زيارة عائلية إلى المدينة النبوية (6/5)
كتب  شمس الدين درمش ▪ بتاريخ 09/11/2021 13:47 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 118

 

(يوم الاثنين 5/5/1431هـ)

إلى جبل أُحُدٍ.. يحبنا.. ونحبه

تناولت العائلة طعام الإفطار، ثم توجهت إلى السيارة.. فقال أبو أسامة: إلى أين ذاهبون أيها المسافرون؟!

قال أسامة: إلى أُحُد.. إلى أُحُد، أُحُدٌ نحبه، وَهْوَ قد أحبنا

أحد نحبه                   وهو قد أحبنا

في ثرى ميدانه              كم شهيد دفنا

ولحن المنشد أسامة المقطع والفرقة تردد:

أحد نحبه            وهو قد أحبنا

في ثرى ميدانه       كم شهيد دفنا

 

المرور بثنية الوداع

ولكنّ أبا أسامة بدلا من التوجه إلى جبل أحد مباشرة أخذ طريقا آخر ودار من حول المسجد النبوي، وكأنه قادم من قباء، فدخل بهم نفقا طويلا وصار يقول: انتبهوا انتبهوا!! سنمر بنقطة مهمة جدا ومشهورة. على فرقة الإنشاد أن تكون جاهزة، في نهاية النفق على اليمين ثنية الوداع التي استقبل فيها أهل المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه وهم عائدون من غزوة تبوك..

ومع نهاية النفق قال: هيا لتبدأ فرقة الإنشاد:

 طلع البدر علينا  من ثنيات الوداع

وبسرور ونشاط بدأ الإنشاد، وقرؤوا اللوحة التي تشير إلى شارع سيد الشهداء باتجاه جبل أحد وعلى يمينهم المسجد النبوي..

 ومع اقترابهم من أحد أكثر صاروا يعيدون نشيد:

أحد نحبه             وهو قد أحبنا

في ثرى ميدانه        كم شهيد دفنا

في زيارة سيد الشهداء حمزة..

أوقف أبو أسامة السيارة في مواقف السيارات، وترجل الجميع وساروا من بين جموع الباعة والزائرين الذين يملؤون الساحة البلدية المنظمة أمام مقبرة شهداء أحد.

 أرض مربعة، يحيط بها سور مرتفع يعلوه حاجز زجاجي، يسمح برؤية داخل مقبرة الشهداء، في وسط المقبرة بعض القبور المتميزة، قال أسامة:

- أين قبور الشهداء يا أبي؟

قال أبو أسامة: داخل هذا السور يا أسامة، بمرور الزمن اندثرت القبور ولصقت بالأرض تماما بتأثير الأمطار والرياح، والحر والبرد. ولكن هناك في الوسط أبقوا ما يدل على قبر حمزة - رضي الله عنه- سيد الشهداء، وقبر مصعب بن عمير الذي كان أول معلم  يعلم الإسلام ويدعو إليه في المدينة - رضي الله عنهم وأرضاهم.

لقد كانت معركة أحد شديدة على المسلمين فاستشهد منهم سبعون صحابيا، وجرح الكثير، وجرح رسول الله صلى الله عليه وسلم.

توجد أمام مقبرة الشهداء لوحات إرشادية كبيرة بعدة لغات تعلم آداب زيارة القبور، والدعاء لهم، وتحذر من البدع.

قال سعد: بعض اللوحات يا أبي مكتوبة بحروف عربية لكن لم أعرف قراءتها، لماذا؟

قال أبو أسامة: هذه اللوحات يا سعد مكتوبة باللغة الأردية التي يتكلم بها الباكستانيون وبعض الهنود المسلمين خاصة، وبالفارسية التي يتكلم بها الإيرانيون.. وقسم من سكان أفغانستان . وكانت التركية أيضا تكتب بالحروف العربية زمن الدولة العثمانية. الشعوب الإسلامية كانت تكتب لغاتها بالحروف العربية!! لأن العربية لغة الإسلام، لغة القرآن الكريم، ولغة النبي صلى الله عليه وسلم.

 أما اللوحات الأخرى فمنها بالإنكليزية، ومنها بالفرنسية، وتلك اللوحة التي تبدو حروفها كأنها تحت السطر هي اللغة البنغالية، انظروا، هنا يأتي مسلمون من كل بقاع الأرض! فلا بد من إرشادات باللغات المنتشرة بين المسلمين.

كانت مكبرات الصوت أيضا تبث إرشادات ونصائح باللغة العربية من مكتب الإرشاد والتوجيه القريب من موقع مقبرة الشهداء.

عربات الباعة ممتلئة بأنواع التمور، وبالألعاب والملابس وغيرها، ولكنها غير منتظمة في صفوف رغم أن البلدية عملت أرصفة منظمة لتسهيل الحركة على الزوار والباعة.

جبل الرماة والمفاجآت

توجهت العائلة نحو الجبل الذي تقف عليه مجموعات من الناس، وآخرون في صعود ونزول.

قال أبو أسامة: هذا جبل الرماة.. وهما جبلان، أحدهما صغير والآخر أعلى منه، وهذا الجبلان جبل واحد يسمى جبل عينين. فوق هذا الجبل وضع الرسول صلى الله عليه وسلم الرماة ليحموا ظهورهم من هجمة المشركين، ولكنهم عندما رأوا أن المسلمين انتصروا نزل أكثرهم من فوق الجبل ولم يبق إلا عشرة، فانتبه فرسان المشركين لذلك، وباغتوا المسلمين من الخلف، فاستشهد الرماة العشرة، ووقعت الهزيمة بالمسلمين..

لحظ أبو أسامة حركة غير عادية، وأن الناس ينظرون خلفه نحو الجبل الآخر، وإذا أسامة وسعد وحسين قد صعدوا الجبل، وأخذ كل واحد بيده قوسا وسهما، وعلق بجانبه سيفا، وأسامة يطلب من الناس الابتعاد قليلا مشيرا بيديه، وهو يخطب بصوت مرتفع:

أيها المسلمون! أيها المجاهدون! أيها الرماة! هذا يومكم لتحموا ظهور المسلمين من هجمة المشركين.. الزموا ما أمركم به رسول الله.. لا تغادروا موقعكم، لقد وعدكم الله بإحدى الحسنيين؛ النصر أو الشهادة، هاهم المشركون ينهزمون.. الله أكبر، الله أكبر...

 أيها الرماة لا تغادروا الجبل، والزموا مواقعكم كما أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحذروا أن يغدر بنا المشركون من خلف الجبل.

 أيها الرماة.. أيها الرماة...

كان أبو أسامة وأمه وأخته وآخرون ينظرون بدهشة! فاجتمع كثير من الزوار أمام الجبل، وانضم إلى أسامة وأخويه بعض الأولاد الذين أشار إليهم أسامة بالصعود فوق الجبل.

 كانوا يراقبون حركات أسامة ونداءاته وهو ينزل ويصعد، ويعيد ويكرر مشجعا ومحذرا، وبدأ يصرخ:

 المشركين.. المشركين، ارموهم بالنبال أيها الرماة، لا يصلوا إلى رسول الله..!

وصار أسامة والأولاد الآخرون الذين انضموا إليهم يمثلون رمي النبال بالأقواس التي وزعها عليهم أسامة، ويرفعون السيوف يلوحون بها في الهواء، ويطلقون هتافات التكبير!

 وبينما هم في هذه الحركة نزل سعد من الجبل نحو أمه وعلى وجهه دم أحمر يسيل على صدره، ويلون ثوبه وهو ينادي: الجريح.. الجريح.. ساعدوني ، أنقذوني..!

 وكانت أخته نسيبة متقدمة عن أمها والنساء قليلا، فإذا بها تسرع نحو أخيها سعد، وتفتح حقيبتها، وتخرج منها مناديل تمسح رأس سعد وثوبه، ثم تشد الشاش الأبيض على رأسه وتربطه، وتزوده بقوارير صغيرة من الماء وهي تقول:

هيا يا أخي.. هيا.. نصركم الله، دافعوا عن رسول الله .. وأخرجت خنجرا ولوحت به وهي تقول: لن يخلصوا إلى رسول الله وأنا أعيش!.

 وقام سعد راجعا إلى الجبل وهو ينادي: شكرا لك يا أم عمارة، جزاك الله خيرا!.

 وكانت الأنظار اتجهت إلى سعد الجريح ونسيبة، وقد بلغت الدهشة والإعجاب بما يحدث غايته.. فلم تملك أم أسامة دموعها، وبكت عدد من النساء وقد تذكرن الصحابيات اللاتي قاتلن في غزوة أحد، وساعدن الجرحى وجيش المسلمين بالماء والطعام، وتقدمت عجوز إلى نسيبة تقبلها وتضمها إلى صدرها، وهي تبكي، وتدعو...

زادت الجموع المحتشدة وأقبلت سيارة شرطة، وخرج الموظفون في المركز الإرشادي وتقدموا إلى المكان ليشاهدوا ماذا يحدث!!

في البداية كان كل واحد يظن وقوع شجار بين بعض الناس، أو سقوط أحدهم من الجبل، وخاصة الشرطة الذين طلبوا بمكبر الصوت من الواقفين أن يبتعدوا عن حافة الجبل إلى الوراء.

نشيد: صلى الله على محمد

كانت مهمة أسامة انتهت فوق الجبل الكبير، ونزل مع رفاقه إلى الجبل الأصغر وهم يحملون الأقواس والسيوف ويلوحون بها، فجعلهم صفا واحدا وبدأ ينشد: يا تلاميذ محمد..

صلى الله على محمد        صلى الله عليه وسلم

حطموا ظلم الليالي          واسبقوا ركب المعالي

وابذلوا كل الغوالي           وارفعوا دين محمد

صلى الله على محمد        صلى الله عليه وسلم

وهكذا حتى انتهوا من الإنشاد.

عندما رأى الشرطة ورجال المركز ذلك وقفوا يشاهدون ويستمعون إلى النشيد الرائع بأصوات الأطفال والشباب الصغار الذين زاد عددهم مع وقع النشيد وجاذبيته، كانت الهواتف المحمولة تلتقط عشرات الصور..، ورفع الجميع أيديهم فوق الجبل هاتفين: الله أكبر الله أكبر.. إشارة إلى انتهاء النشيد والمسرحية.

 رفع الضابط يده وقال: لا تنزلوا أيها الأبطال.. نحن سنصعد إليكم..

صعد بعض رجال الشرطة وموظفي مركز الإرشاد على الجبل الصغير، وسلموا على أسامة وإخوته والمشاركين معه في مسرحية جبل الرماة والإنشاد، وشكروهم.. والتقطت لهم صور أخرى.

 وفي أسفل الجبل عرف رئيس المركز والد أسامة فشكره وهنأه بأبنائه ودعا لهم بالتوفيق. وتفرق الناس وهم يهزون رؤوسهم، ويقلبون أيديهم دهشة وإعجابا.

جلسة محاسبة في حديقة النخيل

توجهت العائلة إلى السيارة بعد ذلك التجمع والحماسة والإثارة التي أحدثتها مسرحية جبل الرماة التي فاجأ بها أسامة وإخوته أباه وأمه قبل الناس.

 كان والد أسامة يمشي أمامهم، ركبوا السيارة، ومن دون أن يسأل أبو أسامة كعادته إلى أين يريدون الذهاب، انطلق بهم والهدوء يلف الجميع وكأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة، وشعروا أنهم بحاجة إلى الراحة..

كان أسامة وسعد وحسين ونسيبة بحاجة للاستراحة بعد الانفعال بالمسرحية، وهول الموقف الذي جمع عددا من الناس لم يتوقعوه أبدا، وكانوا هم أنفسهم في مفاجأة، وكادوا أن يخفقوا حينما جاءت الشرطة خاصة، لكن التشجيع ومشاركة عدد من الأطفال الموجودين في المكان أعطاهم ثباتا.. كان شعورهم مثل شخص استيقظ من حلم.. نظر أسامة إلى أخته نسيبة واستعاد موقفها الشجاع عندما تقدمت على النساء الواقفات، وأسعفت أخاها الجريح في المعركة، ولفت الشاش على رأسه وزودته بالماء، وهي تحمل الخنجر وتقول: أنا أم عمارة، الله أكبر..

فقال في نفسه: رائعة، رائعة أنت يا نسيبة.. يا أم عمارة!.

أبو أسامة ساكت يسير بالسيارة على الطريق الدائري الشمالي، وفي تقاطع طريق تبوك مع طريق الجامعة توجه إلى حديقة واسعة، بديعة التنظيم، كثيرة الأشجار، ومن دون أن يسألوا قرؤوا لوحة كبيرة كتب عليها: أمانة المدينة المنورة.. حديقة النخيل.

استقروا في مكان مناسب من الحديقة، عشب أخضر كثيف، وشجرة كبيرة تظلل العشب، وقريبا منهم نافورة تدفع الماء إلى الأعلى في تموجات متوالية، مكان مناسب للاستراحة وتناول الغداء..

قال أبو أسامة: هاتوا ما عندكم من قهوة أو شاي، نعناع المدينة أحسن! هاتوا نعناع المدينة.

جلسوا في حلقة مغلقة، وبدأت نسيبة تصب الشاي بنعناع المدينة.. وقام حسين فوزع الشاي على أبيه وأمه وإخوته.

ارتشف أبو أسامة الشاي، وقال: يا أسامة أريد أن أسألك، وأريد جوابا واضحا وصريحا ومباشرا، ومن دون لف ولا دوران!.

بدا أبو أسامة في سؤاله كأنه غاضب!

قال أسامة: اسأل يا أبي وأنا بأمرك.

قال أبو أسامة: كيف فعلت هذا؟ ومتى هيّأت نفسك، ومتى اشتريتم الأقواس والسيوف؟ ولماذا لم تخبرونا؟!

قال أسامة: تعلم - يا أبي- أني أشارك في أنشطة المدرسة دائما، وكنت أفكر بهذا منذ عملنا هذه المسرحية في المدرسة، كنت دائما أتصور أني أعيدها على جبل الرماة نفسه!. وعندما أخبرتنا أننا سنزور المدينة في عطلة الربيع عزمت على ذلك واتفقت مع سعد وحسين ونسيبة. وعملنا تجارب عديدة في البيت في الرياض، وفي السكن في المدينة، واشترينا أمس في الليل بعد المغرب الأقواس والسيوف من محل الألعاب بنقود جوائز المسابقة في الطريق، فأخذت عشر أقواس، وعشرة سيوف، وخنجرا لأم عمارة (ونظر إلى نسيبة)! وتدربنا في الليلة الماضية أيضا، والحمد لله الذي وفقنا.. ولكن هل أنت غاضب يا أبي!؟

قال أبو أسامة: نعم، أنا غاضب!.

وقام واقفا، ووقف الجميع بوقوفه وهم ينظرون إليه وإلى أسامة، وإذا به يقول:

 أنا غاضب لأنكم لم تجعلوا لي دورا في هذه المسرحية، ولم أنل شرف المشاركة في هذا الإنجاز الرائع يا أحباب قلبي، لقد رفعتم رأسي عاليا حتى وصل السماء فخرا بكم! وظننت أني قد كبرت حتى صرت مثل جبل أُحُد!.

أحييكم من قلبي وأهنئكم على هذا النجاح الباهر، وفقكم الله إلى كل خير.. وبدأ يصافحهم واحدا واحدا فلما وصل إلى نسيبة قال:

أم عمارة! يا لك من فتاة شجاعة ورائعة يا أم عمارة! اسمعوا.. لا تنادوها إلا أم عمارة، وأنت يا سعد الجريح: أبو الكاتشب! (فضحكوا جميعا) لقد ظننت أنك جرحت حقيقة، وكدت أن أهجم عليك وأخرب المسرحية.. هنيئا لك يا أم أسامة بهؤلاء الرائعين.

قالت أم أسامة: بل هنيئا لك يا أبا أسامة، أنت الذي ربيتهم وعلمتهم وشجعتهم دائما، لك الفضل بعد الله سبحانه.

بعد صلاة الظهر تناولوا الغداء، ولعب الصغار على العشب الأخضر وحول النافورة، وتزلج بعضهم في مسارات الحديقة، وركب الصغار الأراجيح، والأفراس والميزان، ونام بعضهم قليلا. ثم توجهوا ليصلوا العصر في المسجد النبوي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • فازت بالجائزة التشجيعية الأولى في المسابقة الإبداعية لكتابة قصة للأطفال عن المدينة المنورة التي أقامها نادي المدينة المنورة الأدبي بالتعاون مع مركز بحوث ودراسات المدينة لعام 1431هـ/2010م

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب