شيخ الزمان
كتب  محمد عبد الشافي القوصي ▪ بتاريخ 07/09/2021 11:14 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 116

 

 

     في أثناء عودته إلى منزله؛ رأى نعشاً لرجلٍ فاسق، فنأى عنه؛ حتى لا يضطر للصلاةِ عليه! وبينما هو نائم بالليل؛ رآه في روضات الجنَّات، يتجول بين بساتين الجنة وأنهارها، وعليه ثياب سندسٍ خضر وإستبرق.. فلمْ يصدِّق ما رأى! وكأنه يحسده على تلك الدرجة الرفيعة التي لا ينالها سوى الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسحارِ.

فسأله بغيظ: مِن أين لك هذه المنزلة العليا، وأنتَ الذي تلطَّختْ حياتك بالموبقات؟ فضحك من كلامه، وقال: اسأل شيخك كيْ يدلك على الطريق!

      فأسرع نحو خيمة شيخه، وأقبل عليه مذهولاً.. فعاجله الشيخ، قائلاً: هيَّا نصلِّ الضحى، وسأخبرك بالحقيقة كلها.

      بعدما فرغوا من الصلاة؛ أجلسه على يمينه، وأهداه قارورة مسك، وقال: عندما جاءت زليخا تعتذر لـ(يوسف الصدِّيق) عمَّا كان منها؛ قال لها: وربّ آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ لقد كنتُ أستغفر لكِ، وأنا في غياهب السجن!.

     وعندما كان سفهاء الطائف يطاردون (خاتم الأنبياء) ويرشقونه بالحجارة؛ كان ينظر إلى السماء، ويقول: اللهمَّ اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون!.

     ثمَّ وضع يده على كتفه، وقال بصوتٍ خفيض: يا ولدي؛ اعلم أنه مَن يرحم عديمي الرحمة، ومَن يصفح عن المسيء؛ لا تنضب بحار فضله! ومَن يعِبْ مرتكبي الذنوب والمعاصي؛ يجعل نفسه قائداً لخيل الجبابرة .. فقد غفر الله لذلك الرجل؛ لسوء ظنك، وجهلِك بواسع رحمة الله وفضله!.

*   *   *

       غادر "المريد" بهدوء، وتوجه نحو السوق، لبَيْع بقرته التي لا يملك سواها، تاركاً شيخه عند الخيمة بثيابه البيضاء، وعمامته الخضراء، ومسبحته الطويلة، وابتسامته التي لا تفارق وجهه الصبوح.. مثلما كان حال الخضر عليه السلام!.

     لكن؛ لم تعجبه أسعار السوق، فرجع ببقرته مرة أخرى.. وفي طريقه إلى قريته، بلغ به التعب مبلغه، فاستراح تحت ظل شجرةٍ شاحبة، لا ظليلة ولا تغني من لهيب الشمس الحارقة.. وإذا بمن يسأله: ما شأنك يا هذا؟ فحكى له حكايته..

فعرض عليه سِعراً مناسباً.. فوافق، لاسيما أنه رأى في صاحبه من الصلاح والتقوى!.

فأعطاه نصف الثمن، وقال له: في مثل هذا اليوم، وفي ذات المكان، سآتيك ببقية المبلغ.. وقرأ معه "الفاتحة" على تلك النيَّة.

وبينما هما يسيران في الطريق الطويل، ويتسامران معاً في صروف الحياة وتقلباتها.. اختفى "المُشتري" فجأة من على ظهر الأرض، ومعه البقرة!!

فأُصِيبَ "المُريد" بصدمةٍ بالغة، لاسيما أنه ليس معه أيُّ مكاتبات؛ تثبت حقه!

       ظلَّ يحكي قصته لكل مَن يعرفه ومَن لا يعرفه.. فنصحوه بأنْ يذهب إلى (شيخ الزمان وبَركة الأنام)!.

       فانطلق في الصباح الباكر نحو خيمة شيخه، وهنالك سأل عن الشيخ، فقالوا له: إنه يصلِّي ركعات الضحى.. فانتظر حتى فرغ، ثمَّ حكى له قصته من الألف إلى الياء.. فدندنَ الشيخ قليلاً، ثمَّ سأله: هل تعرف بقرتك إذا رأيتها؟ قال: نعم يا مولانا.

فأمر بورقةٍ صغيرة، بلَّلها بماء الورد، ثمَّ كتب عليها دعوات مباركات، وطلب منه أنْ يلقي بها في المكان الذي افتقد فيه صاحبه.. فانطلق مُسرِعاً مُستبشِراً؛ كأنما يحمل بقيةً مِمَّا ترك آلُ موسى وآلُ هارون!.

لمَّا وصل إلى هناك؛ وفعل ما أوصى به الشيخ.. انشقَّتِ الأرض فجأة، ورأى سُلَّماً طويلاً، فنزل على الفور، وهو لا يدري بنفسه!.

       فرأى هنالك عالَماً آخر؛ رأى المنازل، والشوارع، والأسواق، والبساتين، والزروع، والسواقي والآبار، والخيول والبغال والحمير.. ورأى بقرته الصفراء، تدير إحدى السواقي، كما رأى صاحبه -أيضاً- واقفاً على مقربةٍ منها.. فأمسك به، وقال غاضباً: أعطني بقرتي الآن.. وحسبنا الله ونِعم الوكيل!

      فتبسَّم الرجل، وقال: مهلاً يا هذا، أنا لمْ أخدَعْك، ولَمْ أسرِقْك، ولم أخلِف موعدك، لكنك استعجلت، وظننتَ بنا ظنَّ السوء.. فها هيَ بقية المبلغ الذي وعدتك به.. وخذ هذه المسبحة، وأعطها لشيخ الزمان (أحمد أبو رضوان)، وقل له: لا تنسنا يا مولانا من دعواتك في صلاة الضحى!.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب