الأدب الإسلامي والاستبصار
كتب  د. عبدالباسط بدر ▪ بتاريخ 08/11/2021 12:16 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 118

 

يهب الله بعض خلقه بصيرة يرون من خلالها ما لا يراه الآخرون، ويدركون حقائق تغيب عن غيرهم، وعندما يحدثوننا عنها نعجب لما كشف لهم من أغوار لم ندركها، فإن كنا ممن رزقهم الله فهماً وعدلاً سررنا بما جاؤوا به، وأخذنا به عن قناعة ورضا، وإن كنا غير ذلك تعصف بنا العصبية أو الأهواء، فلربما راغت بصائرنا ولم نقف على الحقيقة التي وقفوا عليها، أو كنا -لا سمح الله- ممن وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) (سورة النمل:14).

 


ومنذ القديم كان هذا شأن المجتمعات البشرية، وخاصة في تعاملهم مع الأنبياء والدعاة والمصلحين ومَنْ آتاهم الله فكراً نيراً وفراسة عالية، فكان منهم المؤمنون، وكان منهم الكافرون، وكان منهم المستبصرون الذين يأخذون بالحكمة وبما يسوقه إليهم أصحاب البصيرة، وكان منهم العمون الذين يضلهم الجهل أو يلجُّ بهم العناد، في عظائم الأمور وفي أبسطها، ففي عظائم الأمور – كأمور العقيدة– يتوزع بعض الناس بهذا المنهج بين مؤمنين محسنين، وبين كفرة عتاة، ويتدرج بقيتهم بين هذين المقامين، وفي الأمور الحيوية البسيطة يتوزعون أيضاً بين من يحسنون اختيار ما يفيدهم من السلوكيات والأقوال والأفعال، وبين من يستسلمون لأقوال وآراء لا يقبلها العقل، وبين من يملكون ميزان التقويم ومهارة الاختيار وحسن التصرف، وبين هذين المقامين أيضاً يندرج الكثيرون.

 


تعمقت في نفسي هذه المعاني وأنا أقرأ سطوراً للأديب المبدع محمد حسين هيكل، وأقف معه وقفات تمتزج فيها المشاعر الإيمانية بعطاءات البصيرة الواعية في كتابه القيم (في منزل الوحي)، حيث رصد رحلته إلى الحرمين الشريفين لأداء فريضة الحج، وزيارة المسجد النبوي والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء رصده لكل سانحة مر بها في رحلة العمر مشحوناً بوهج عاطفي غير عادي، وبنقلة نفسية وعقدية ضخمة إلى آفاق نورانية، وبرؤية أنار الله فيها بصره وبصيرته، فكان ينظر إلى المعالم والمشاهد والناس نظرات عميقة تستحضر أعمق ما فيها من دلالات، وتستكشف أبعد ما تختزنه أغوارها من معان وعبر، وكان لهذا الكاتب الكبير من قدرة التعبير وحسن البيان ما يحيط بالمعاني والمشاعر التي يمتلئ بها ذهنه ووجدانه، فيصوغها بعذوبة بالغة تشدنا إليها، وتمتعنا بجمالها، وتدهشنا بعمق رؤيتها وسلامة بصيرتها.

 


ومن هذه الوقفات اللافتة للنظر وقفته أمام الحجرة النبوية في المسجد النبوي للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قرب، حيث يبلغ وهج مشاعره ذروة عالية، ولكن هذا الوهج لا يغشي بصيرته، فإذا به يستحضر وهو في المواجهة الشريفة ما تحمله الحجرة النبوية من دلالات للمؤمنين الذين يقفون إزاءها. وما ينبغي أن يتأثروا به ويستفيدوه من هذه الوقفة، وكان برفقة أديبنا رجل ممن لم يبلغ من إدراك حقائق الأمور ما يبلغه أديبنا، فراح يحدثه عما سبق أن حوته الحجرة النبوية من جواهر ثمينة، وقناديل ذهبية، وهدايا قيمة أرسلها بعض الملوك والأمراء وعلية القوم، ويأسى لعدم وجودها اليوم في هذه الحجرة الشريفة.. فهزته كلمات مرافقه، لا تأييداً ومشاركة في الأسى، بل تفكراً وتمعناً في الأمر!.. هل قيمة الحجرة النبوية فيما يوضع فيها من جواهر وزينة!؟ وهل هذا الذي يريده المسلمون!؟ وما يلبث بعد أن يتم الزيارة والسلامة أن يتوجه إلى رفيقه كاشفاً له عما هدته إليه بصيرته، يقول:

 


 (ما كان قبر محمد صلى الله عليه وسلم بحاجة إلى جواهر تضيء جوانبه، وهو مضيء بالحقيقة العليا، التي جاء بها صاحبه من عند الله هدى للناس ونوراً، وليس البهرج الذي يُخْدَعُ الناسُ به هو العبرة التي تلتمس في هذه الحجرة، وما غاب من جواهرها ولآلئها إنما غاب يوم أراد الله لدينه أن يعود فيملأ النفوس سمواً على كل زينة وبهرج، وإنما العبرة الكبرى التي تملأ النفوس رهبة وجلالاً، ويخشع أمامها القلب مهابة وإكباراً، فتلك ما تتحدث هذه الحجرة عنه من سيرة صاحبيه ووزيريه وخليفتيه أبي بكر وعمر، ومن وقف أمام الحجرة وشغل عن سيرة صاحب الرسالة وبلاغهِ إياها للناس، وعن سيرة صاحبيه وجهادهما في سبيل الله لِيُظِلَّ لواءُ الإسلام العالمَ كله، وكان شغله عن ذلك بزخرف الدنيا، وما كان فيها من تحف وجواهر، فقد فاتته العبرة، ولم يبلغ من زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم والسلام عليه ما يجب أن يجعله كل مسلم غايته من هذه الزيارة).

 


ولا يكتفي أديبنا محمد حسين هيكل بهذه التأملات المستبصرة في حقيقة الزيارة والسلام، وحقيقة دلالاتها والعبر التي يخرج المسلم بها، بل يتحول إلى أولئك الذين اجتهدوا في الإهداء إلى الحجرة النبوية أندر الجواهر وأغلى الزينات. ويتأمل في الأثر الحقيقي التي تحققها هداياهم للإسلام والمسلمين، فهم كانوا -ولا شك- يحملون عواطف نبيلة، وحباً كبيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويجملون أحر الرغبات والأمنيات في أن يكون رسول الله صلى الله عليه سولم شفيعهم عند ربهم، فهذا دافعهم القوي لما أهدوه، ولكنهم لم يكونوا يحملون الرؤية الأبصر لحقيقة ما يريده الله ورسوله من ثرواتهم وهداياهم خدمة للإسلام والمسلمين، فيقول:

 


(وماذا يبتغي من يهب القناديل أو الجواهر للحجرة!؟ إنه لا يريد بذلك سد حاجة المسلمين، وآية ذلك أن القناديل كانت تبلغ من الكثرة أن تختزن قناطير الذهب منها في القبة التي تتوسط المسجد، وأن إضاءة الحجرة لا تقتضي هذا الذهب ولا هذه النفائس، إنما يهب الواهبون يبتغون القربى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشفاعته لهم عند ربهم، هم لا يفكرون في المسلمين ولا في أخوتهم ومحبتهم حين يفتنون في زخرف هذه الهبات، وإنما يفكرون في أنفسهم. وكم من ملك أو أمير وهب النفائس ثم لم يصرفه ما وهب عن الاستبداد بغيره، وابتزاز حقه، والطمع في ماله، والطمع مع ذلك في شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل ما قدم من قناديل الذهب أو نفيس الجواهر..! هذه عقيدة تدهور إليها المسلمون منذ أن نسوا أن المرء مجزيٌّ بعمله، وأن قيمة العمل بالنية التي تبعث عليه، وأن هذا العمل أقرب إلى الله ما كان البرَّ والتقوى والجهاد في سبيل الله).

 


وبعد؛ فإن العاطفة الصادقة، والحب المخلص لا يكفيان للحكم على الأمور بالصحة والسداد، ولابد أن يصحبهما رؤية مستبصرة، وإدراك للأولويات، بل ربما يقترن الحب بذاتية شديدة تجعله لا يحسن الاختيار، ولا يقدم ما هو أولى، وما هو الأهم على ما هو مهم.

 


لقد كان الأديب الكبير محمد حسين هيكل في رحلته الإيمانية التي سجلها في كتابه (في منزل الوحي) حاضر القلب والعقل، عميق الرؤية، صحيح البصيرة، فجاءت وقفاته قطعاً من الأدب الإسلامي، الذي تجتمع فيه عطاءات الوجدان الصادق، وبصيرة ذي البصيرة والفراسة، وبيان الكاتب المقتدر.

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب