دموع الطريق إلى الرجولة
كتب   ▪ بتاريخ 07/09/2021 11:16 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 116

مصطفى العادل – المغرب

 

 

وقفت اليوم بعد دخولي إلى القسم الداخلي في مدينتي الجديدة بشرق المغرب، استرجعت ذكرياتي بالمؤسسة نفسها قرب قريتي الجبلية التعيسة؛ ذلك القسم الداخلي الذي أعطانا الشيء الكثير، لا من الخبز والسعادة، لكن من المعاناة التي نَبعَت منها الرجولة وبناء الشخصية الكاملة.

 استرجعت ذلك الألم الذي أتحاشى في كثير من الأحيان التعبير عنه؛ ألَمَ بُعْد الصغير عن قريته التي لعب على أرضها بعلب سردين فارغة يجرّها حلما في سيارة يقودها، قريته التي ركب فيه حماره قاطعا كيلومترات لجلب قطرة ماء في عالم متعطش متوحش لا يرحم، في ذلك الوقت حيث لا يتعدى العالم في مخيلته الصغيرة تلك الجبال المحيطة بالقرية، كان ركوب الحمار حلما وإنجازا.

استرجعت ألَمَ أمٍّ حنون تركتها في القرية ذات فجر، وحنان أخت كانت لا تفارقني، بل تبدل كل شيء من أجل نظافتي وسعادتي، وتلعب دور الأم في كل لحظة تغيب فيها أمي لقضاء مصاعب البيت في عالمنا القروي الذي لا يرحم، فارقت حب أخ يكبرني بعامين، كان قد غادر قبل ذلك الوقت بعامين قريتنا لحفظ كتاب الله في جنوب المغرب.

وأكثر من ذلك فقدت سعادة لعبي الطفولي مع أخت تصغرني بعامين، حكَم عليها القدر وظروف قريتنا البئيسة أن تسعد باجتهادها العلمي والدراسي لحظة قليلة قبل توقفها عن الدراسة، حينما اضطرت لمغادرة القرية كما حدث لأخيها النحيف الضعيف. واختتمت سلسلة الأوجاع تلك عند آخر نظرة إلى بيتنا، وإلى تلك الأشجار والأحجار التي بكت شفقة على مغادرة الصغير.

رافقني الأب المكافح بكل صبر وفخر، ولم يكن قد تعلم من قبل حرفا في العربية، ولا سمحت له عجمته الأمازيغية لينطق بعبارة عربية، لم يكن في تلك السنوات يتكلم العامية العربية دون أن يخلطها خلطا بأمازيغية الأطلس، ومع ذلك فهذه الظروف والحواجز لم تمنعه من مطلب عظيم؛ مطلب ربط ابنه بالتعليم الإعدادي لمواصلة دراسته.

خرجنا من البيت بعدما صلى الأب المجاهد صلاة الصبح، ولم أكن أعرف آنذاك إلى أين نتجه. تركت الإجابات على تلك الأسئلة ليجيب عنها الأب الجميل، فهو من يعرف المكان، ويعرف الزمان، وهو المسؤول عن المال. كنت كظله الذي لا يفارقه، لا أعرف غير اتباعه والسير بجانبه.

قبل خروجنا من البيت في ذلك الصباح الحزين، عانقتني أمي، وشعرتُ بوجع يشدني ويغشاني، وأحسست بقطرات دافئة تنزل من مقلتي، وتسير ببطء على وجنتي؛ قطرات دمع دافئة تجمدت بقوة البرد القارص القاتل على جبلنا الذي تكسوه الثلوج موسميا؛ ذلك البرد الذي استغل فقرنا فأودى بحياة كثير من الصغار والشياب.

لا أستطيع أن أتذكر ذلك الجبل دون أن أتبرع بقطرات من الدمع إلى الآن، وكأن خروج تلك الصبيحة ما يزال يطبع كل خروج من القرية إلى الآن، وإن هرمت مُكرَها بالتجوال والاغتراب دون عمل.

في تلك اللحظة شعرت بشيء يشبه الخجل، كنت لا أريد كعادتي دائما أن أظهر باكيا أمام أمي (قلبي)، كنت من ذلك الوقت أفضل اصطناع السعادة والبسمة مهما بلغت موجات الحزن في قلبي، حتى لا تشعر أمي بحزني وقلقي، فأزيدها ألما على وجع. فلا شك أن الرابط الذي يُقطع بين الأم وابنها عند الولادة يبقى مستمرا بينهما إلى النهاية في سر وخفاء، لذلك ينبغي أن نشعر أمهاتنا بالسعادة ولو خارجيا مهما كانت مشاعرنا وحواسنا. فالظهور أمامهن بالقلق والحزن يسبب لهن القلق والحزن كذلك، وربما يتعذبن مهما أخفينا أوجاعنا عنهن، فنحن في نهاية المطاف جزء منهن.

كنت حزينا باكيا مغلوبا، ورأيت الشعور نفسه يغلب على أمي، ولم تستطع إخفاءه رغم محاولاتها الواضحة، وتمنيت في تلك اللحظة لو غادرت دون علمها، ودون أن أرى تلك النظرة الأخيرة.

ضمتني إليها في حزن، وقبّلت جبيني، وسلّمتني قطعة من قماش حريري هي أدرى بحاجتي إليها أكثر من نفسي، ثم اختفت مسرعة من أمامي حتى لا أرى غزارة دموعها التي لا شك أنها تبرعت بها بعد عودتها إلى البيت.

انطلقت رفقة أبي وكنت أحيانا أسير بجانبه، وأحيانا أخرى أتراجع وراءه وكأني أخشى من شيء قادم. قطعنا مسافة كبيرة متعبة على الأقدام، وكان أبي يحمل أمتعتي الثقيلة على ذراعه اليسرى، ويمد من حين لآخر يده اليمنى يلمس شعر رأسي بلمسته الحنون، وكأنه سوف يقدمني قربانا في ذلك العالم الظالم المتوحش.

يكلمني أبي من حين لآخر، فلا أجيبه إلا بكلمات متقطعة ثقيلة، وأحيانا لا أجد نفسي قادرا على الإجابة، ولو حاولت لانفجرت دمعا ونحن في سفر أعرف أن البكاء لن ينفعني مهما بكيت، فكنت أشير برأسي فأكلّفه عناء النظر إلي وترقب حركاتي.

وصلنا إلى القسم الداخلي؛ ذلك العالم الجديد البعيد عن عالم القرية، وذلك العالم الغريب الرهيب؛ حيث تجد نفسك مقحما في عائلة كبيرة مكونة من عشرات الأطفال، منهم الطالح والصالح، والمريض، والقبيح والطيب، وفيهم الظالم المعتدي، والضعيف المظلوم.

دخلنا إلى القسم الداخلي رفقة الحارس العام؛ ليدل أبي إلى غرفتي الجديدة. أما أنا فلا تهمني الغرفة ولا شيء من ذلك، وكأن أبي هو من سيسكن في ذلك المرقد، وينام على ذلك السرير القديم البالي.

في سيرنا نحو الغرفة الجديدة مررنا على جماعات كثيرة من التلاميذ، أبادلهم النظرات البريئة، متفرّسا في إيماءات وجوههم التعيسة، وهم يتبادلون أطراف الحديث فيما بينهم، ولا شك حول هذا الوافد الجديد.

بعدما تفحصنا الغرفة، ورتبنا كل شيء في مكانه، خرجنا من جديد وشعور ما بداخلي كالغليان، وأنا أدرك أن ذلك الأب الجميل الحنون سوف يودّعني في آخر حلقة من حلقات الوداع. لكن شاء الله أن خرجنا والتقينا بصديق من أصدقاء الطفولة على الجبل، تلميذ كان يسكن بجوار مدرستنا القروية، يكبرني بعامين، وكان قد ذاق مرارة الغربة عاماً كاملاً قبل ذلك اللقاء. سلم علينا مبتسما، فقبّل رأس أبي، وتبادلا أطراف الحديث حول القسم الداخلي وظروف الدراسة والأكل وغيرها. وما زلت أتذكر سؤاله التاريخي:  هل جئت لتقرأ هنا وتسكن معنا في القسم الداخلي؟

أجبته برأسي معبّراً بـ"نعم" مبتسماً، فابتسم بدوره، وكأنّي جئت لأُزيل عنه حملاً ثقيلاً، كان صديقي يشبهني حتى في الاسم، وكان طفلاً طيّباً رائعاً، ولولاه لما تجاوزت كثيراً من العقبات في تلك المرحلة الحرجة بالذات. نظر إلى أبي في آخر لحظة مبتسماً وقال بلساننا الأمازيغي ما معناه:

ها أنت ستبقى مع صديقك، لا خوف عليكما، ولا خوف علي اتجاهكما، فضمني وقبّل جبيني، وعاد إلى القرية، ومع وجود صديقي وكثير من التلاميذ بجواري لم أذرف دمعة واحدة.

اختفى الأب، وتهدّن الموقف، وصرت رفيقاً لصديقي القديم، أرافقه فيحترمني الجميع لاحترامه.

 

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب