مروءة كاتب
كتب  د.عبدالقدوس أبو صالح ▪ بتاريخ 11/04/2022 12:23 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 123

 

     كان أحمد بن يوسف الكاتب "من أفاضل كُتّاب المأمون، وأذكاهم وأفطنهم، وأجمعهــم للمحــاسن، وكــان جيـد الكـلام، فصيــح اللســان، حســن اللفظ، مليح الخط"(1). وكــان ينتمــي إلــى أســرة كــل من فيهــا بيــن كــاتب وشــاعر.


     على أن أجمل ما كان في خلق هذا الكاتب المجيد أخبار مروءته التي تتجلى في الموقف التالي:


     فقد حدث ابن باقيا الكاتب في كتاب مُلح الممالحة قال(2):


     "ولما خرج عبد الله بن طاهر من بغداد إلى خراسان قال لابنه محمد: إن عاشرت أحداً بمدينة السلام، فعليك بأحمد بن يوسف الكاتب، فإن له مروءة. فما عرج محمد حين انصرف من توديع أبيه على شيء، حتى هجم على أحمد بن يوسف في داره، فأطال عنده، ففطن له أحمد، فقال: يا جارية غدّينا، فأحضرت طبقاً وأرغفة، وقدمت ألواناً يسيرة وحلاوة، وأعقب ذلك بأنواع من الأشربة في زجاج فاخر، وآلة حسنة، وقال: يتناول الأمير من أيها شاء. ثم قال له: إن رأى الأمير أن يشرف عبده ويجيئه في غد، فأنعم بذلك. فنهض وهو متعجب من وصف أبيه له، وأراد فضيحته، فلم يترك قائداً جليلاً، ولا رجلاً من أصحابه إلا عرفهم أنه في دعوة أحمد بن يوسف، وأمرهم بالغدو معه، فلما أصبحوا قصدوا دار أحمد بن يوسف، وقد أخذ أهبته، وأظهر مروءته، فرأى محمد من النضائد والفرش والستور والغلمان والوصائف ما أدهشه، وكان قد نصب ثلاث مئة مائدة، وقــد حفــت بثلاث مئة وصيفة، ونقل إلى كل مائدة ثلاث مئة لون في صحــاف الذهب والفضة، ومثارد الصين.


      فلما رفعت الموائد قال ابن طاهر: هل أكل من بالباب؟ فنظروا، فإذا جميع مـن بالبـاب قـد نصبت لهم الموائد فأكلوا، فقال: شتان بين يوميك يا أبا الـحسن، فقال: أيها الأمير؛ ذاك قوتي، وهذه مروءتي.

      ويبدو أن هذه المروءة كانت في والد الكاتب وأنه أُورثها منه، فقد ذكر الجهشياري عن القاسم بن يوسف(3):


     "أن أباه حدثه أن عبد الله بن علي (عم الخليفة أبي جعفر المنصور) لما استتر عند أخيه سليمان بالبصرة علم (يوسف وكان كاتباً أيضاً) أنه لا وَزَرَ له من أبي جعفر (المنصور) قال: فلم أستتر، وقصدت أصحابنا الكتاب، فصرت في ديوان أبي جعفر، وأجري لي في كل يوم عشرة دراهم.


قال: فبكرت يوماً إلى الديوان قبل فتح بابه، ولم يحضر أحد من الكتاب، وإني لجالس عليه، إذ أنا بخادم لأبي جعفر، قد جاء إلى الباب فلم ير غيري، فقال لي: أجب أمير المؤمنين، فأسقط في يدي، وخشيت الموت،. فقلت له: إن أمير المؤمنين لم يردني، فقال: وكيف؟ فقلت: لأني لست ممن يكتب بين يديه، فهمَّ بالانصراف عني، ثم بدا له فأخذني وأدخلني، حتى إذا كنت دون الستر وكّل بي، ودخل ولم يلبث أن خرج، فقال لي: ادخل، فدخلت، فلما ضرب باب الإيوان قال لي الربيع: سلم على أمير المؤمنين، فشممت رائحة الحياة، فأدناني وأمرني بالجلوس، ثم رمى إليّ بربع قرطاس، وقال لي: اكتب وقارب بين الحروف، وفرّج بين السطور، واجمع خطك، ولا تسرف في القرطاس، وكانت معي دواة شامية، فتوقفت عن إخراجهـا؛ فقال لي: يا يوسف! أنت تقول في نفسك: أنا بالأمس في ديوان الكوفة أكتب لبني أمية، ثم مع عبد الله بن علي، وأخرج الساعة دواة شامية؟!..


      إنك إنما كنت في الكوفة تحت يدَي غيرك، وكنت مع عبد الله بن علي، لي ومعي، والدُّويّ الشامية أدب جميل، ومن أدوات الكتاب، ونحن أحق بها، قال: فـأخرجتها، وكتبت وهو يُملي، فلما فرغت من الكتاب أمر به فأترب وأصلح، وقــال: دعه، وَكِلِ العنوان إليّ، ثم قال لي: كم رزقك يا يوسف في ديواننا؟ فقلت: عشرة دراهم، فقال: قد زادك أمير المؤمنين عشرة دراهم أخرى، رعاية لحرمتك بعبد الله بن علي، ومثوبة لك على طاعتك ونقاء ساحتك. وأشهد أنـك لو اختفيت باختفائه لأخرجنَّك ولو كنت في حجرة النمل، ثم زايلت بين أعضائك. فدعوت له، وخرجت مسروراً بالسلامة".


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- تاريخ بغداد 5/216.

2- معجم الأدباء 5/165.

3- معجم الأدباء 5/172.

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب