنجوم تلألأت = وتراشقت شهباً مدى الأكوان


يسلك محمد منذر زريق أسلوباً آخر في ذكر دار الهجرة المدينة المنورة، فهو يجمع المسلمين الغاضبين من بقاع العالم الإسلامي، ويأتي بهم إلى المدينة نصرة للرسول صلى الله عليه وسلم، وكأنهم مهاجرو العصر، وأنصار اليوم، فهم جاؤوا من فج بعيد وقريب، من الهند وكشمير، ومن كاشان في إيران، ومن قاسيون الشام، ومن بغداد وعمّان، ومن أرض مصر وعُمان، ومن القدس وتطوان، هذي الجموع كلها أقبلت إلى المدينة وهم يقولون: يمكن أن نقبل أي إساءة موجهة إلى أحدنا، ولكن لا نقبل الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان المتظاهرون رفعوا شعار: (إلا محمد).. تعبيراً عن هذا المعنى، ويوسع الشاعر آفاق النصرة فينتقل من الأرض إلى الكواكب والنجوم، ويصور الشهب تتساقط ترجم شياطين الإنس كما ترجم شياطين الجن.


ويقول محمد مهدي الحمادي من السعودية بادئاً بمطلع جميل من قصيدة: مناجاة في حضرة الرسول، (ص400):


وردة الشعر قد عراها الذبول = جاء طيف الهدى فماذا أقول!؟

قلمي حائر وحرفي ضعيف = واللظى قاتل وجسمي نحيل

إن روحي إلى المدينة تهفو = حيث (طه) إلى القلوب دليل

قمةُ الصدق، والأمانة شيء = من معانيه والوفاء رسول


يعبر محمد الحمادي عن معاناته، في رحلته شأن الشعراء قديماً، فقد كان الشاعر يصف ما أصاب راحلته من ضعف وإرهاق في سفره الطويل إلى غايته، وشاعرنا جعل هذا الوصف للشعر، وكأن الشعر هو مطيته، وضعف شعره وذبوله ناتج عن سطوع نور الهدى الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، لذلك فهو في حيرة من أمره ماذا يمكن أن يقول في مدح النبي ونصرته!؟. وقد عبر الشعراء كثيراً عن العجز الذي يشعرونه في التعبير عن مدح الرسول، وأنهم مهما قالوا فلن يوفوا رسول الله حقه.


والشاعر يذكر شوقه ولهفته إلى المدينة المنورة حيث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول:


(إن روحي إلى المدينة تهفو = حيث طه إلى القلوب دليل)


ومن منا لا يهفو إلى المدينة كما يهفو الشاعر!؟

ويقول محمد بن ناصر بن مفرح آل زيد من السعودية في قصيدة: ينام خلي البال والغِرُّ يرقد، (ص 406):


لقد شرفت خير البلاد على المدى = فمبعثكم قد كان فيها ومولد

أضاء بها نور وطابت رحابها = لأنك في أرجائها تتردد

وطيبة لما جئتها طاب جوها = وغاب عن الأنصار شر مؤكد


فجمع محمد آل زيد بين مكة والمدينة في اكتساب الشرف بالرسول صلى الله عليه وسلم، فمكة زادت شرفاً بمولده ومبعثه، وطيبة شرفت بهجرته إليها، وجمع كلمة الأوس والخزرج من الأنصار.


ويقول مصطفى أنيس الحسون من سورية في قصيدته: بأبي سيد الشرفاء، (ص429):


هتفت قلوب المسلمين بيثربٍ = واحتار أنصار من الكرماء

من ذا يشرفه الإله بضيفه = فيكون معجزة لدى الأحياء

أُمِرَتْ فحطت عند قوم رحلها = فتشرفوا بضيافة النجباء

لله أول مسجد صلى به = بعد الرسالة أحمد بقُباء


يحدثنا مصطفى الحسون عن ساعة قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم يثرب، واستقبال الأنصار له، كل يريد أن يحظى بشرف استضافته، ولكن الناقة المأمورة هي التي حسمت الأمر، عندما بركت أمام منزل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وكان رسول الله قد بنى أول مسجد في قُباء، حين مكث فيها أياماً قبل مقدمه إلى المدينة نفسها.


ويقول مصطفى عكرمة من سورية في قصيدته بعنوان: من وحي حب المصطفى، (ص432):


يا رب خذ بيدي لبيتك مِنَّة = واكتب قبولك رحمة وتعطفا

طِرْ بي لروضته إلهي راحماً = وامنح فؤداي قربة وتزلفا

فهنا أرى نفسي اطمأنت وارتقت = وتطهرت وغدت أرق وألطفا

وأحس نور الله يغمر خافقي = وأرى الملائك حول روحي رفرفا

فأطيل بروضته الشريفة وَقْفتي = فهنا يود العمر أن يتوقفا


لمصطفى عكرمة أكثر من قصيدة يذكر فيها الهجرة، ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فيسأل الله سبحانه في قصيدته الأولى أن يكتب له زيارة البيت الحرام عمرة أو حجا، وأن يطير به إلى روضة الرسول في المدينة، حيث يلقى القلب أنسه، وتجد النفس سكينتها، ويطيل المكوث في روضته الشريفة، حتى إن المرء ليود أن يتوقف الزمان!.


ويذكر القبر الشريف قائلاً:


الله.. ما أغلى وأكرم لحظة = فيها أشم طيوف قبر المصطفى!

وأبثه الشوق الذي هو أهله = وأكون ممن بالسلام تشرفا

هيهات أن يرقى لغير المصطفى = شوق يزيدك رقة وتعففا


وذكر القبر يستلزم السلام على النبي صلى الله عليه وسلم.

ولمصطفى عكرمة قصيدة أخرى بعنوان: يا مفرداً في الدهر، يقول فيها عن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، (ص437):


وإلى المدينة أخرجوك سفاهة = والقلب منك بمكةٍ معمود

هاجرت ترجو نشر يسر عقيدة = فيها يزول العسر والتعقيد


وفي هذه القصيدة يذكر إخراج المشركين رسول الله من مكة سفاهة منهم، وهو محب البقاء فيها، ومتعلق القلب بها، فهاجر إلى المدينة رجاء نشر عقيدة التوحيد وشريعة الإسلام الميسرة. وفي البيت إشارة إلى قول النبي عن مكة: (مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وأَحبَّكِ إلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عن ابن عباس وَصَحَّحَهُ.


ويقول في قصيدته: باق على الدهر، (ص442)، وهو يذكر خروج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة وحلوله في طيبة:


خرجت في ثقة من بين من حشدوا = كما تهادى ضياء البدر في ظلم

يا شوقَ طيبة لمَّا أن حللت بها = فما ترى في حماها غير مبتسم


فيكرر الشاعر في قصائده قصة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا يشير إلى خروجه من بيته في مكة من بين الجمع الكبير المحتشد المحيط به قصد قتله، ولكن الله أخرجه كما يخرج البدر المضيء في الليل المظلم، وهي صورة جميلة معبرة. وفرحت طيبة به صلى الله عليه وسلم، وعم السرور أهلها وتمثل ذلك في البسمة التي عمت الجميع، ويقول أنس بن مالك رضي الله عنه في ذلك: "ما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم". أخرجه الوادعي  في الصحيح المسند: (133) حديث صحيح.

ويقول الشاعر مؤيد بن محمد الغلامي من العراق في قصيدته: النبي المنصور، (ص456):


إله السماء يختار يثرب منزلاً = لهجرة فخر الكائنات بموعد

فضمته في أحضانها بتشوق = لكيما به ثوب المفاخر ترتدي

إلى أن غدا الإسلام ديناً ومنهجاً = وأتباعه الأبرار خير معضد


يذكر مؤيد الغلام دار هجرة الرسول باسمها الأول يثرب، وأن الله تعالى اختارها لهجرة رسوله صلى الله عليه وسلم، فاستقبلته وأهلُها بالشوق والترحاب.


ويقول الشاعر ناصر بن عبد الرحمن الحمد من السعودية في قصيدته: أنين محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، (ص462):


ومدينة المختار هب جنودها = في نصرة محفوفة البركات

ومهاجرو البيت العتيق تجمعوا = حول الرسول بعزة وثبات

صديق سيدهم وخير مهاجر = وكذا ابن خطاب أخو العزمات

وكذاك عثمان الحيي بفعله = وعلي من فدى النبي بذات

نذر الأحبة للحبيب نفوسهم = ففدوا له بالعرض والحرمات

وفدوه فيما يملكون فضوعت = ريح الرسالة أضوع البركات


وناصر الحمد يضيف اسم المدينة إلى صفة المختار للرسول: مدينة المختار، ويصور قيام أهلها بنصرة النبي والإسلام، ويصفهم بالجنود، ويذكر المهاجرين الذين تجمعوا حول الرسول وآمنوا به، ويخص بالذكر الخلفاء الراشدين الأربعة ويصف كلًّا منهم بما اشتهر من صفة، فأبو بكر هو الصديق، وعمر القوي أخو العزمات، وعثمان عرف بالحياء، وعلي فدَّى رسول الله بنفسه إذ بات في فراشه ليلة خرج من بين المشركين في مكة.


ويذكر الشاعر ناصر نمر محيي الدين من لبنان مكة والمدينة في قصيدته: من نورك الفياض كل يقتدي، (ص465):


رمضاء مكة قد روت إعجازه = إذ كيف كان الدين ثمة يبتدي

حكت المدينة هجرة عجبت لها = تيك المدينة لم تنم أو ترقد


فيجمع ناصر محيي الدين بين مكة والمدينة، فمكة روت لنا ابتداء الإسلام، من نزول الوحي، ومعجزات جمة حدثت فيها، وذكره رمضاء مكة إشارة إلى ما كان المشركون يمارسون فيها من تعذيب المسلمين المؤمنين بالله ورسوله في شدة الحر. والمدينة تحكي بقية قصة الإسلام يوم هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم، بقيت تنتظر وصوله لا تنام ولا ترقد.


وبعد؛ فهذه لوحات شعرية من قصائد الشعراء من كتاب ديوان النصرة؛ نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه في مقابل الرسوم المسيئة.. وهي ليست بضائرة رسول الله، وقد رفع الله ذكره، وأعلى مقامه، فإذا كان الفرزدق مدح حفيد رسول الله زين العابدين علي بن الحسين رداً على من تجاهله، فقال:

وليس قولك من هذا بضائره = العرب تعرف من أنكرت والعجم


فما بالك برسول الله نفسه!؟ والقصائد كلها مفعمة بالحب والشوق والحنين واللهفة، فهب الشعراء هبة (حسَّانية)، فأجادوا وأحسنوا. وتعد معاني الهجرة وما يتعلق بها أحد أوجه التعبير عن نصرة رسول الله لما تحقق في الهجرة من نصر حقيقي مادي ومعنوي، حتى ذهب الصحابة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، إلى تقرير التأريخ بالهجرة، لأنها كانت فاصلة بين عهدين للدعوة الإسلامية، وحتى الآيات القرآنية وسورها فصلت في علوم القرآن إلى مكي ومدني تبعاً للهجرة. ودراسة هذا العدد من القصائد، وتحليل معانيها، ونقدها بيانياً وبلاغياً وبديعياً، وربطها بمراجعها ومصادرها من القرآن الكريم، والسنة النبوية، والأحداث التاريخية؛ تتطلب رسالة جامعية لدرجة الماجستير إن لم نقل الدكتوراه، ولعل طالباً للعُلا ينهض بذلك، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

  • كتاب ديوان النصرة، مجموعة من الشعراء، إصدار مركز سعود البابطين الخيري للتراث والثقافة، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1428هـ، (512) صفحة، (21×29,7).

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب