رسائل في فن البلاغة نحو قراءة نقدية ميسرة للبلاغة العربية (1/3)
كتب  أ.د.أحمد يحيى علي ▪ بتاريخ 12/04/2022 12:43 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 123

الرسالة الأولى:

البلاغة علم عربي أصيل يمد ذراعيه تجاه علم آخر هو النحو ليشكلا معا مرجعية قانونية يخضع لها الناطق بالضاد منذ القدم؛ فهذا الثاني يضع قواعد يسير عليها مستهلك النص في صياغته، بينما يعكف الأول على وضع مبادئ من شأنها تحقيق البعد الجمالي للنص؛ فأبو الأسود الدؤلي الرائد المؤسس لعلم القواعد العربية، وأبو عبيدة صاحب (مجاز القرآن)، وعبد القاهر الجرجاني من بعده يمثلون جميعًا آباء منظرين لمن جاء بعدهم في هذين الحقلين بغية تقديم منهج منظم للرؤية التي تنصب في الأساس على النص القرآني (أقدس النصوص العربية) وما يليه في المكانة بعد ذلك، من شعر ونثر بتنوعاته المتعددة؛ إن الولوج إلى مجمل ما قدمه العربي إلى المكتبة المعرفية للإنسانية من مصنفات يقتضي مقاربة هذين العلمين في هذه الرحلة الذهنية التي تتغيا الكشف وإصدار الأحكام، والبلاغة لغةً من البلوغ الذي يعني الوصول إلى القمة في تشكيل بعينه، هذه القمة تعني الذروة في التعبير؛ ومن ثم قدرة الوصول وتحقيق الأثر المرجو ذهنيًا ونفسيًا لدى المعني بعملية إنتاج النص اللغوي ألا وهو القارئ أو المستمع؛ فهذا كلام بليغ وهذا نص بليغ؛ أي بلغ من المنزلة قدرا يؤهله للاحتفاظ بمكان في قلب من يستقبله وفي وعيه، ذلك جوهر لفظة الجمال التي يمكن أن ننعت بها تشكيلا لغويا بعينه.

والبلاغة في مدلولها الشائع عند المعنيين بدراستها منذ القدم تعني مطابقة الكلام لمقتضى الحال؛ لذا يمكن أن نربط بين البلاغة والحكمة التي تعني في أظهر معانيها: قول ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي؛ لذا فلا حرج من أن نطلق حكمًا فنقول: شخص بليغ وشخص حكيم الاثنان صنوان لمقصود واحد هو القدرة على إقامة صلة مقنعة بين ما يرسله المتكلم من لغة والسياق الذي يتم استقباله فيه بمحدداته الزمانية والمكانية وما يحكمها من منظومات للقيمة منطلقة من الدين أو مما تعارفت عليه الجماعة من معارف وتقاليد.

إذًا فالبلاغة في مضمونها وفي تشكلاتها تعني نوعًا من الترادف بين اللغة والسياق الخارجي المحيط، بين المرسل ونصه من جانب، والجماعة المتلقية وأفقها الفكري واهتماماتها وقناعاتها وثقافتها من جانب آخر؛ ومن ثم فإن الوجه العميق لما يسمى بالجمال الذي هو قرين لفظة بلاغة يكمن في القدرة على القراءة الواعية للسياق الخارجي المحيط بعملية الإنتاج والتلقي معًا بهدف إفراز منتج لغوي يحمل بداخله مقومات التأثير والتوجيه في فضائه الزماني والمكاني، وفي الوقت نفسه قابلية البقاء والتواصل مع أفضية أخرى يمكنها أن تجد فيه ما يبدو صالحا للتعامل مع ما هو كائن في واقعها المعيش.

وهذه الأوراق عبارة عن عدد من الدروس تعتمد منهجيتها ليس على الشكل التقليدي الذي تتم به صياغة دروس البلاغة في مصنفاتها المعاصرة، أو على الشكل القديم الموجود في كتب التراث، إنما تنطلق مما يمكن تسميته القراءة الثقافية للنص الموظفة للمصطلح بصيغته التقليدية المتعارف عليها في مصنفات علم البلاغة؛ فالمصطلح بالنسبة إلينا يمثل مفتاحا في عملية القراءة التأويلية للنص وفي محاولة الخروج منه ما أمكننا إلى ذلك سبيلنا إلى السياق الخارجي (الاجتماعي/الثقافي) بغرض تدريب القارئ على الربط بين عناصر ثلاثة: المصطلح المنطلق من علم البلاغة، النص المرسل وصاحبه، المتلقي الذي يستقبل ويقوم بدوره بتحويل هذا النص إلى بناء لغوي جديد اسمه الدلالة أو مجموعة الدلالات المستقاة من النص؛ لذا تكمن الجدة التي تسعي هذه الدروس إلى تحقيقها في إلحاحها على الربط بين حقلي البلاغة والنقد الأدبي؛ بوصف الغاية المبتغاة في نهاية المطاف من وراء الارتحال في هذا العلم ومباحثه الثلاثة: المعاني والبيان والبديع، التي وضع أسسها البلاغيون العرب القدامى ومن أبرزهم شيخ البلاغيين عبد القاهر الجرجاني هي القدرة على القراءة التأويلية للنص وبيان ما له وما عليه؛ انطلاقا مما يتضمنه من أبعاد جمالية تنتمي إلى حقل البلاغة وما يحتضنه من مبادئ، وقد آثرت أن أبقي على المادة العلمية كما هي دون محاولة إعادة تشكيل أو تعديل جوهرية تخرج بها عن الطابع التفاعلي الذي كان يتم داخل قاعة الدرس؛  رغبة في أن يتم الاحتفاظ ببعض من طابعها الشفاهي، مع التدخل في حدود ضيقة اقتضتها متطلبات الحفاظ على السلامة الأسلوبية للكلام من ناحية الصحة النحوية.

وبعد فهذه الدروس ليست إلا محاولة تدفعها رغبة صاحبها في كسر النمطية في الطريقة التي يتم بها تدريس المصطلح البلاغي العربي وفق آلية حبسته إلى حد كبير في حقله فقط؛ فلم تجعل منه وسيلة لنشاط نقدي يتعامل مع النص بوصفه مرآة كاشفة لسياق ثقافي له خصوصيته التي تميزه، كما أني لا أزعم أني تناولت بنظر استقصائي محيط كل مفاهيم هذا العلم العربي الأصيل بمباحثه الثلاثة؛ فما تم السعي إليه يمثل خطوة أولى في تعبيد طريق لمرور ما يمكن أن نطلق عليه قراءة ثقافية للمصطلح في ضوء بيئته، بعيدًا عن الدرس البلاغي الغفل الذي يعتمد على وصف المصطلح من ناحية المعنى وما يندرج تحته من أمثلة تطبيقية فحسب؛ ومن ثم كانت محاولة السعي إلى تطوير هذه المرحلة بالانتقال إلى ما بعدها تعد الهدف البعيد الذي أرجو لو أدركه.. والله المستعان وعليه الهدى ومنه التوفيق.

 

الرسالة الثانية: في علم المعاني (مراتب الخبر)

تعريف علم المعاني: هو علم يراد به معرفة الأصول التي من خلالها يتم إدراك مدى مطابقة الكلام للسياق الذي يقال فيه.

أول من تحدث عن هذا العلم هو عبد القادر الجرجاني المتوفى سنة 471 هـ، صاحب المصنفين العمدة في حقل الدرس البلاغي التراثي: دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة.

وفي علم المعاني نتعرف على مراتب الكلام من حيث حال المتلقي(العلم/ عدم العلم بما يطرح عليه من قبل الطرف الأول في عملية الاتصال؛ أي المتكلم).

1-    المرتبة الأولى: مرتبة الكلام الابتدائي وفيها نجد أن بلاغة هذا المتكلم تكمن في إدراكه أنه يوجه الكلام إلى شخصية خالية الذهن ليس عندها خلفية عما يقال؛ ومن ثم فلا تستطيع أن تأخذ منه موقف الرفض أو القبول.

إذا قلت:

 - محمد رسول             - زيد طالب مجتهد         - جو هذه الأرض غالبًا جميل

- الدراسة في هذه الكلية تجمع بين القديم والحديث

 إن هذه الجمل يقولها المتكلم لمستمع يعلم مسبقًا أنه لن يؤيد أو يرفض ما يقول؛ وهؤلاء نطلق عليهم مسمى القارئ أو المستمع خالي الذهن.

 لكن هذه المرتبة ليست الوحيدة التي يلجأ إليها المتكلم؛ فهناك مرتبة أعلى منها بقليل فيها يتم إدخال مجموعة من الإضافات اللغوية؛ لأن المستمع إما أن يكون شاكًا أو مترددًا فيما يُبث إليه، هنا يدرك المتكلم أن كلامه لن يكون مقنعًا للقارئ بدرجة كافية؛ لذا يجب أن تتم صياغته بطريقة لا تقتصر على الهيئة اللغوية التي تبدو في النمط الأول فقط؛ فبدلا من أن نقول:  جو هذه القرية مشرق في الغالب  نقول: إن جو هذه القرية مشرق، أو لجو هذه القرية مشرق في الغالب.

لقد أدرك العربي القديم ونموذجه عبد القاهر الجرجاني أن إنتاج النص يكتسب بلاغته وجماليته من طرفين لا طرف واحد:

- الطرف القائل (المرسل).        

- الطرف المتلقي والطبيعة الغالبة عليه.

 هذا الإدراك كانت له آثاره في الكتابة الحديثة؛ فإذا جئنا مثلًا إلى فن أدبي كفن المقال نجد أن الصياغة اللغوية من قبل الكاتب للموضوع تتوقف على مدى إلمامه بالفئة المستهدفة من هذا المقال؛ أي شريحة القراء ومدى درايته بطبيعة الحدث أو القضية والسياق أو الظرف الزمني المحيط بهما.

إننا عندما نقول: إن محمدًا مجتهد، للدراسة في هذه الكلية جامعة بين القديم والحديث فنحن حينئذٍ أمام مرتبة خبرية أعلى من مرتبة الخبر الابتدائي، أطلق عليها  اللغوي القديم تسمية (الخبر الطلبي)، نحن في  علم المعاني أمام نوعين من القراء، أمام مستويين ثقافيين متفاوتين العلم بهما يكمن في شكل النص اللغوي وطريقة الكاتب في إنتاجه، وتلك بلاغة تجعلنا نحكم إلى أي حد جاء النص متوافقًا مع طبيعة السياق أو المقام الذي يقال فيه.

ومن يريد أن يدرس بلاغة الخطاب المسمى (إقناعي / دعائي) فلا غنى له عن الدرس البلاغي الذي خصص في علم المعاني مبحثًا مستقلًا للنص ومدى ملائمته للشخصية التي تتلقاه؛ إنني لا أستطيع أن أقول لشخصية تشك في أن محمدًا هو رسول الله لا أستطيع أن أقول  لها: محمد رسول الله أنزل عليه القرآن، بل لابد من أن أقوي النص بإضافات ضرورية قد ارتئاها العربي لتحويل هذه الشخصية الشاكة إلى مرتبة المؤيد المقتنع.

وإذا انتقلنا إلى مرتبة أخرى أعلى من مراتب الخبر فإننا نصعد بالمتلقي إلى فئة جديدة تتجاوز صورة خالي الذهن وحدود الشاك أو المتردد، وصولًا إلى مرتبة الرافض المنكر لما يقول، الذي يسكن في المرتبة الثالثة؛ إن على المتكلم كي يكون بليغًا، ويكون كلامه منسجمًا متطابقًا مع طبيعة المقام أن يراعى ويقدر هذه الفئة جيدًا؛ لأن الوصول معها إلى درجة الإقناع يحتاج إلى عناء لغوي ومشقة في الصياغة تجعل هذا النص قادرًا على التاثير في هذه النوعية شديدة الخطورة من القراء؛ حتى يتسنى له أن يغير حالتها من الرفض والنفور إلى التأييد والإقناع، وليس أدل على ذلك من الخطابات اللغوية التي كان يستخدمها الأنبياء والرسل مع أقوامهم الرافضين لرسالة الإيمان والتوحيد؛ فالانتقال من مرتبة الكفر إلى مرتبة الإيمان لم يكن بالأمر الهين، هنا نستطيع أن نقول: إن الخطابات التي أوردها القرآن الكريم على لسان الرسل إلى أقوامهم تأتي متوافقة مع طبيعة المقام الذي كانوا يتعاملون معه.

فمن (محمد رسول الله) إلى (إن محمدًا رسول الله)  نرتقي أكثر وأكثر فنقول (والله إن محمدًا لرسول الله) أو (إن محمدًا لرسول الله)، وفي هذه النوعية الثالثة من الأخبار البليغة التي أطلق عليها العربي القديم مسمى (الخبر الإنكاري)  نحتاج إلى أكثر من مؤكد وليس واحدًا فقط؛ حتى يتسنى لنا أن نثقل النص بما يتناسب مع طبيعة الفئة التي تتلقى ما نقول.

- محمد رسول الله (هذا خبر ابتدائي).

- وإذا قلت: لمحمد رسول الله فهذا خبر طلبي.

- وإذا قلت: والله إن محمدًا لرسول الله  فهذا خبر إنكاري وصياغته تعطيني على الفور إلمامًا ودراية بطبيعة الفئة التي تتوجه إليها رسالتي الكلامية.

 ولقد أفاد الدرس النقدي الحديث من هذا الجهد الذي تم إنجازه في علم المعاني، عندما قام بمعالجة طبيعة الآليات الإقناعية الموجودة داخل النص اللغوي، هذه الأليات تنطلق وتفيد من أسلوب القسم وأدوات التوكيد التي تحدث عنها اللغوي القديم، لكنها أضافت أساليب أخرى للإقناع تجعل النص يندرج تحت ما يسمى (الخطاب الجدلي أو الحجاجي) مثل: الاستشهاد بالقرآن الكريم – بيت شعر – حكمة – أمثال  - أسلوب  التكرار – النزول إلى الواقع المعيش الذي يعلمه القارئ ويدرك ملابساته والإتيان بمواقف وحوادث وقعت فيه تقوي الرأي الذي يستند إليه المتكلم ويدعو إلى تبنيه.

          - صيغ التوكيد: إن، اللام، قد، لقد، أو توكيد النفي؛ كاستخدام لن مع الفعل المضارع، أو الباء المزيدة في خبر ما العاملة عمل ليس، مثل: "وما ربك بظلام للعبيد"،  ما محمد بكاهن، والجملة الاسمية، وقد مع الفعل الماضي، وأسلوب القصر بالتقديم والتأخير وبما وإلا.

- صيغ  التفسير: لذا – من ثم – لذلك – إذن – الاستعانة بمقدمات تؤدي إلى نتائج، وهذا يندرج تحت مفهوم الجدل الذي يركز على الالتقاء حول قضية مختلف عليها بين مؤيد ومعارض يكون الغرض في الغالب من هذا الالتقاء هو إظهار حجة أحد الطرفين على الآخر.

 من هذه النماذج التي تم الوقوف عندها يمكن أن نقيم ربطا بحثيًا وعلميًا قويًا بين هذه المرتبة الثالثة في الصياغة اللغوية التي أطلق عليها البلاغي التراثي مصطلح (الخبر الإنكاري) ومصطلح الجدل (Argumentation) في حقل الفلسفة؛ فإذا أردنا أن نبحث عن علة الصياغة اللغوية فإن قبلتنا هي المقام وطبيعة العقليات الساكنة فيه من حيث القبول أو الشك أو الرفض.

وهناك فن أدبي حديث يفيد من هذه الصلة؛ ألا وهو  فن المقال؛ فنجد أن هناك نوعية تسمى بالمقالات الجدلية التي يمكن دراستها والتعامل معها ونحن في وعينا مصطلح الخبر الإنكاري وما يتضمنه.

ملخص هذا الدرس إذًا نحدده في هذه الصيغة التساؤلية: كيف يلقي المتكلم رسالته النصية إلى المتلقي بطريقة تراعي وتناسب حال هذا الأخير؟

فإذا كان الغرض من الكلام الإفصاح والإظهار فإنه  يجب أن يكون المتكلم مع المخاطب كالطبيب مع المريض يشخص حالته ويعطيه ما يناسبها؛ فحق الكلام أن يكون بقدر الحاجة لا زائدًا عنها أو مغايرًا لما تتطلبه؛  لئلا يكون ناقصًا أو يكون عبثًا لا طائل منه، أو يخل بالغرض الرئيس له؛ ألا وهو (الإفصاح والبيان).

ومتلقي الكلام له ثلاث حالات:

1-    إما أن يكون خالي الذهن من الحكم وفي هذه الحال لا يؤكد له الكلام؛ لعدم الحاجة إلى التوكيد نحو (أخوك قادم) ويسمى هذا الضرب من الخبر ابتدائيًا.

2-    أن يكون مترددًا فهو في مرتبة أو لنقل منزلة بين المنزلتين: التأييد أو الخصومة لما يبثه إليه المرسل المتكلم؛ لذا يستحسن تأكيد الكلام الملقى إليه وتقوية الحكم؛ ليتمكن من نفسه ويطرح الخلاف وراء ظهره؛ نحو: إن الأمير منتصرٌ، ويسمى هذا الضرب من الخبر طلبيًا.

3-    أن يكون منكرًا للحكم الذي يراد إلقاؤه إليه، متصورًا خلافه فيجب تأكيد الكلام له بمؤكدين أو أكثر على حسب إنكاره قوة وضعفا نحو (والله إن أخاك لقادمٌ)

تنبيه:

قد يخرج الكلام عن الأضرب الثلاثة السابقة إخراجًا على مقتضى ظاهر الحال وقد تقتضي الأحوال العدول عن مقتضى الظاهر ويرد الكلام على خلافه لاعتبارات يلحظها المتكلم منها:

أ‌-    تنزيل العالِم بفائدة الخبر منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب علمه فيلقي إليه الخبر كما يلقى إلى الجاهل كقولك لمن يعلم وجوب الصلاة وهو لا يصلي (الصلاة واجبة).

ب‌-                 تنزيل خالي الزهن منزلة السائل المتردد إذا تقدم في الكلام ما يشير إلى حكم الخبر كقوله تعالى: "وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء"

ج- تنزيل الخالي  منزلة المنكر إذا ظهر عليه  شيء من أمارت الإنكار.

الرسالة الثالثة: ضوابط تتصل بمراتب الخبر الثلاثة

 

تخضع مراتب الخبر الثلاثة لأمرين:

 الأول: رؤية المتكلم الذي يريد أن يحسم فكرته مع القارئ أيا كان حاله (خالي الذهن أو شاك أو منكر رافض)  فيحاوره بأعلى أنماط الخبر المتاحة دون الوقوف أمام رتبته فقد يكون هذا المتلقي خالي الذهن لكنني أجد المتكلم يستخدم معه الأسلوب الخبري الطلبي أو الإنكاري هنا لابد أن نسأل لماذا ؟

 وجهة نظر المتكلم في هذا الشأن أنه قد يكون أمام مستمع خالي الذهن الآن وهو يسمعه لكنه ربما تخضع لوسائل تأثير تصله من مقامات كلامية أخرى قد تحوله من مرتبة الاقتناع بما قاله هذا المتكلم إلى مرتبة أخرى مخالفة أو مغايرة، هنا لابد أن نحتاط لأنفسنا؛ ومن ثم فإن ذلك يفسر لنا المرونة التي منحها البلاغي القديم لمستخدم الكلام

- الأمر الثاني: تعدد السياقات فقد يكون كلام المرسل منطويًا على وجهة نظر  واحدة تم تشكيلها بطريقة تناسب شريحة معينة من المتكلمين هي شريحة الرافضين مثلًا(الخبر الإنكاري) ويحتاج هذا المتكلم بعد مدة من الزمن مثلًا أن يعيد كلامه مرة أخرى لكن في مقام آخر ليس فيه هذه الفئة الرافضة فنجد أن المتكلم يلقيه بالطريقة نفسها دون حذف أو تغيير، وفي هذا الجو المشحون بالتردد أو الإنكار نجد أن استخدام أساليب الاستفهام من الوسائل التي تساعد على تنشيط ذهن القارئ للتفكير؛ ولنتوقف مثلًا عند قوله تعالى "أفي الله شك فاطر السموات والأرض".  إن النص القرآني هنا يخاطب هذه العقلية البعيدة عن الإيمان والتوحيد، لكنه يحترم العقل موطن التفكير في الإنسان، فعندما قال ربنا: فاطر السموات والأرض فإننا نجد أنفسنا أمام دعوة ضمنية إلى الرحلة من أجل التفكير والوصول، إلى المعرفة؛ فمن خلال فعل الرحلة في المفعول/المخلوق (السموات والأرض وما فيهن) ندرك الأثر الذي يدل على هذا الفاعل الذي الصانع لها جميعًا؛ ألا وهو الله، ولقد أدرك العربي القديم ساكن الصحراء هذه الصلة الحتمية بين الفعل والفاعل عندما قال (السير يدل على المسير والبعرة تدل على البعير؛ لسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج أولا يدل ذلك على الخالق ؟ إذن نجد أننا في استخدامنا للخطاب الإنكاري أمام أسلوب  الطلب القائم على الاستفهام أو الأمر الذي نجده في حوار إبراهيم مع قومه عندما قال لهم بعد أن  تساءلوا عن أصنامهم وما جرى لها " بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانو ينطقون"  إن الدعوة الإسلامية للمعرفة تضعنا أمام نظرية هي في الحقيقة دعوة أدواتها الأمر والأستفهام، ولقد أدرك البلاغي العربي هذه الرؤية فوضع لها مكانًا في أحد مباحث البلاغة وهو (علم المعاني).

 

الرسالة الرابعة: الأغراض التي يُلقى من أجلها الخبر

كلمة غرض تضعنا أمام الفلسفة، والفلسفة هاهنا تعني أن نبحث عن العلل والدوافع وراء قول الكلام، وهنا نجد أن البلاغة تقول لنا: إن لكل فعل بشري سواء أكان الكلام أم غير الكلام علة تقف وارءه، إذًا لو أردنا أن نضع تصنيفًا بيانيًا لمنظومة الكلام نجد أنفسنا أمام المخطط الآتي:

    مرسل               الكلام                 المتلقي             النتيجة

           
     
         
 

 دافع راسل         رسالة/مفعول                المستقبل       الغاية المرجو حصولها في سياق زماني ومكاني واقعي 

ومن الغرض ننتقل إلى نوعين من الخبر يحددهما حال المتلقي من حيث العلم وعدم العلم.

-       النوعية الأولى: هي الكلام الذي يقال لشخصية تجهله ومن ثم فإنني أعطيه معرفة جديدة أو معلومة جديدة، وهذا الكلام إما يحتمل الصدق وإما يحتمل الكذب فهو إما أن يكون حقيقة قد حدثت بالفعل أو ليس بحقيقة، هنا نجد أنفسنا امام مفهومين (الكذب  والخيال) وفرق كبير بين الاثنين؛ بين الكذب بالمعنى الديني والأخلاقي، والخيال بالمعنى الأدبي، وهنا نتساءل: هل  الأديب الذي يتحدث إلى البحر قائلًا:

-      شاك إلى البحر اضطراب خواطري          فيجيبني برياحه الهوجاء 

 ويحاور الصخر بقوله: فليت لي قلبا كهذه الصخرة الصماء شخصية كاذبة أم صاحبة مخيلة تجذب القاريء إليها فتحاول أن تحدث فيه أثرًا إمتاعيًا وذهنيًا؟ البلاغي القديم يقول لنا: إن مسألة الصدق والكذب في مصطلح الخبر تحتاج إلى وقفة، هذه الوقفة تفصيلها الآتي:

-       الصدق التاريخي: ما يقوله المتكلم وقد حدث بالفعل وأن يأتي الكلام مطابقًا للواقع.

-       الصدق الفني: هو مجال اهتمام معظم الأدباء على اختلاف الفنون الأربعة التي يشغلون أنفسهم بها من شعر وقصة ورواية ومقال ومسرحية، ويعني هذا المصطلح أن يكون ما يتحدث عنه الأديب لم يحدث فعلًا لكنه ممكن الوقوع وهو ما يجعل العقل يصدقه، ولعلنا في عامنا الماضي قد أخذنا مصطلح (الخبر القصصي) فمن يفتح كتب التراث القديمة مثل الأغاني للأصفهاني والكامل في التاريخ لابن الأثير والعقد الفريد لابن عبد ربه، والاعتبار لأسامة بن منقذ، وأخبار الحمقى والمغفلين (لابن الجوزي) يجد أنها ملأى بهذه النوعية من الأخبار التي تحتمل الصدق وتحتمل الكذب، والكذب هاهنا بالمعنى الفني وليس بالمعنى الديني والأخلاقي؛ فقد يكون ما تقرؤه خيالًا لكنه يعطينا قيمة دلالية معينة؛ ولنقرأ جيمعًا كتاب المكافأة وحسن العقبى لابن الداية المصري؛ فتحت مصطلح (الصدق الفني) نستطيع أن نقول: إن الفن بصفة عامة هو نقل الواقع ولكن بطريقة تميز الوجه الجمالي للأدب؛ فالأديب لا ينقل الواقع بشكل حرفي (لا ينسخه) بل ينقله بطريقة تعطي لخياله مساحة يتحرك فيها حتى يُخضع ما في دنيا الناس لما يراه. والصدق الفني وفق هذه الرؤية يقودنا بلا شك إلى هذا المصطلح الأثير الذي انطلق من حقل الفلسفة اليونانية إلى آفاق الدرس الأدبي على مر العصور؛ ألا وهو مصطلح المحاكاة الذي قال به أرسطو قديمًا.

وفي القرن التاسع عشر ظهر اتجاه في الدرس الأدبي يغازل سياق الواقع عبر المنتج الأدبي؛ ألا وهو الاتجاه الواقعي على يد الأديب الفرنسي بلزاك في أواخر ذلك القرن، وقد صار لهذا التيار مبادئه ومريدوه بعد ذلك.

-       الصدق الأخلاقي:  أن يأتي النص على مستوى الدلالة متسقًا مع النسق القيمي: الديني والاجتماعي الذي تخضع لسلطانه الجماعة، ولعل منطوق عنترة بن شداد في الجاهلية دليل على ذلك؛ فبفضله تحدث النبي صلى الله عليه وسلم إلى نفر من صحابته عن شاعر في الجاهلية تمنى لو رآه؛ ألا وهو عنترة، هذا المنطوق هو:

-       وأغض طرفي ما بدت لي جارتي       حتى يواري جارتي مأواها

إن العربي الجاهلي على الرغم من غياب العقيدة السليمة عنه فقد وضع لنفسه حزمة من القوانين الأخلاقية، وقد رأى أن يخضع لها، وقد جاء الإسلام ليثبتها قال – صلى الله عليه وسلم – " خياركم في الجاهلية  خياركم في  الإسلام إذا فقهوا " فأثبت ديننا الحنيف أن في الجاهلية خيرية فلم يلغها ولم يتجاوزها، إن عنترة هاهنا يقدم صدقًا أخلاقيًا، لكنَّ عملًا أدبيًا مثل (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ يمكن القول عنه: إنه يغيب عنه الصدق الأخلاقي لما فيه من شطحات خيالية وصلت به إلى مناط زلل لتعارضها مع ثوابت العقيدة، ولعل شخصية الجبلاوي في الرواية هي المحك الذي ننطلق منه في وقوفنا على هذا التعارض وفق إحدى القراءات التأويلية للعمل التي تطعن فيه من بوابة شخصية الجبلاوي، في حين ترى قراءات تأويلية أخرى خلاف ذلك، فالجبلاوي قالب فني تتشخص من خلاله مسألة العقيدة ودورها ووجودها وعلاقة الناس بها وتأثرهم بها حضورًا وغيابًا.

-      الوهم أو السحرية: وتعني تجاوز الكلام حدود التاريخ والمعقول (الصدق الفني) إلى اللا معقول، وهي درجة بالغة في سلم الخيال تقتضي هذه التسمية(الوهم)؛ إن هذا اتجاه في الفن يعبر عن الواقع باستخدام درجة عالية جدًا من درجات الخيال لا يصدقها العقل ولعلنا إذا قرأنا كثيرًا من قصص هذه الموسوعة الحكائية العربية المسماة (ألف ليلة وليلة) ومثلها رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، والتوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي نجد هذا الوهم حاضرًا ويطلق عليه الآن الواقعية السحرية، وفي الدرس الأدبي الحديث ظهر رافدان ينتميان إلى هذا المصطلح، هما السريالية(تيار العبث في الأدب، رائده في أروبا صمويل بريخت) والواقعية السحرية، رائدها في أمريكا اللاتينية جابرييل جارثيا ماركيز صاحب روايتي: مائة عام من العزلة،  والحب في زمن الكوليرا  وإذا أردنا أن نقف بشكل عملي على هذا الوهم يمكننا أن نقرأ عددًا من أعمال الأديب المصري فؤاد قنديل فله رواية شهيرة اسمها روح محبات بطلها ديك يقع في غرامه كثير من نساء القرية. 

إن كل ما سبق الخوض فيه يندرج تحت النوع الأول من الخبر الذي يتم تصنيفه في علم المعاني بناءً على قدرة راسله على توصيل مضمون معرفي ليس للمرسل إليه (القارئ) دراية به. أما الصنف الثاني فهو لازم الفائدة:

-       النوعية الثانية: لازم الفائدة: نحن أمام خبر يحتمل الصدق والكذب أيضًا، لكننا نقوله لشخص يعرفه وذلك هو الفرق بينه وبين النوع الأول، ونسأل  أنفسنا سؤالًا ما دام كلامي يقال لشخص يعرفه فلماذا أقوله في الأصل ؟ هنا يقول لنا البلاغي القديم إن هناك أغراضًا لهذا، منها:

أ‌-    إظهار الضعف: ولنستمع معًا إلى قول زكريا عليه السلام " ربِّ إنِّي وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبًا " إن زكريا يخاطب عليمًا لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ولكنه يظهر التذلل والخشوع أمام خالقه ويبغي من وراء ذلك مأربًا، هذا المأرب الذي نكتشفه في موطن آخر عندما قال داعيًا ربه: "ربِّ لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين"، هنا نكتشف أن للكلام معنيين: معنى مباشر نفهمه منه للوهلة الأولى، ومعنى آخر بعيد يحتاج إلى عين لاحظة تستطيع التقاطه، هذا المعنى هو في الحقيقة المغزى والفلسفة التي تقف وراء القول سواء أكان منطوقًا أم مكتوبًا.

ب‌-         إظهار الشكوى: نتوقف عند قول زوجة عمران مخاطبة ربها قائلة:  "ربِّ إني وضعتُها أنثى والله أعلم بما وضعت" إنها تظهر ألمها وشكواها من أن المولود لم يكن ذكرًا لقد كانت تريد أن تسخره لخدمة بيت المقدس ولم يكن مناسبًا لهذه المهمة الجليلة إلا الذكور، لكنها تقول بما يشبه  الاعتذار أنها أنثى: فقال تعالى  "والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى"

ج- التأكيد لأمر واقع بالفعل: نجده في قول ربنا " قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا"  النبي – صلى الله عليه وسلم – قال ذلك وهو يكسر الأصنام يوم الفتح، ألم يكن أصحابه الفاتحون يعلمون أن الفتح قد جاء؟! لكن النبي يؤكد هذه الحقيقة التي طالما دعا إليها منذ أن بعثه الله برسالة الإسلام.

د- تحفيز المتلقي للقيام بعمل معين: ولعنا نلمس ذلك في حديث من أحاديث النبي – صلى الله عليه وسلم – قال عليه الصلاة والسلام: "إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا"  فالنبي يحفز همم أصحابه لتحري الصدق دائمًا.

إن لازم الفائدة كلام يحتاج منا إلى البحث في فلسفته؛ أي في المعنى العميق الكامن وراء قوله؛ هنا نجد أنفسنا مع عبد القاهر الجرجاني الذي حدثنا عن معنيين للكلام: معنى أول يلتقطه ويكتفي به القارئ العادي، ومعنى ثانٍ أكثر عمقًا يمكننا أن نسميه بالمعنى الثقافي، وهذا يحتاج إلى عقليات معينة تفهم النص وما حوله من ظروف وأحوال تساعدها في الإمساك بهذا المعنى الثاني، ويمكن القول إن أهمية هذا الأخير تتجلى في أنه يعطي للكاتب مساحة من المراوغة أو الذكاء فلا يعبر عن مشاعره بطريقة صريحة وإنما بالرمز فلا يضع نفسه تحت سياق واقعي ضاغط، ويجعل المعنى على طبقتين: طبقة أولى غير مقصوده وطبقة أخرى يفهمها الذكي؛ ففي حكاية (الخوف) التي مثلت فيلمًا بطولة شادية ومحمود مرسي – على سبيل المثال – نجد أن شخصية عتريس فيها تخفي وراءها واقعًا عانت مصر منه كثيرًا هو الواقع السياسي والاجتماعي في فترة حكم جمال عبد الناصر، وشخصية عتريس هي شخصية جمال عبد الناصر في الواقع، وإذا قرأنا مسرحية السلطان الحائر لتوفيق الحكيم نجد أنه يستلهم في هذه المسرحية النص التاريخي القديم الذي فيه العز بن عبد السلام الذي يطلب من الملك الصالح نجم الدين أيوب أن يبيع وأن يترك الذين يعاونونه من المماليك؛ لأن المملوك لا يحكم حرًا، والبيع هاهنا ليس  بالمعنى الحقيقي بل أن تتعلم أولًا كيفية حكم الشعوب قبل أن تملك زمام أمرها، بعض الأذكياء وضع تحت الحاء نقطة فأصبحت (السلطان الجائر) بدلًا من السلطان الحائر إسقاطًا على السياق السياسي والاجتماعي في حقبة الخمسينيات فترة ظهور هذا العمل للحكيم.

وفي  الدرس النقدي الأدبي الحديث نجد أنفسنا أمام مصطلحين:

1- الدلالة الذاتية (المعنى المباشر).

       2- الدلالة الإيحائية (المعنى غير المباشر).

إذًا فإن لازم الفائدة من هذا الجانب يدفعنا إلى تجاوز بناية النص الظاهرة وصولًا إلى ما يسمى في أدبيات النظرية السردية الحديثة بـ(ما وراء القص/Metafiction) أي الوقوف على هذا السياق الأمومي الذي يعد بمثابة الرحم الحاضن الذي من شأنه التأثير عملية في الخروج بالمنتج النصي على هيئة بعينها دون غيرها؛ إن المبدع في عمله يتحرك وفي وعيه قارئ مثالي ذو مواصفات تؤهله لبلوغ الغاية في التعامل التأويلي مع منتج المبدع؛ ومن ثم فإن تصنيف المادة الكلامية من حيث كونها خبرًا يقدم جديدًا للمتلقي أو من حيث كونها لازم فائدة يتوقف على هذا النشاط الموازي الذي يقوم به هذا الأخير في علاقته برسالة الكاتب؛ فربما كانت بداية النص خبرًا، ثم ما يلبث بعد انتهاء عملية التلقي أن يصير لازم فائدة بناءً على قدرة القارئ على الوقوف على الميتا قصة أو ما وراء القصة المحيط بخروجه والارتفاع منه إلى قيم دلالية عامة تسمو فوق المكوناتها الدلالية للقصة التي تتسم بطابع محلي زماني ومكاني ضيق ومحدود.

 

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب