الأدب الإسلامي والمشاعر العليا
كتب  د. عبدالباسط بدر ▪ بتاريخ 11/04/2022 12:21 ▪ تعليقات (4) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 123

 

في حياتنا مواقف متميزة، تتفجر فيها مشاعر لا تدانيها حرارة وعمقاً أية مشاعر أخرى تظهر في غير هذه المواقف، حيث يكون الانفعال في ذروة عليا، وتكون البواعث التي أنشأت تلك المشاعر قوية استولت من قبل على حيز كبير من وجدان المرء وقلبه، ومن منا لا يذكر كيف كان حاله في موقف لقاء حبيب طالت غيبته، وبرّح بنا الشوق إليه، أو موقف فراق قطعةٍ غاليةٍ من كبدنا لم نفارقها من قبل، وتعلقنا بها إلى حد الهيام؟ ومن منا لا يذكر الوهج الذي اشتعلت به قلوبنا عندما فاجأنا نبأ سعيد لم نكن نتوقعه، أو حلت مصيبة طارئة وفادحة؟


ولا شك أن المشاعر التي تولد في الأفراح وفي الأحزان تحفر في نفوسنا ذكريات تمتد طويلاً، وبقدر ما يكون الباعث عليها لطيفاً بقلوبنا بقدر ما يكون التوهج عالياً، وقد يبلغ درجة تعقل لساننا، وتعجز كلماتنا عن أن تعبر عنه، ولكننا إذا ما ذكرناه تصوراً أو معاينة لحالة يعيشها شخص آخر كما عشناها نحن؛ تمتلئ نفوسنا مباشرة بتلك الانفعالات، ونعيشها من جديد.


ولعل أكثر ما يحرك خيالنا، وينشط تصوراتنا، بعد المعايشة والمشاهدة عياناً أن نقرأ نصاً أدبياً يحمل واحداً من تلك المواقف المتميزة، قصيدة أو قصة أو رواية أو مسرحية.. فعندما ينجح النص الأدبي في بناء الموقف المتميز ببيانه السلس المعبر؛ فإنه يطلق خيالنا، ويحرك تصوراتنا، وينقلنا عبرها إلى داخل الموقف الذي رسمه الأديب بكلماته، وقد يمضي بنا بيانه الساحر بعيداً وإن من البيان لسحراً، كما قال الصادق المصدوق رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندها يزداد إحساسنا بدقائق الموقف المؤثر، ونعيشه بوجداننا وعواطفنا، وقد تنسكب دموعنا لأن الخيال يتجاوز الواقع غالباً، والتصور يتجاوز رهبة المفاجأة وعقل اللسان، ويظفر بما يواكب المشاعر من متعة إن كانت مفرحة، ومن اعتبار إن كانت محزنة، فضلاً عن متعة البيان، وحلاوة البلاغة.


دارت في نفسي هذه المعاني وأنا أقرأ كتاباً كتبه صاحبه قبل حوالي قرن من الزمان، وصف فيه رحلته إلى المدينة المنورة بعد أن أدى مناسك الحج، وكانت الرحلة آنئذ إما على الجمال فيما بقي من قوافلها، وإما على سيارات بسيطة تسير على طرق غير معبدة، فقد كانت السيارات طارئة على مجتمعاتنا تنغرز في الرمال حيناً، وتئن من هزات الحفر والحجارة حيناً آخر، هذا الكاتب هو محمد لطفي جمعة الذي عاش التجربة بمشاعر قوية متوهجة، وعايشها فيمن رآه حوله من الزائرين الذين وفدوا من المشارق والمغارب، يتحملون المشاق الهائلة والأسفار الطويلة ليظفروا بصلوات خاشعة في المسجد النبوي، وليغنموا السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرب.


يقدم لنا الكاتب بعبارات تهيئنا لتصور مشاق هذه الرحلة التي عاشها وتحملها، وشهد الزائرين الآخرين يتجشمونها ويغالبون ضناها لما في نفوسهم من عواطف إيمانية وأشواق عالية، يقول: (لو أن أحداً دفع لي المبالغ الطائلة لأقطع هذا الطريق في غير زيارة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم والسلام عليه فلن أرضى، ولكنه لو طلب مني أضعاف هذا القدر من المال وقدرت عليه لقبلت راضياً مبتهجاً، شاكراً الله، وداعياً لمن ينيلني هذه الخطوة، أقبل ولو أن المشقة مضاعفة حتى ولو بلغت الموت، فإن الطريق شاقة حقاً، وصعبة حقاً، يقصر دونها العقل والجسم، ولكن الشوق في الذهاب، والامتلاء بالسرور بعد الزيارة يذهبان المتاعب، فتذوب كما يذوب السكر في الماء القراح).


ثم يتطرق الكاتب في وصف الطريق ووسيلة السفر، فيقول:


 (الطريق..! يا لها من طريق! إن كانت على ظهور الجمال فأربعة عشر يوماً بلياليها على سفينة الصحراء، تلك الإبل الوديعة الصابرة القانعة التي تدب دبيب السلحفاة، ولكها تقطع المسافة نحواً من ألف كيلومتر في الذهاب والإياب في رتابة ونظام وانسجام، كأنها واعية قداسة المسير، ومقدّرة نعمة السعي إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كانت الرحلة في السيارة فإنك تقضي الأربع والعشرين ساعة كأنها أيام بلياليها، تطوي البيد طياً في بطحاء رطبة، ثم تنتقل إلى صحراء الرمال التي لا يحدها البصر؛ رمال ناعمة، وأخرى خشنة، الناعمة هينة لينة حتى لتغوص عجلات السيارة فلا تدور ولا تتحرك إلا إذا اجتمع عدد عديد من الرجال ليحملوها حملاً، وإذا خرجت من بقعة الانغراز صادفتك مساحة المطبات، فتنقلب السيارة لعبةً في يد الصحراء، حتى لقد سمعت للسيارة أنيناً كأنين الكائن الحي، كأن الحديد والنار والأسلاك والأنابيب تتأوه من شدة المعاناة).


ويصف الكاتب مشاهد يراها على الطريق لأجناس مختلفة من أبناء العالم الإسلامي، منهم الهندي، ومنهم الأفريقي، ومنهم العربي، ومنهم الراكب، ومنهم الماشي على قدميه، ويرى العجيب العجاب من تحملهم المشاق بمشاعرهم الإيمانية العالية، فيقول:


(وأنت كلما جددت السير لقيت أشياء لا تصدقها إن لم ترها بعينك، ترى حجاجاً من الصقور منقطعين منفردين ومجتمعين، وشيوخاً طوالاً في التسعين ذوي لحى بيضاء يحمل أحدهم عكازاً ووعاء وصرة ثياب يسير على قدميه من جدة إلى المدينة، تصور!! ثياب بالية وقديد، وخبز قليل، وهم على طول الطريق لا ينقطعون، رجالاً ونساء، ليلاً ونهاراً، فجراً وغسقاً، سلسلة بشرية من لحم ودم وعظم، يحركها سرّ عجيب لا يدركه إلا من يرى من وراء تلك الهياكل النادرة من قوة الإرادة محركاً قوياً هو الإيمان الذي يسوقهم، فسيتعذبون العذاب في هذه الغاية المقدسة..


 وأما الأفارقة فحدث عنهم ولا حرج!.. رجال كالعمد، ونساء كالأساطين طولاً وعرضاً وشموخاً، وضخامة رؤوس كالبنيان، وأبدان كالجدران، وأقدام براها السير حافية على الرمال وعلى الصخر وبين الأعشاب الشائكة، يحملون أحمالاً من الأوعية وأدوات الحياة، يسيرون ممتلئين حياة وقوة وإعجاباً، تلمع أعينهم وأسنانهم في سواد الليل، وتبرق جلودهم في وهج الشمس كأنها مدهونة بزيت لامع، لا يبدو عليهم تبرم ولا تعب. ومنهم نساء كالإبل ارتفاع هامة، وصبراً وطول أناة، وقد تحمل إحداهن في جيب وراء ظهرها طفلاً تتدلى أقدامه، وينظر إليك بعينين صغيرتين تكاد من حبك إياه وإشفاقك عليه تلتهمه التهاماً).


وينتقل الكاتب في فقرة أخرى ليتحدث عن الباعث الذي صنع فيه وفيمن رآه من الحجاج والزائرين تلك الأشواق، وما جعلهم يتحملون كل تلك المشاق.. إنه الإيمان.. إنه حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم. ويقع في نفسه أن الله سبحانه وتعالى قد حقق بهذا الدين لرسوله الفضيلة والوسيلة، وأن المسلمين على مر الزمان مستمرون في الأخذ بما جاء في رسالته، وأنهم سيواصلون زيارة مسجده والسلام عليه    يقول:


(يا رسول الله، لقد بلغت الفضيلة والوسيلة، وآتاك الله المكانة العليا التي استحققتها، ما أعظم ربك الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده يا رسول الله!، هذه هي الدنيا بأسرها من كل لون، ومن كل ركن من أركان العالم، ومن كل لغة وجنس وصنف وسن؛ قد أقبلت في ضيافة ربك، وأتمت مناسكها، ثم قدمت لتصلي في مسجدك، وتسلم عليك، تصلي فيما بين بيتك وقبرك، في تلك الروضة من رياض الجنة، التي صارت مفتوحة لكل مسلم يصلي فيها فيتذوق نعيم الآخرة وهو ما زال حياً على الأرض).


وبعد؛ يطول بنا الوقت لو استرسلنا مع الكاتب في مواقفه المتميزة، ومشاعره المتوهجة، وبيانه العذب، ولئن كنا نحمد الله سبحانه وتعالى أن جعل تطور الزمن والحضارة يجنبنا تلك المشاق التي عاناها المسلمون قبلنا لزيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرب، فإننا نسأله سبحانه وتعالى ألا نُحرم المشاعر المتوهجة التي ينبتها الإيمان في قلوبنا، ونحن نتوجه إلى تلك الأماكن المقدسة، وأن نتذوق حلاوتها، ونظفر بثوابها، بأحسن ما نأمله ونتصوره ونحن نتذوق ما يثيره فينا هذا النص الأدبي الإسلامي من مشاعر البهجة وسحر البيان.


 

تعليقات القراء
رَسُولنا .. دَعْوة للْحَقِ والسَّلام !
شعر : مصطفى عز الدين العايدى .
قُرَّةُ الْعَيْنِ رَسُولٌ قدْ تَجَلّى فَي إِبَاء ْ
مَاءُ كَوْثَرِهِ تَبَتَّلَ فَانْحَنَى حَرْفُ الْهِجَاءْ
كَمْ تَوَاصَى بِالضَّعِيفِ شَفَّ رِفْقاً بِالإِمَاءْ
فَسَلامٌ مِلْءُ نَفْسٍ لَمْ تَعُدْ تَهْوَى الرَّثَاء ْ !

يَا دَلِيلاً .. أَتْعَبَتْنا الْحَادِثَاتُ فِي اجْتِرَاء ْ
حَدّثْ السّائلَ عَنْهُ حَيْثُماَ ْ يَشْدو الصَّفاء
هُوَ غُصْنٌ مِنْ رِيَاضٍ هُوَ بَدْرٌ فِي الْسَمَاءْ
سَبَّحَ الْمَوْلى شُكُوراً وَدَنَا مِنْهُ حِِرَاءْ
هُوَ بَحْرٌ لا يُحَدّ ُ .. هُو شمسٌ في خبَاءْ
هُوَ طَلْعٌ مِنْ نَخِيلٍ .. هُوَ غَيْثٌ مِنْ سَنَاءْ

مَا لِذِكْرَاه ُاسْتَدَارَتْ خَافِقاً رَطْبَ الدُّعَاء ْ ؟
أَيَّهَا السَّائِلُ .. مَهْلاً .. دِينُنَا سَمْحٌ رُخَاءْ
دُرّةُ الْحَرْفِ كِتَابٌ .. وَ هُوَ ذِكْرٌ وَضِيَاءْ !
أَرَأيْتَ .. كَيْفَ أَهْدَى اللهُ لِلنَّاسِ الْعَطاءْ ؟
وَدَنَا لِلرُّوحِِ فِقْهٌ .. وَتَدَلَّى .. فِي وَضَاءْ ْ

دعوة ٌ لِلْحَقِ .. أََدَّاهَا بِرِفْقٍ حِينَ جَاءْ
كُلُّنَا أبْناءُ آدَم ْ جِئْنَا مِنْ طِينٍ وَمَاءْ
عَرَبِيٌ .. عَجَمِىٌ .. نَحْنُ أحْرَارٌ سَوَاءْ
كَيْفَ تَأْسِرنَا دَعَاوَى مِنْ غُلُوِ الُّسُفَهَاءْ !؟

نَحْنُ فِي شَرْقٍ هُنا .. أوْ ِبِغَرْبٍ أَصْدِقَاء ْ
نََحْنُ قَوْمٌ مُؤمِنُونَ لاَ ُتفَرِّقُناَ سَمَاءْ
قَدْ نُهِِينَا عَنْ شِقَاقٍ بَلْ أُمِرْنَا بِالرّضَاءْ

طَائِرُ السّلْمِ رسُولٌ .. شَأْنُ كُلِّ الأ نْبِِِيَاء ْ
وَسِرَاجُ الْخَيْرِ يَبْقى إنْ دَنَتْ مِنْهُ الظِّبَاءْ
فإلهٌ قَوْلُهُ الْحَقُ .. تَعالَى فِي اسْتِوَاءْ
أنْزلَ التِّوْرَاةَ وَالْإنْجَيلَ لِلنَّاسِ سَوَاءْ
ثُمّ أثْنَى عَزّ قدْرَا .. بِكتَابٍ ذِي شِفَاءْ
عَرَبِيِّ لَيْسَ يَأتِي مِنْهُ رَيْبٌ وَانْطِوَاءْ !
جَوْهرُ الدِّينِ حِوَارٌ ... وَعُلومٌ .. وَ نَقَاء ْ
سِِِرِّهُ فِي الْكَوْنِ بَاقٍ دُونَ كَدّ أَوْ عَنَاءْ
سُنّة ُ الرَّحْمنِ تَجْرِِي لَيْسَ يُدْركُهَا خَفَاءْ !

َها هُوَ الدَّاعِي نَبِيُّ .. جَلّ بِا لْحَمْدِ الثّنَاء ْ
جَاءَ مِنْ أُم ِّ الْقُرَى .. حَامِلاً وَحْي السَّمَاءْ
قَالَ صَبْراً أُمّتِي عَيْشُناَ مَحْض ُ ابْتِلاءْ
إِنْ نُشَاقِقْ ربَّنا .. وَيْلَنَا .. هَذَا افْتِرَاءْ

لَيْتَ شِعْرِي يَنْجَلِي إنَّ فِي صَمْتِي رَجَاءْ
مُسْلمٌ يَمْضِي بِحَقٍ .. لاَ غُُلُوَّ .. أَوْ عَدَاءْ
جَلّ مَنّ أوْحَى لَه .. ُ وَكَسَا حُسْنَ الرٍّدَاء ْ

إِنَّ لِلْإِسْلَامِ ذِكْرَا وَالْقَذَى يَمْضِي جُفَاء ْ
فَهَدِيلُ الصُّبْحِ يَأْتِي لَحْنُهُ سَهْلٌ بَهَاءْ !
عَمِّرِوُا بِالْحُبِ أَرْضاً .. إِنَّكُمُوا الْخُلَفَاءْ
وَاجْنَحُوا لِلسِّلْمِ كَافَّة فَعَلَيْكُمْ شُهَدَاء ْ ! .






بسم الله الرحمن الرحيم

حَدِيثٌ مُختصَر عَنْ الآثار في مَحَبَّةِ النَّبي المُخْتار !

بقلم : مصطفى عز الدين العايدي

الحَمْدُ لله ربِّ العَالمين والعاقبة للمتقين ، والصلاة والسَّلام على النبيِّ الكريم المبعوث رحمةً للعالمين مُحَمَّدٍ رسول الله وعلى آله وصَحبه ، والتَّابعين ، وبعد....
فإنَّ الله تعالىَ لمَّا خَلقَ الناسَ جعل مِنْ طبيعتهم الخطأ والنسيان - إلاَّ مَن عَصم -وأدركهم برحمته وفضله ، ففتحَ لهم بابَ التوبة والاسْتغفار والإنابَة ، ويَسَّر لهم أسبابَ المعْرفة وهَداهم إلى العملِ الصالح ، الذي ينفع ، وليس أعظم في مَغفرة الذنوب - بعد الاستغفار والتَّوبة - ِمن العمل الصالح . وقد ورَدتْ نُصوصٌ كثيرة في ترتيب ِ المغفرةِ على كثيرٍ مِنْ الأعمال .
ومَسألة العمل الصالح كما هو مَعلُوم ٌ لأهلِ العِلم : هو الأمرُ الجامعُ مِن الأقوال والأفعال ، ومَا وقف عليهِ مِن النُّقول الصَّحِيحَة والآثارِ الفريدَة ، والاسْتنباطات القويمة ، مِنْ حُسْنِ التوفيق ، ودِقة التَّرجيح وتمام العقيدة ..التي تشرح الصُّدور وتنيرُ العقولَ والقلوبَ ، وتعظم الرَّجاءَ برَبِّ العالمينَ ومَنْ لهُ الأمرُ والخلْقُ .. عَلاَّم الغيوب ، ومَالك المُلكَ في الأرض والسماء !.

يقول الله تعالى في محُكم تنزيله :
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) آل عمران
تبيّنُ لنا الآية دَلائل قدْرة الله سُبحانه وتعالى وعظمته وتصرّفه في خلقه ، فهو يُعطي الملكَ والمكانةَ لمنْ أرادَ مِن خلقِه ، وينزعه ممنْ يشاء ، ويعزّ بقدرته مَن يشاءُ ويذلّ مَن يشاء، فهو الخالقُ القادر على كُلِّ شيء بيدهِ مَقاليدِ السَّماواتِ والأرض.
فهذِه الآيةُ َتسْْليَة للنبي صلى الله عليه وسلّم أمامَ موقف المشركين وأهلِ الكِتابِ بإنكار دَعوتهِ ، فكأنهُ يقولُ لهُ إذاَ أعرضَ المشركُونَ وأهلُ الكِتابِ عَنْ قبُول دَعوتكَ " يَا مُحمَّد " ، فالجأ ْ إليَّ أنـَا الله مَالكُ المُلكَ وصَاحبُ الأمْر .. !
وقلْ يَا الله ، ياَ مَالكَ المُلك ..،
لكَ السُّلطان المُطلق ، وأنتَ المتصرِّف في خَلقكَ ، الفعّال لماَ تريد ، ومُدبّر الأمور وفق حكمتك ، فأنتَ المعطي وأنتَ المانع ، تؤتي الملكَ والنُّبوة مَنْ تشاءُ مِن عبادك، وتنزِع ُ المُلكَ مِمَنْ تشاءُ مِنْ خلقكَ ، كَما نزَعتَ النُّبوةَ مِنْ بني إسرائيل ببعثة رسُولكَ العربيّ القرشي الأمّي المكي ، خاتمِ الأنبياءِ على الإطلاقِ ، ورسولُ الله إلى مَعْشَر الثَّقليْنِ مِن الإنْسِ والجِنِّ ..
فلقدْ شَهِدَ التَّاريخُ القدِيمُ والحَديثُ العَديد مِن العُلماء والباحِثين ، الذين أدلوا بدَلوهم في الحياة ِ الفكرية والعلْميًَّة والعمليَّة وقد عَلموا مَكانة نبيِّهم ، وكانتْ ولا زالتْ آراؤهم تشهدُ لهم برسُوخهم في رياض العِلْم ، وتميزهم في دُروب المعرفة .
ولعَل َّ مِنْ بينِ هؤلاءِ العُلماء الأجلاَّء .. العَالم المُحَقِق " أحمد تيمور باشا " صاحب كتاب " الآثار النَّبوية " الذي جمَعَ فيهِ تقييداتٍ نادِرة مِنْ شتاتِ الكُتب والخزائن عنْ هذه الذَّخائر - كما كانتْ ُتسمَّى عند المتقدمين - ، مما عُرف مِنْ آثار النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وبقِيتْ بعدَ أنْ صادفها مِنْ انتقال مِن يَدٍ إلى يَدٍ في مَجرى التاريخ ... " .
فقد جعلَ الرَّجل ُ- رحمه الله تعالى - جهدهُ واجتهادهُ بابًا للتفوق المحمود ، وأداة للتميز العلمي ، يشهدُ بذلكَ كُلُّ مَنْ قرأ واطَّلعَ على بحوثه، ومؤلفاته المتنوعة لأمهات الكتب ، ومِن بينها بالتأكيدِ تلكَ " الخاتمة " المفيدة التي وُجدَتْ بَينَ مُخلفات المؤلف ( أحمد تيمور ) وهي أوراقٌ شتى قدْ عَوَّل عليها في فصولِ ( كِتابه ) الذي أشَرنا إليه ، وقد كَتبها بخطِّ يدِه ، لتكونَ خيْر خاتمةٍ مُضيئة ، لتلكَ الفصول النَّفيسة في " الآثار النبويَّة "* ،
وليكونَ هذا الكتاب لدَينا .. هو المصدر والمرْجع الأول ، حَيث يقولُ : " ليسَ في هذه الآثار ولاَ فيما أوْردناه ُ عنها مِن النصوص مَا يبعثُ على الاسْترابةِ في نِسبتها إلى المقام النَّبوي الكَريم ، ولاَ يخفى أنَّ كُلَّ شيء محُتملٌ للصِّحة ، إذا لم ْ يلمز أوْ يطعن ، أوْ يحفّ بشُبهة واسْتفاضتْ به الأخبار كانَ حقيقا ، بأنْ تطمئن إليهِ النفوسُ وتتلقاهُ بالقبُول ، ولاَ َّسيَّما إذَا كانَ هذا أثرًا كَريما مَنسُوبًا إليه .. ( صلى الله عليه وسلم ) .. لاَ تُؤمَن ُ فيه مَغبة الشَّكِ والإنكَار.. ،
ولهذا رأينا ذَوي الحِيطة مِن السَّلف ومَنْ ائتمَّ بهديهم في كُلِّ جيلٍ يتحرَّجونَ عَن المجازفة بالإنكار في مِثلِ هذه الآثار ، ويَرونَ السَّلامة َ في قبوُلها والتَّسليم بها ماَ لمْ يَمنعْ مَانع " *
..وهذا الأمرُ الأخير مِنْ قولهِ هذا بخصُوص الحِيطَة مِن السَّلف هُو ما سَوف نوضِّحه نحنُ خلالَ موضوعات بحثنا * و فصولِ كتابنا ، لنرَى مَوقفَ السَّلف والخلَف مِن ذلكَ كُلِّه وحُبهِم لدِينِهم وكِتابِ ربِّهم العَزيز، وتنزيهِ نبيِّهم الكَريم ، مُقدرين جُهدَ الباحِثين قديما وحَديثا ،
ولقد أضفنا لموضوعاتِ بحثنا جانبا آخر هُو مَعلومٌ لبعض النَّاس وقدْ يخفى عنْ البعض يتناول " الآثار المكَانيَّة " المعروفة قدِيمًا وحَديثا ، ونعْني بها تلكَ المعالم والجهات، التي لاَ تزالُ قائمة ، مُنذُ النَّشأة وَسَنوات الدَّعْوة الُّنبوَّية بأرض الحِجاز " المملكة العربية السُّعودية " حاليا ، وما حَولها وخارِجها حتىَّ اليوم .. ، حَيثُ تمثلُ بحقٍ في حُضورها وقائع مَاديَّة قائِمة ، وبصَائر مِنْ المعاني القُدسيَّة ، التي أضاءتْ بنور ربها وشرُفتْ بمقامِ النبي محُمد ( صلى الله عليه وسلم ) .
وهي : ( آثارٌ ) مُقدَّسة شَهِدتْ بالحقِّ والصدق .. ولاَ تزال .. إلى َما شاءَ الله تراها العَيْنُ وتطيبُ بها النفُوس ، يعرفها المسلمُونَ وغيرهم ، وقدْ جاءَ ذكرُ بعضها مُتفرقًا على سَبيلِ التوثيق في " كُتبِ السِّيرة " والتَّاريخ تبعا للأحداثِ ، التي مَرتْ والمناسبات ، التي أوجدتها ظروف الدَّعوة الإسلامية ، وسِيرة الرَّسول مُحمد خلال سَنواتٍ جهادِه وسَعْيه العظيم ، لكَي يدخلَ الناسُ في دِينِ الله أفواجَا .. وَينصُره الله تعالى .
حَيثُ اسْتُجِيبتْ دَعوةِ ُ إبراهيم وإسماعيل عَيهما السَّلام :
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿129﴾البقرة.
وحَيثُ جاءَ قوله عَزَّ وجَلَّ بَشيرًا لنبيِّه الكريم - بعد تمام دَعوته وتبليغ رسَالته للناس - بالخير المبين ، الذي يَسْتوجبُ الحمْدَ والشكرَ العظيم :

إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ ﴿١﴾
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّـهِ أَفْوَاجًا﴿٢﴾
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴿٣﴾ .سورة النصر
هذا .. ويظل الموضوعُ الذي أثبتْناهُ في بحثنا ، وهُو السُّؤال الجوْهري الذي سَعينا إليه، يتعلق بالكلام عَن حقيقة " الآثار النَّبويَّة " في مِصر ، وعَنْ حقيقة " الآثار النَّبويَّة " في القُسْطنطينيَّة .
وجميعها محلَ تقدير واهتمام يبتغي الهُدَى والرّشاد ، وإدْراك نُور المعرفة وحسب لمَنْ أحَبُّوا نبيَّهم ، واقتفوا أثرهُ وآثاره الكَريمة في المشْرقين والمغرِبيْن ، بمعونةِ ربهم الرَّحمن .. الذي علَّمَ الإنسانَ ماَ لمْ يعْلم ، ولَسوفَ نُبيّنُ للقارئِ الكَريم ما كانَ في الإمكانِ تحقيقه ُ ومَا كان َ مُمكنًا ، ونلتمسُ المعْذرة في بعض الأحوال عَن إدراك أمرٍ قدْ صَارَ مُتعذِرا .. بسَببِ ضَعفٍ مَا في تفسيرِ الحقائقِ وتَدْقيقها وفحْصها وتنوُّع المصادِر والمراجع ، والمذاهِب التي شملتْ الكَلام عَنْ الأمانات الماديَّة في نظر البعض ، ومِنْ بينها الرَّسائِل ، التي خطَّها المؤرخونَ والعُلماءُ الباحِثون والكتَّاب والشُّعراء أصحاب المدائحِ النَّبوية الموثَّقة .. وهُنا .. نقدمُ للقارئِ الكريم ..
ذلكَ الزَّادَ المعرفي .. خلالَ فصولِ كِتابنا هذا ، بصدقِ التناول وأمانة العرض ، وصفاءِ فضيلةِ مَحبَّةِ الرسولِ مُحَمدٍ صلى الله عليه وسلم .
ذلكَ أنَّنا نُؤمنُ .. بأنَّ فضِيلةَ الحُبِّ للرَّسُولِ الكَريم ، وتَتبُّع سِيرَتهُ وكُلَّ ما يخصُّه مِن صَغيرٍ أوْ كَبير ، يجبُ أنْ تتَّجه نحوَ طاعتهِ واتباع مَا أمرَ به ربُّ العَالمين مِنْ أعمالِ البرِّ بالخيرِ والإحسان ، والأمر بالمعروف والنَّهي عَن المُنكَر .
وهذا جَميعهُ يسْتوجبُ بالضَّرورةِ إحياء النُّفوس بمبادئ التَّوحِيد الخالص ، المُنزه عَنْ كُلِّ شِرْكٍ َنعلمُهُ أوْ نجهلُه ، وهي عَقيدة ٌ راسِخة تسْكنُ القلوبَ ، فهي تسْتمدُ نُورَها مِن مَبادئ إيمانيَّة ُقرآنيَّة ، تحققُ للإنسانِ الهناءَة والسَّعادة في الدُّنيا والآخِرة وعظيم الأجر والجزاء ، إنَّها عَقيدة المؤمِنين بحقّ .. الذَّاكِرينَ كُلّ حِينٍ قولَه تعالى :
وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّـهِ إِلَـهًا آخَرَ لَا إِلَـهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٨٨﴾ سورة القصص
ليبقى التقديرُ الأوْفى بحقٍ مَشهودٍ هُنا .. لجهُودِ عُمدَة البَّاحِثينَ الأول " أحمد تيمُور ( باشا ) ومَنْ لهُ السَّبقُ في هذا المجال ، خدمة ً للْعِلْم والمعْرفةِ وروَائع الفكْر الإنسَاني ، ومَا جمَعته المكْتبة الإسْلاميَّة .


بقلم : مصطفى عز الدِّين العايدي
عضو اتحاد الكُّتاب المصري .
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخوة الأعزاء / في مجلة رابطة الأدب الإسلامي العالمية ،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
.وبعد ........
يسعدني أن أشارك .. بتلك الكلمات المختصرة - وهي مقدمة بحث لي قيد النشر بمشيئة الله تعالى
بعنوان  " مقام الآثار المحمَّدية في أعين السَّلف والخلف .  - مجلتكم الألكترونية ، عسى أ، تكون مناسبة للنشر
ولتكون مفتتح خير في التواصل الكريم معكم ، مُستقبلا ..، وتقديم ما ينفع الناس .في مجال الأدب العربي..
لكم خالص المودة والتقدير .
الكاتب  /مصطفى عز الدين مصطفى العايدي
Munjid Mustafa Apr 13, 2022
السلام عليكم
المقال جيد بمضمونه وأسلوبه
أقترح أن يشار إلى تاريخ نشر هذا المقال...
لأن تاريخ المجلة 11-4-2022 يوحي بأن المقال ينشر في هذا التاريخ..
ىحم الله د. عبد الباسط بدر الذي توفي من سنوات رحمة واسعة

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب