الأسُودُ لا تغدر!..
كتب  حمدي عمارة ▪ بتاريخ 09/11/2021 13:44 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 118

 

   شُفِي الذئب من مرضه، ووقف أمام جحره.. كان وقت الغروب، والشفق الأحمر يلوّن الأفق.. تلفت من حوله، ولسان حاله يهتف فى لهفة ولوعة:                                              

-        كم أشتاق للغدر!.. لقد منعني المرض اللعين أيامًا عديدة.. أكاد أُجَنّ!.. إلى أين أذهب؟، وبمن أغدر؟!.. 

   علته الدهشة، إذ سمع صوت صياح وبكاء:

-       رائع!.. لكم يطربني الصياح! والصراخ يدغدغ مشاعري.. ولكن من أين يأتي؟!

   ألقى بسمعه ناحية الصوت، واقترب:

-       إنه يأتي من بيت الغزال.. فُـرِجت!.. تـُرى ما الخطب؟!.. سأعرف حالًا..

   وما لبث أن هرول، واعتلى بيت الغزال.. فتش من حوله، فعثر غلى فتحة في السقف.. أطل منها على الغزالة الأم وصغارها الأربعة، وقد بدا عليهم الخوف والذعر.. وراح ينصت للحوار، حيث قال أحد الصغار من بين نحيبه: 

ـ يا ويلنا.. خطف الأسد غزالًا، وغدا يخطف آخر.. ماذا نفعل يا أمي؟!

ـ لا تخف يا صغيري.. غدا أسلم له نفسي..

ـ لا يا أمي.. بل أنا..

ـ لا لا.. بل أنا..

   عجباً!، كل يضحي بنفسه من أجل الآخرين!، وعندئذ يعترض الغزال الصغير قائلا بذكاء:

ـ هكذا سيأكلنا جميعًا..    

ـ فعلًا.. وماذا ترى؟

ـ لن نستسلم.. ودعونى أفكر فى خطة تنقذنا من الهلاك..

   وشرد الغزال الصغير يفكر، وإخوته ينظرون إليه، وأعينهم تتألق بالأمل والرغبة فى الحياة.. ويستحثه الذئب قائلًا في نفسه:

ـ " هيا أيها الصغير الذكي! "..

   وفجأة، يهتف الغزال الصغير:

ـ وجدتها!.. اسمعوني جيدًا: تعرفون أنّ الأسد يصحو متأخرًا..

   وتعلق الأم:

ـ بالطبع، لأنه ينام متأخرًا..

   ويضيف غزال:

ـ ويأتي إلينا بعد الظهر لكي يتغدى بأحدنا..

ـ تمام.. المسألة محلولة.. علينا أن نختبئ حتى العصر، وحين يأتي لن يجد أحدًا، ويومًا بعد يوم، سيعتقد بأننا هربنا من الغابة، فيبحث عن غيرنا.. ما رأيكم؟..

   ويهتف الجميع في إعجاب وقد تهللت أساريرهم:

ـ فكرة رائعة!.. وأين نختبئ ؟..

ـ في حشائش السفانـا الطويلة..

   لم يضيع الذئب الوقت، وسرعان ما وثب من فوق السطح، وأطلق ساقيه للريح إلى حيث عرين الأسد:

ـ فلأبلغ الأسد، والبقية تأتي.. يا لسعادتي!.. هـا هـا هـا هـا!..

   احتفى الأسد بالذئب، وقام الغزال المختطف بواجب الضيافة، وانتهز الذئب فرصة دخول الغزال وانشغاله، وأنبأه بحوار الغزلان، وخطة الغزال الصغير، ليعلق الأسد:

ـ لو صحّ قولك سأعتبرك صديقي..

ـ فقط يا مولاي؟..

ـ أعز أصدقائي..

ـ فقط يا مولاي..

ـ ها ها ها!.. سأعينك وزيرًا..

ـ فقط يا مولاي؟..

ـ أيها.. الطماع ماذا تريد أكثر من ذلك؟!

ـ إنني أطمع في كرمك يا مولاي.. ألا أستحق أن أكون نائبك؟..         

   وعندئذ زمجر الأسد، بينما انقلبت سحنته:

ـ ماذا؟!.. هرررررررر!

   فزع الذئب، وكاد أن يُغشى عليه، ليستدرك:

ـ ولأبنائك بعد العمر الطويل المديد..

ـ ها ها ها.. موافقون.. على أن تظل على وفائك، وإلا..

ـ أعرف الباقي يا مولاي..

   وانحنى الذئب على الأسد هامسًا: ألم تأكل الغزال بعد يا مولاي؟

ـ سأتركه حتى يكبر ويسمن.. ثم.. هَمْ هَمْ هَمْ هَمْ.. ها ها ها!.. ها ها ها!

ـ موعدنا صباح الغد يا مولاي..

ـ وهو كذلك عزيري النائب. ها ها ها!..

   وما أن أصبح الذئب خارج العرين، تقافز في فرحة:

ـ اليوم نائبن وغدًا ملك الغابة.. لم لا؟.. ها ها ها ها ها ها!..

   وفي الصباح المبكر انطلق الغزال، إلى حيث منطقة السفانا المتطرفة، وطلبت الأم من صغارها أن يلتزموا الهدوء، ولا يأتوا بأي صوت أو حركة.. وفي الوقت نفسه، كان الذئب يتقدم الأسد، إلى حيث تختبئ الغزالة وصغارها. ومن فوق التل أشار الذئب ناحيتهم: هاهم يامولاي مختبئون في حشائش السفانا كما أخبرتك..

ـ شكرًا نائبي الوفي.. كنت سأخطف الأم لأنها سمينة، ولكني سأخطف الصغير صاحب الفكرة..

   وما لبث أن قفز الأسد ناحية الغزال الصغير:

ـ زئي ي ي ي ي ر ر ر ر ر!..

   ولكن ابتعد الغزال في الوقت المناسب، فسقط الأسد في الشوك، وما لبث أن أطلق صرخة دوّت في المكان.. تعجب الذئب، وسرعان ما انطلق نحو الأسد.. اقترب منه متسائلًا في استغراب: ماذا أصابك يا مولاي؟!

ـ لقد أفلت الغزال الصغير من بين مخالبي؛ فوقعتُ على الشوك؛ فانغرس في يديَّ ورجليّ.. آه.. آه!.. آه!

ـ الدم ينزف من الجروح يا مولاي!

ـ وماذ تنتظر ؟!.. هيا أوقف النزيف.. تحرك.. لماذا تسمرت هكذا؟!

   عندئذ حدث الذئب نفسه:

ـ الجروح عميقة، وسينزف الدم حتى يموت.. إنها فرصتي.. أتظل الأسود تحكم إلى الأبد؟.. لم لا تحكم الذئاب؟.. سيموت الأسد، وأصبح ملك الغابة..

   ويبتعد الذئب، ليهتف الأسد في ذهول: إلى أين أيها النائب؟!

ـ نلتقي في الآخرة يا عزيزي.. ها ها ها!..

ـ أيها الغادر المخادع.. الويل لك.. آه.. آه!..

   وتفاجئ الأم صغارها قائلة: يجب أن ننقذ مولانا الأسد!..

ـ ماذا تقولين يا أمي؟!.. إنه..

ـ ولا كلمة.. إنه في محنة ويجب مساعدته..

   وبالفعل تقدمت الأم وأنقذت الأسد، الذي قال معبّرًا:

ـ لقد فعلت خيرًا أيتها الغزالة الطيبة.. ولذا، لك عندي مفاجأة لا تحلمين بها..

   وصاحبت الغزالة الأم الأسد، وبدأ الصغار يتحاورون:

ـ أمنا تسير بجانب الأسد غير خائفة.. لا بد أنه سيكافئها..

ـ لا، بل سيغدر بها..

   ويتدخل الغزال الصغير قائلًا:

ـ الأسود لا تعرف الغدر..

   وقدم الأسد للأم أغلى وأعظم مكافأة:

ـ صغيري!.. لا أصدق عيني!..

ـ من الآن، أنت وصغارك في أمان..

   ثم رفع صوته:

ـ رئيس الحرس!!.. عليك بالقبض على الذئب الغدار..

ـ سمعًا وطاعة يا مولاي..

    كان الذئب وراء القضبان، حين قال:

ـ مرة تخيب، ومرة تصيب..

   ويردّ عليه بوبي.. رئيس الحرس:

ـ أضغاث أحلام.. هاو هاو هاو!..

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب