مع الأديب الشاعر الدكتور حيدر الغدير (4/1)
كتب  شمس الدين درمش ▪ بتاريخ 09/11/2021 09:39 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 118

 

المقدمة:

ولد حيدر الغدير عام (1359هـ/ 1939م)؛ على ضفة نهر الفرات بدير الزور في سورية، وأنهى تعليمه العام في مدينته الجميلة. حصل على الإجازة في اللغة العربية من جامعة القاهرة، وعلى الدبلوم العام في التربية من جامعة دمشق، وقدم رسالة الماجستير بعنوان: "الرثاء في شعر البارودي وشوقي وحافظ"، بجامعة القاهرة، والدكتوراه بعنوان: "عمر أبو ريشة دراسة فنية" وقد صدرت بعنوان "عاشق المجد.. عمر أبو ريشة شاعراً وإنساناً"، بجامعة عين شمس، بعد إضافة وحذف وتعديل. له أربع مجموعات شعرية: من يطفئ الشمس؟، وغداً نأتيك يا أقصى، وعادت لنا الخنساء، وقسماً لن أحيد، وقد أخذت هذه المجموعات أمكنتها في الجزء الأول من "ديوان حيدر الغدير" الذي صدر، والجزء الثاني الذي لم يصدر بعد. وله من الأعمال النثرية: صلاة في الحمراء، وبقايا ذاكرة، ورجال ومواقف.


عمل في السعودية مدرساً في التعليم العام، ثم عمل في الندوة العالمية للشباب الإسلامي، وفي المجلس الأعلى للإعلام. أحب الإسلام والعرب والعروبة والعربية، وأثرت السنوات الجامعية في حياته أثراً بالغاً, وأحب القراءة في مجالات متنوعة, وفي السنوات الأخيرة ركز على الشعر, والسياسة, وهموم الأمة. وأحب الأسفار فسافر إلى عدد من البلدان, وأعانه على ذلك عمله في  الندوة العالمية للشباب الإسلامي ومن طبيعة أعمالها المخيمات, والمؤتمرات.


وأولع بحضور المجالس والديوانيات، مثل مجلس الأستاذ العقاد, ومجلس شيخ العربية الأستاذ محمود محمد شاكر, ومجلس محمد يوسف موسى في القاهرة, ومجلس عبدالعزيز الربيع في المدينة المنورة, ومجلس عبدالعزيز الرفاعي, ومجلس عثمان الصالح, ومجلس راشد المبارك, ومجلس أنور عشقي, ومجلس أحمد باجنيد في الرياض. وقد زادت هذه المجالس من معلوماته, ووسعت من علاقاته, وعدّلت في آرائه, وشجعتنه على مراجعة نفسه, وهيأت لي فرصة نادرة جداً للقاء عدد من أعلام الدين والأدب والسياسة من داخل المملكة وخارجها؛ وإلى الحوار:


س: كيف كانت بداياتك الشعرية؟ وما أبرز المؤثرات في موهبة حيدر الغدير الأدبية من الشعراء القدامى والمعاصرين؟


ج: تعلقت بالشعر منذ صباي الأول، لكن هذا التعلق كان في حدود أمثالي من الزملاء، ولكني مع الزمن وجدت هذا التعلق يزداد، حتى إذا جاءت المرحلة الثانوية وجدتني أحسم خياري في الدراسة الجامعية، فدرست الأدب العربي في جامعة القاهرة، واستأثر الشعر بمعظم اهتمامي في أثناء هذه الدراسة.


شغفت في البداية بشعر شوقي، وأعجبت به ولا أزال معجباً، وقد أدمنت النظر فيه ولا أزال، وهو بحق شاعر عبقري وعملاق.


ثم شغفت بالمتنبي ولا أزال، وهو جِنِّيُّ الشعر العربي وعبقريه، وذو قدرة كبرى على الحشد والتركيز، فضلاً عن معرفة عميقة بأسرار النفس الإنسانية ونوازعها، وهذان الأمران أهم أسباب خلوده وتميزه. وعند بعض الناس أنه حكيم وفيلسوف لا شاعر، وعند بعضهم الآخر أنه حكيم وفيلسوف من ناحية، وشاعر من ناحية أخرى، وأنا من هؤلاء، لقد انفرد إلى حد كبير بالقدرة على الحشد والتركيز، والغوص في أعماق الإنسان وميوله، وكان له في ذلك تفوّق بارز، لكنه شارك الشعراء العظام الآخرين في أمجادهم الشعرية، وحين أقرأ روائع شعره أشعر أن دمي يتغير، وأن الكهرباء تسري في جسمي، وأتمثله قائماً أمامي، وينتابني إزاءه إعجاب شديد، وقد عكفت على ديوانه مرات لا أحصيها. وشغفت أيضاً بالشاعر الكبير بدوي الجبل، وقد قرأت ديوانه هو الآخر مرات كثيرة لا أحصيها.


وليس لي أن أغفل الشاعر الكبير عمر أبو ريشة، لقد كنت معجباً به من قديم، وازداد إعجابي به لما صار موضوع رسالتي للدكتوراه، وهذا ما جعلني أقرؤه مستمتعاً من ناحية، ودارساً فاحصاً من ناحية أخرى عدة سنوات.


إن هؤلاء الشعراء الأعلام أبرز أساتذتي في الشعر، كانوا ولا يزالون، وإن بصماتهم عليَّ واضحة جداً.


وعكفت أيضاً على بعض كتب المختارات، لأن فوائدها كثيرة، فهي تجمّع ما تفرق هنا وهناك، ثم إنها في العادة تنتقي روائع الشعر، والتنوع الذي فيها يطرب من ناحية، ويغني من ناحية، ويبعد الملل من ناحية، وأذكر أني قرأت عدة مرات، وبغاية الدقة «المختار من الشعر الأندلسي» للدكتور محمد رضوان الداية، و«الزهرة» للأصبهاني، و«السحر والشعر» للسان الدين بن الخطيب، و«الشعر العربي روائعه ومدخل لقراءته» للدكتور الطاهر أحمد مكي.


وحين يقع لي نص شعري يعجبني في جريدة أو كتاب أو مجلة، أصوّره، ثم أضعه مع أمثاله في ملف خاص، وأقرؤه مرة بعد مرة، ثم أتركه، ثم أعود إليه بعد زمن يطول أو يقصر، فأعكف عليه من جديد، وهكذا، حتى أشعر أني تشربته تماماً، وربما قرأت بعض هذه النصوص أكثر من عشرين مرة، وهو أمر فعلته مع «القوس العذراء» لشيخ العربية الكبير محمود محمد شاكر، أما قصيدة «أسعف فمي» للشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، فقد أعجبت بها جداً، ولعلي قرأتها مئة مرة أو أكثر، ولا أزال مشوقاً إليها.


ولقد كان لهذه الطريقة في اختيار النصوص الممتازة، وإدمان النظر فيها، وتشرّب معانيها وأساليبها وموسيقاها وصورها أثر كبير فِيّ.


***

س: من ينظر في تاريخ صدور مجموعتك الشعرية الأولى "من يطفئ الشمس؟" ثم "غداً نأتيك يا أقصى، فـ"عادت الخنساء"، ثم "قسماً لن أحيد"؛ يصنفك في نوابغ الشعراء، فما سبب ذلك؟


ج: أشكرك على هذا التصنيف، وعسى أن أكون مستحقاً له، وأوضح ذلك في إيجاز:

لقد كنت في العقد السابع من العمر حين بدأت نشر هذه المجموعات، وهو سن النضج والاكتمال، والشعر في دمي منذ صغري، وفي بداية العقد السادس من عمري أخلصت له غاية الإخلاص، حيث صار شاغلي الكبير، وأحياناً شاغلي الوحيد. وكنت أدمن النظر في دواوين الأربعة العظام: المتنبي، وشوقي، وبدوي الجبل، وعمر أبي ريشة، بشكل خاص، وسواهم من العظام بدرجة عادية.


وقد أكرمني الله عز وجل بإخوة كرام لهم خبرة عميقة بالشعر، -وأنت أحدهم- وكانوا في منتهى الصراحة معي رفضاً وقبولاً، وكنت بهم سعيداً جداً ولاأزال.


وقد ظللت أقرأ الشعر وأنظمه، ولكني لا أنشر منه شيئاً لعدم رضاي عن معظم ما أنظمه، ثم شغلتني عن الشعر صوارف كثيرة، من العمل، ومن القراءات الكثيرة المتنوعة، حتى إذا وصلت الخمسين وجدتني أعود للشعر بقوة، ووجدتني أبدأ بنشر ما أرضاه من القصائد، وقد أدى هذا التأخر إلى ضعف شهرتي شاعراً، وأدى إلى أني لم أندم على ما نشرت، لأني نجوت من تعجّل النشر الذي يعمد إليه بعض الشعراء ثم يندمون على ذلك، لأنهم بعد النضج لا يرضون عما تعجلوا نشره، وبعد الخمسين صار الشعر هاجسي الأكبر، وأحياناً الوحيد.

***


س: هل تفاضل بين مجموعاتك الشعرية الأربع؛ موضوعياً أو فنياً؟ ولماذا أعرضت عن المجموعات الصغيرة؛ فأصدرت الأعمال الكاملة قبل أن تكتمل؟


ج: إن المجموعات الشعرية الأربع عندي سواء، وأنا راضٍ عنها بل معتزٌ بها، وقد استقر ذلك عندي بعد مراجعة دقيقة لها، وقد شاركْتَني في هذه المراجعة ولك الشكر. وقد صدرت المجموعة الأولى بعنوان "من يطفئ الشمس؟"، والثانية بعنوان "غداً نأتيك يا أقصى"، والثالثة بعنوان "عادت لنا الخنساء"، والرابعة بعنوان "قسماً لن أحيد".


أما إصداري الجزء الأول من "ديوان حيدر الغدير"، فمرده دافعان؛ الأول: أني أحسست أن شعري قد استوى على سوقه، وتشكلت له خصائصه. والثاني: أني وجدت نفسي  في خريف العمر، فأردت أن أستبق الأجل، فعملت على إصدار الجزء الأول من "ديوان حيدر الغدير"، في عام (1436هـ/2015م)، وأكملت إعداد الجزء الثاني ولم أصدره بعد. وأنا الآن أعمل في إعداد الجزء الثالث، وقد تم إيراد قصائد المجموعات الأربع في الجزء الأول الذي صدر، والثاني الذي ينتظر.


وينبغي لي أن اذكر بالشكر الجزيل أن الأخوين الكريمين الأستاذ عبد الرزاق دياربكرلي، والدكتور أحمد البراء الأميري، قد كتبا مقدمتين ضافيتين بإحكام وإتقان، ويمكن أن توصف هاتان المقدمتان بأنهما مدخلان جيدان جداً لمعرفتي إنساناً وشاعراً.


***


س: كيف تنشأ القصيدة في داخلك؟ وهل تنقحها على مبدأ الحوليات؟


ج: أنا أحب النظم في الأحوال التي يفرغ فيها البال، ويعتدل المزاج، وتغيب الصوارف، وتطول الخلوة، وتجتمع الشوارد، وأغرق تماماً فيما أكتب، والقصيدة التي أضع لها اسمها في أعلاها وتاريخ نظمها ومكانه في أسفلها أكون قد رضيت عنها، وأجزتها، وإلا فإنها لا تزال تحت المراجعة لفترة تطول أو تقصر.


وقد أكتب قصيدة ثم أنصرف عنها وقتاً يطول أو يقصر، فإذا عدت إليها ورضيت عنها، أو عدلتها تعديلات طفيفة، فإني أضع لها تاريخها القديم، أما إذا كثرت التعديلات فإني أضع لها تاريخها الجديد.


وأنا اجتهدت في شعري بشكل عام طلباً للإتقان، لكنني في بعض الأحيان أفرغ منه سريعاً كأن القصيدة كانت مختزنة فيَّ بكاملها، وكأنها كانت تكتبني ولا أكتبها، وكأنها ماء في صنبور فتح فتدفق، وهذا ما حصل لي على سبيل المثال في قصيدتي «هوية»، وفي أحيان أخرى يطول بي الأمر فتأخذ القصيدة مني عدة شهور كما حصل لي على سبيل المثال في قصيدتي «صلاح الدين».


ومن أفضال اللَّه عز وجل عليَّ -وأفضاله لا تحصى- أني أستشير ثلة من كرام الإخوة فيما أودّ نشره، فأضعه بين أيديهم، وأنتظر آراءهم، وأعيد النظر فيه على ضوء هذه الآراء، وكانت الصراحة هي قانون التعامل، وكنت أفرح بنقدهم مهما كان، انتقاصاً أم ثناءً، وربما طويت القصيدة جملة وتفصيلاً إذا اقتنعت بما بيّنوا لي فيها من عيوب، لقد كانت لهؤلاء الإخوة أيادٍ بيضاءُ على شعري، وكان صدري يرحب بملاحظاتهم أجمل ترحيب، وكانوا يعرفون مني ذلك ويشكرونني عليه، وأبرز من كانوا يصوِّبون لي شعري ويقوِّمونه: الدكتور عبد الباسط بدر –رحمه الله-، والدكتور أحمد البراء الأميري، والأستاذ صدقي البيك، والأستاذ شمس الدين درمش، والأستاذ عبد الرزاق دياربكرلي؛ وكان أجرأَ الجميع عليَّ، وربما مزق القصيدة التي بين يديه لضعفها، فكنت أبتسم وأشكره، وربما استجبت لرأيه وألغيت القصيدة، جزاهم اللَّه عني خير الجزاء، فقد كانوا عوناً في ارتقاء شعري.

***


س: لك رحلات كثيرة في بلدان قريبة وبعيدة أثرت في شعرك ونثرك؛ ما أبرز تلك الآثار فيما يمكن تسميته أدب الرحلات؟


ج: أنا مولع بالتاريخ مكاناً وزماناً؛ ولذلك كانت سياحاتي ذات حس تاريخي عميق، فهي سياحات للراحة والاستجمام، ولكنها قبل ذلك سياحات ثقافية وتاريخية، وحين كنت أقف في هذه السياحة أو تلك على موقع عنيت بأمره؛ كنت أقف متأملاً متذكراً باحثاً عن العبرة، فأطيل الوقوف جداً، والموقع الذي يزوره سواي في ساعة أزوره في ساعات، وقد أعود إليه لا مرة، بل مرات، ويصدق ذلك على ما زرته فعلًا، وعلى ما تمنيت أن أزوره.


وقد وضع ذلك بصماته على شعري، في قصائد أعتز بها، في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهما أعظم مدينتين في الدنيا، وهما بمكانتهما الدينية وشموخهما الدائم؛ موئل أشواق المسلمين أجمعين في الدنيا كلها، تتجاوز قيمتهما كل شيء، فيهما عظمة الزمان والمكان، والآثار الممتدة في نشر الهداية في الدنيا كلها؛ كانتا ولا تزالان.


فمن قصائدي التي نتجت عن سياحاتي المكانية قصيدتي في مكة المكرمة؛ بعنوان "هي الكعبة الزهراء"، وقد أهديتها للشاعر العبقري الكبير بدوي الجبل، وحاكيت فيها قصيدته الرائعة "الكعبة الزهراء"، والتزمت القافية والوزن على غرار ما فعل. وقصيدة بدوي الجبل تشهد له بالصدق، والإيمان، والاعتزاز بالإسلام، وقد قرأتها مرات كثيرة، وبكيت في عدة مواضع منها، إنها من درر شعره، بل من درر الشعر العربي عامة.


ومثل ذلك يقال عن قصيدتي الأخرى في مكة المكرمة، "حللت على نعماك"، ويقال أيضاً في قصيدة "طبت داراً"، التي تشرفت بإهدائها إلى المدينة المنورة، عاصمة الدولة الإسلامية الأولى، ومنطلق الفتوح إلى الدنيا، وقصيدة "أبا الزهراء" التي كتبتها في الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، حين تجرأ عليه السفهاء والجهلة.


وقصيدة "رسالة إلى المعتصم" بطل معركة عمورية التي ثأر فيها للمرأة الهاشمية التي لطمها علج وضيع، فاستغاثت به، وأكرمه الله بالنصر المبين.


وقصيدة "أيا صوفيا" التي دارت في خاطري وأنا أتجول في هذا المبنى العريق، الذي جعله محمد الفاتح مسجداً عامراً، لكن أتاتورك جعله متحفاً، وخيل إليَّ أن كل مكان فيه يحن إلى الأذان.


أما قصيدة "حكايات عمرو" فقد كتبتها في مصر، لأنها أعظم بلد كسبه الإسلام بعد الجزيرة العربية، وقد اخترت لها اسمها؛ لأن عمرو بن العاص العبقري الداهية المسدد؛ الذي اختاره الخليفة الثاني الأكثر عبقرية وسداداً. فالمجد والثناء لمن اختار، والمجد والثناء لمن وقع عليه الاختيار. وعمرو فاتح مصر عظيم، وهي عظيمة.


أما قصيدة "الكهف والزيتونة"؛ فقد كتبتها بعد أن زرت زيارة تأمل واعتبار موقع أهل الكهف في الأردن، وأنا أتذكر ما قاله القرآن الكريم عن قصة هؤلاء الفتية الذين آمنوا.


وقصيدة "صلاح الدين" كتبتها في البطل النادر نصراً وأخلاقاً صلاح الدين الأيوبي، وأذكر أنها أخذت مني مدة شهور مرهقة جداً، وجميلة جداً، حتى رضيت عنها. وشاركني في هذا الجهد الطويل، والسعادة الغامرة أخي الصبور القوي الأمين "شمس الدين درمش"، إذ كان يطبع ويوافق ويخالف، ويقترح ويعبر؛ حتى  جاءت القصيدة باهرة ناضرة.


أما قصيدة "اليقين لا السفين"، فقد اختزنت في خلدي وقتاً طويلاً بعد أن زرت جبل طارق ومضيقه عدة مرات، ثم وقع في خاطري أن السفين كان عدة قوية لدى طارق بن زياد؛ لكنه وجد اليقين عدة أقوى، فحرق السفين.. وبذلك اختار الفاضل على المفضول، وغلَّب اليقين على السفين، فأكرمه الله بالنصر المبين.


وقصيدة "أشواق أندلسية" لها مقدمة تروى، وهي أني كنت في حمراء غرناطة، برفقة أخي الصفي الوفي محمد المكي الوزاني الحسني، وهو من أبناء تطوان،  المشهورين المعدودين.


وجاء وقت صلاة الظهر أو العصر، فوجدت شباباً مغاربة بملابسهم المغربية الجميلة المميزة؛ يقوم أحدهم فيؤذن، ويؤدي الجميع الصلاة بخشوع، فخُيِّل إليَّ أن غرناطة والأندلس كلها تشتاق إلى عودة الإسلام إليها، وتداعى التاريخ إليَّ بمآسيه ومفاخره، فجاءت القصيدة، ولعلها من أحسن شعري.


وفي ضاحية من ضواحي غرناطة تسمى "حسرة العربي"؛ وقف أبو عبدالله الصغير آخر ملوك غرناطة بعد أن سلم المدينة للغالبَيْن الإسبانيين فرديناند وإيزابيلّا، ومضى مهاجراً إلى المغرب؛ وقف على هذا التل المرتفع، وألقى نظرة الوداع على مدينته، وبكى. فقالت له أمه الرزان الحصان "عائشة": ابك كالنساء ملكاً لم تحافظ عليه كالرجال. وقفت على هذا التل عدة مرات، وبكيت، ثم وفقني الله عز وجل إلى كتابة قصيدة قصيرة محكمة عن عائشة وابنها سميتها "حسرة العربي".


وما قلته في الأندلس شعراً يماثله ما قلته نثراً، في ست مقالات جياد، هن: صلاة في الحمراء، والمسجد المحزون، وصخور وعزائم، ولعينيك يارندة، ورعب في قلب مدريد، وأندلسيات حسناوات جدًّا، ولي مقالة عن ماليزيا بعنوان "ليلة لا تنسى"، و"حكاية الفلفل" في لكنو بالهند، و"أربعون صلاة" في المدينة المنورة، وغيرها. 


أما قصائدي التي سافرت فيها عبر الزمان فهي عديدة، ولا تقل أهمية عن تلك التي كتبتها في أسفاري ورحلاتي المكانية، ومنها قصيدتي "بشراك يا خالد"؛ فقد التقى في نسيج واحد: ما قرأته عن الفاتح العظيم "خالد بن الوليد" الطويلة، مع زيارتي لقبره الطاهر في حمص، ومع وقوفي على موقع معركة اليرموك في الأردن، وأشعر أن الله عز وجل منَّ عليَّ فيها بالتوفيق.


وقصيدة "الطاهرة" التي كتبتها في أمنا الصديقة بنت الصديق التي برأها الله عز وجل، في آيات تتلى إلى آخر الدهر، ففيها حشود متآخية من التاريخ والجغرافيا، وروعة الإيمان، وخمود النيران، وبطولة سعد بن أبي وقاص؛ الذي كسر دولة الأكاسرة، وأطفأ نار مجوسهم، وحررهم من غباء عقولهم فاهتدوا إلى الإسلام مختارين.


ومن أجود قصائدي ذات العبق التاريخي قصيدة "عماد الدين زنكي"، وهو أول أبطال الأمة الذين عملوا على إجلاء الصليبيين من ديار المسلمين، كان ديِّناً صيِّناً كتوماً، صاحب قرار ومفاجأة، وقد حاصر الرها، وهي مدينة تقع جنوب شرق تركيا، وكان الصليبيون قد جعلوها إمارة مميزة من إماراتهم في ديار المسلمين، وأحكم الحصار في خطة جريئة حاسمة، حتى استسلمت المدينة له. وكان فرح المسلمين كبيراً جداً، فقد انكسرت فيهم هيبة المحتل الصليبي، وعظم لديهم الأمل في استرداد بقية الإمارات، وهذا ما تم من بعده.


وكنت قد قرأت عن عماد الدين زنكي من قديم ما بهرني، لكن الأستاذ شمس الدين درمش زودني بمواد ثمينة عنه، فازددت انبهاراً، ولعله فعل ذلك بحمية القربى بعد حمية الدين؛ لأن العماد تركماني، وشمس الدين تركماني أيضاً، وهذا من التعصب المحمود!..


ولي أن أشيد على عجل بقصائد تاريخية أخرى، مثل "محمد الفاتح"، و"أمتي"، و"هذي الديار"، و"جلنار"، و"هوية"، و"حلم موسى"، و"موئل"، و"في بلاط السيف"، و"راعي جمال"؛ والمقصود به المعتمد بن عباد، ذلك أن ملوك الطوائف في الأندلس فكروا في دعوة يوسف بن تاشفين، أمير دولة المرابطين في المغرب لنجدتهم، خوفاً من ألفونسو السادس، الذي ضم طليطلة إلى مملكته، وطمع في سواها، وتخوف بعضهم من أن يوسف بن تاشفين، وكان في أوج قوته، قد يعجب بممالكهم فيضمها إلى دولته، فقال لهم المعتمد ملك إشبيلية جملته الخالدة: "أكون راعي جمال عند يوسف؛ ولا أكون راعي خنازير عند ألفونسو". وجاء يوسف مسعفاً محتسباً، وكانت معركة الزلاقة، وانتصر المسلمون انتصاراً رائعاً، ويومها كان المعتمد من الشجعان المستقتلين.


وقصيدة "تركنا الحساب ليوم الحساب"، وهي الجملة العبقرية البليغة التي قالتها زبيدة زوجة هارون الرشيد للمسؤول المالي عن الإنفاق على المشروعين النادرين اللذين كلفته بهما، وهما "عين زبيدة"، و"طريق زبيدة"؛ لما جاءها بسجلات الإنفاق، وهي كثيرة، وكانت على شاطئ دجلة في بغداد، فألقت بهما في النهر، وقالت ما قالت طلباً لرضا الله لا للثناء. وغيرها من القصائد.


وأنا لا أستقصي كل القصائد والتداعيات التاريخية التي جاءت في شعري فهي كثيره جداً، جملة وتفصيلاً، وإيماناً وبطولة، وزهداً وكرماً، وأسماء أمكنة وأزمنة، وعبارات موجزة خالدة دخلت التاريخ، ولاتزال لها جدتها ونضارتها.


إنني مولع جدًّا بالتاريخ الإسلامي، أدمنت النظر فيه، وتشربته روحي وعقلي، وجناني وبياني، فلا غرابة أن يظل في شعري، وأنا بذلك سعيد. وأنا كنت ولاأزال أقول: إن تاريخنا لا يخلو من أخطائنا، المسلمون بشر يخطئون ويصيبون، ولكنه في مجمله أشرف تاريخ في الدنيا على الإطلاق، ولا فخر!.


فمن غرر شعري قصيدتي التي كتبتها عن مكة المكرمة بعنوان "حللت على نعماك" أقول فيها:


ستبقين يا أم القرى الأمن للورى = ونورَ هداهمْ بين داجي الغياهب

تزول حضارات وتفنى مبادئ = ويهلك طاغ إثر عاد وغاصب

ومثرٍ كثير المال في إثر معدم = وراض وهان إثر قال وغاضب

وتبقين بعد الكل شامخة الذرا = يفيء إليك الناس من كل جانب

وتبقين للإسلام دوماً حصونه = مدى الدهر ما حنّ اليراع لكاتب

أيا مكتي تحميك ما عشت أمتي = بأرواحها قبل القنا والكتائب


(غداً نأتيك يا أقصى)


ومن شعري في المدينة المنورة من قصيدة بعنوان "جل المتاب":

غنيت في حبها أحلى أنا شيدي = وأزهرت كالربا فيها أغاريدي

أتيتها خطوتي قلبي وباصرتي = وفرحتي فرحة الأطفال في العيد

يا فرحتي حينما عاينت روضتها = تختال في بردة الإيمان والجود

الناس فيها من النعماء كوكبة = تدور ما بين تهليل وتمجيد


 ((دخلتها وحواشيها زمردة)) = والبشر يسبق والحسنى مواعيدي

أشتارها وهي تدنو لي مواتية = كأنها زهرة في كفّ أملود

حتى رجعت وموجودي يزاحمه = ما كان من قبل مأمولي ومفقودي

جل المتاب وجل الله قابله = وجل منه عطاء غير محدود

أبدلت بالخوف أمناً والأسى فرحاً = والعسر يسراً إذ الرحمن مقصودي

حتى الخطايا التي ناءت بكلكلها = عليّ مثل أفاع فوق مزؤود

غدون بالعفو إحساناً وتكرمة = فهن أوسمة للفوز في جيدي

وأغرقتني هبات الله ضافية = بواسع من كريم الجود ممدود

وانهلّ فيّ جداها مثل غادية  = تحبو نداها لمحروب ومجدود

حتى رأيت وعفو الله يغمرني = آلاءه البيض في آثاميَ السود


(من يطفئ الشمس؟).


ومن غرر شعري عن الأندلس قصيدة عنوانها: "أشواق أندلسية"، أذكر فيها القائد البطل عبد الرحمن الغافقي، فأقول:


والغافقي على البلا = ط كأنه شم الرعان 

يجتاحه الهول المدمَّى = وهو غابة سنديان 

والموت يزحف وهو يهـ = ـتف إن لي قصب الرهان 

الهول دربي بيد أني = والشهادة عاشقان 

سأموت صقراً لم تلو= ث جفنَه سنةُ الهوان 

ومضى عليه عناده = وجلاله والعنفوان 

حتى تكلل بالشها = دة وهو محبور الجنان 

فحياته ومماته = للمكرمات قلادتان


 (غداً نأتيك يا أقصى)

***

(يتبع) 

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب