ابتسامة
كتب  ممدوح عبد الستار ▪ بتاريخ 07/09/2021 11:19 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 116

 

      قام من نومه، بعدما دخلَتْ زوجته الغرفة، وفتحَتْ شباك الشرفة لنشر غسيل طفلها.. ابن سبعة أشهر. ولمّا رأته زوجته يدعك عينيه، ويتمطى قليلاً، وهو نائم على ظهره، جلسَتْ على حافة السرير، وقبلته على خديه، وابتسمَتْ، ونتفَتْ شعرة من ذقنه الطويلة. توجع قليلاً، لكنه ابتسم بصعوبة بالغة، مُدركاً أنه العقاب على تركه شعر ذقنه، وفرد ذراعيه ليحتضنها مجاملة، لكنها قالتْ: أنا لم أسمع سعالك بالليل.

      حَرَّك رأسه ناحيتها علامة الموافقة، واعتدل. تركته يُكمل قيامه من تلك النومة الطويلة، لمّا سمعتْ بكاء، ونداء طفلها المستميت.

كانتْ رغبة الطفل قائمة على الأنس، والاحتياج، على الرغم من شَبعه. فقط، يريدها بجواره. هذا إحساس لا يُغتفر لطفل لا يدرك. هذا الإحساس يُشعر الزوج بالمرارة، والمقت في آن واحد.

هو- الزوج- يحسّ بالاحتياج، لكن الزوجة تُفضِّل طفلها. هذا الإحساس ينمو بداخل الزوج، يُعكّر صفوه، ويقلب مزاجه الرائق قليلاً، ويُغير سحنته، ويُبدّلها، لكن الزوج لمّا تنشط ذاكرته، ويعي الأشياء على حقيقتها، يدرك أنها غلطته، ويتمتم بصوت مسموع لنفسه: (كان ما لي، وما للجواز!؟) ويُدرك أن رغبته في امتلاك أنثى هي التي دفعته إلى ذلك الإحساس المُرّ.

       ولمّا يشرب قهوته، ويسمع دندنة الأغاني، ويتلاشى كَدَره قليلاً، يُحب هذا الطفل المُفعم بالحيوية، وبالابتسامة الرائعة، التي توشك أن تقلعه من كيانه الغامض، والمتوتر.

هذا الطفل يُدرك تماماً ما يريده. وهو العاقل لا يُدرك ما تعنيه هذه الحياة. هذا الطفل يحافظ على حياته باستحلاب أمه، لكنه في المقابل يعطيها أمومة تستحقها.

أما هو، فإنه يُدرك أن الحياة تهرب منه، يقتلها بالتأمل، والتفكير، والوصول إلى معنى، ربما يكون المعنى خاوياً، لكنه في نهاية المطاف مُجبر على ذلك.

     ابتلع القهوة المُرّة، داعب طفله، ونسي ما كان يفكر فيه. ولمّا انتهى من مداعبته -والطفل يطلب المزيد- وهمّ بالرجوع إلى غرفة المكتب، وجلس على الكرسى المبطن، أدرك أنه مسجون، ومُستعبد هو الآخر من هذا الطفل.

ليس للطفل قدرة على ذلك، لكنه الإحساس-إحساس الطفل فقط- الذي ينكر كل فكر، وكل فلسفة، تلك هي البراءة بمعناها الواسع، والجميل.

       بعد فترة صمت، قام وشدّ باب الغرفة عليه، لكن الطفل لم يتركه لحاله، وخبط على باب الغرفة مرات عديدة، محاولاً إخراج كلمة (ب..ا ب..ا).

     فتحت الزوجة الباب، وغمزتْ لزوجها بعينيها، وزحف الطفل نحوه. ساعتها فقط، أحسّ بفكرة غامضة تُفسر له هذا الانجذاب. فكرة أنه شاهد مراحل نموه -هو- إلا تلك الفترة، وارتاح لهذا التفسير، وتمدد على الأريكة، مبتسماً هذه المرّة بصفاء. لاحظتْ  زوجته تلك البسمة، فقالت: مثل بسمة ابنك.

      أدرك مرادها، وانصرف شارداً، مُنشرحاً لأغنية فرحة، يبثها الراديو عن طيب خاطر لتلك اللحظة.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب