نظرات في ديوان "لو تطلبين العمر" للشاعر الدكتور بسيم عبد العظيم
كتب   ▪ بتاريخ 12/04/2022 12:47 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 123

د. أحمد الجبوري - العراق

 

بين الفترة والأخرى أُصادفُ في مملكة الشعر والشعراء ما يشدني من الأعماق، ولا أعرف السبب والعلة الكامنة خلف ذلك، إلى درجة أن بعض الأبيات تفقدُني الشعور بكل شيء من حولي. ورغم أنه في النثر وفي الرواية وفي فنون الأدب عموما ما يأخُذ الإنسان إلى دنيا الانصهار هذه، لكن شخصيا لا تنتابني هذه النوبات من الإذعان المطلق إلا للشعر والشعراء فقط.

بسم عبدالعظيموأكثر ما يثير في أعماقي الشعور بالكلمات وهي تهطل من أعالي كينونتها لتندمج معها كل جوارحي، هي تلك الكلمات التي من خلالها أنظرُ للشاعر بأبسط تفاصيلهِ وحركاتهِ وسكناتهِ، فأدخل في حوار معهُ وأستنطقهُ لينطق وليُفصح عن مكنونات نفسهِ حينما كتب تلك الأبيات، وبأي شيء كان يشعرُ حينها. كل هذا يحدث والشاعر لا يدري أن هناك من يبعثر أشلاء قصائدهِ في تلك اللحظات، وغالبا ما أحاول أن أقتنص الثغرات والهفوات لإيماني أن النقد مسؤولية تحتم عليَّ أن أكشف مواطن الخلل، قبل أن أُهيبَ بجماليات النص وإمكانية الشاعر، ولكن دائما كان هناك من يكسر قواعدي هذه ليأتي بشيءٍ يشبه السحر فلا أجد مفراً من التسليم له والانقياد لحروفهِ ومن بين هؤلاء الشعراء وتلك القصائد.. هو الدكتور الشاعر بسيم عبد العظيم، وديوانه الموسوم بـ(لو تطلبين العمر).

يقول شاعرنا:

لو تطلبين العمـرَ مهر لقائنا = لبذلته طوعـــا ولستُ بخـاسـر

ولا أرَى جوابا شافيا على سؤالي الذي طرحتهُ على نفسي.. هل هذا معقول؟

لم أجد جوابا شافيا غير.. ولمَ لا؟! لمَ لا يصل الشاعر لهذا المستوى الإنساني الراقي؟ لمَ لا؟!.

وعندما سبرتُ أغوار ديوان شاعرنا تحول هذا الجواب إلى يقين قطعي لا يقبل الشك، وهو أنني أمام.. أب.. وأخ.. وزوج.. وصديق.. وزميل.. ومربٍّ. وأستاذ؛ يستخدم الشعر وسيلة للتعبير عن علاقاتهِ بأسرها، وهو مع كل هذه الرومانسية والود والصفاء والنقاء؛ لا يُخفي انفعالات العربي المسلم، الذي ينتظر بارقة أمل تلوح في أفق أمته التي أعياها الركود، وأرهقها التفكك، وتزاحمت حولها النكبات، فعرجت به أمواج العاطفة المتلاطمة أن يوجه أكثر من نداء في ليل التيهِ هذا إلى الشباب:

يـا شبـاب الـدين سيــــروا = في ظـلال الــديـن نــــــور

في سبيل الله ضحـــــــوا = فـي سبيـل الله ثــــــــوروا

ومـا هو الشعر؟

ومـا هـو الشعر إن لم يبعث في نفوس شباب الأمة الهمة؟ وما هو الشعر غير تبجيل وتقديس لقطرات الدم المتراقص على الأسنة؟

شاعرنا لا يخفي تمرده على بعض الذين رأى أنهم تخلوا عن قضية الأمة الكُبرى (القدس)، فقال يصفهم بما يستحقون:

خلوا جهاد العدا فالذل لازمهـــم = قـد جـاءهـم مـن رسـول الله إنذار

إليك أشكـو رسول الله شــــرذمة = والـوا (يهـود) فهـم للكفر أصهــار

واستنصروا بالنصارى ضد إخـوتهـم = من هول خزيهمُ أهل الحجا حــــاروا

ويكمل الشاعر في هذه القصيدة التي عنونها بـ( يا ليلة العيد) استنهاضه للتاريخ وذكر ملاحم أسلافنا الماضين.

إن شاعراً يسخر القصيدة للكفاح المقدس عن مقدرات الشعب والوطن والأمة والدين، جدير بأن يقال له: (مقاتل)، فهو يعلم علم اليقين، ومع بالغ الأسف أن القصائد التي لها هذا الطابع ليست بذات رواج في سوقنا هذه الأيام مع بالغ الحزن والنكبة والانتكاسة.

وغالبا ما يقال عن قائلها: إنه يتكلم بطوبائية ونرجسية، بخلاف الرائج في يومنا من كلام غالبا ما يكون عن العشق، لكن هو أبعد ما يكون عنه، ولا يملك طعما ولا لونا ولا رائحة.

وهنا أتكلم عن الشاعر بمفهومه العام.

على الرغم من أن الشاعر يعلم أن قصائدة هذه لن تجد رواجا كبيرا.. ولكن؟

وإن لم تجد الرواج، وإن لم يقرأها أحد من المتلقين بتاتاً، وإن لم يطلع عليها حتى الذين يتوخى الشاعر مخاطبتهم بها.. ماذا يعني؟

ما دام هناك ربٌّ ينظر لفعل الإنسان وما يقدم وما يلوح في أفق قلبه المفعم بالإيمان بالله، ماذا يعني إن لم تلق رواجا كافيا..!؟ لا يعني شيئا أبدا.

فيقول شاعرنا في إحدى قصائد هذا الديوان بعنوان (حفيد الفاتحين)، وقد أهداها للمرابطين في بيت المقدس:

إذا صار الغراب دليل قــوم = فبئس القوم إن تبعوا الدليــــلا

ألا فاضرب بسيفك كل وغـد = كفـور غـاصـب يأبـــى الرحيـلا

فقتل في سبيل الله فـــوز = ومن أهـدى من الرحمن قيـــلا

وكن كالشمس تشرق كل يوم = لخير الناس قد عافت أفـــــولا

إذا انصهـرت عزائمنا بحـــب = عصــي الأمـــر نلقـــاه ذلــولا

ونقهـر بالمحبـة شـانئينـــا = ونلقـى عنـد خـالقنــا قبــــولا

أرى الأقصـى يطالعنا حزينا = براه الشوق لم يشـف الـــغليـلا

يرى الباغي الظلوم يتيه فخرا = بساحته ويـــوسـعـه كبـــــــولا

ألا يـا أمــة المليـار هبــــوا = لكســر القيـد كي نرضي الرسولا

ما أشبه اليوم بالأمس!.. وما أشبه الشعراء بعضهم ببعض!.. تذكرت وأنا أقرأ أبيات بسيم عبد العظيم، قصيدة حسان بن ثابت في فتح مكة التي مطلعها:

عـدمنـا خيلنـا إن لم تـروهــا = تثيـر النقـع مـوعدهــــا كـــداءُ

إن شاعرنا بسيم عبد العظيم رغم هذه اللغة المفعمة بالذوبان في الإسلام والعروبة الخالصين النقيين من شوائب المداهنة والمواربة؛ لم يحجم عن ذكر انتمائهِ لبلدهِ مصر، بل أهدى الديوان كله لها، وكم قرأتُ عبارات لها رونق في بدايات الدواوين.. لكن كانت عبارة شاعرنا وهو يهدي ديوانه لمصر: (ابنك بسيم) ملؤها الإخلاص والصدق وتضج بالرومانسية والحب والوفاء، وشتان بين كلام طويل لا صدق فيه.. وبين كلمة أو اثنتين تخرجان من الأعماق وبكل صدق، فشعرت بكل كياني أنه كان صادقاً في حبه ووفائه.

ويقول بسيم:

تهـب الريـاح ولا مهــرب = فأرض الكنانة لا تلعــب

ومصر الكنانة تاريخهـــا = ينابيع تعطــي ولا تنضب

إلى أن يقـول:

ومـا شعـب مصـر سوى قصـــة = بأقــلام أمجــادنـــا تكتــــــب

وتابع صادحا بانتمائه في عدة مواطن من الديوان وبعدة قصائد.. شباب النيل.. لمصر انتمائي.. لك الله يا مصر... إلى آخره.

إن إيقاظ الحمية في النفوس فن لا يقدر عليه إلا من تملكته الحمية والغيرة حتى ترجمها شعراً، أو قذفها من فمه كالنار نثراً، أو وقف بها خطيبا، أو انبرى للدفاع عنها مجيبا.

وكم سمعنا وشهدنا على مناقضات الشعراء، وهجائهم فيما بينهم، ولكن أغلب ما سمعناه وما شهدناه، كان بسواده الأعظم محض افتراءات ينبذها كل طرف على الآخر. وهذا لا يعني أنه بين الفينة والفينة يُجبر الشاعر على رد لم يكن له بد من الإقدام عليه، وكان لشاعرنا هنا صولة، بقصيدة أسماها (الدامغة الصغرى)، وعقب بالقول (أبلغ البيان في الرد على مفلوت اللسان) نقتطف منها:

تكذبــنا ولسـت بأهل صـدق = فكاذبنا لصادقنـــا الفــــــداءُ

تقابلني فتضحك ملء شدق = وما علمـي بمـا جــن الخفـاءُ

وينبري للدفاع عن أقرانه فيها:

ونازكة المــلائــــــــــــــــــك تشتكــيكــم = هجـوتـم شعرهــا ولهــا ابتــداءُ

و"شوشة" ليس يعجبكم فقل لي = بربك إن قولك ذا عـــــــــــــواءُ

إن إيمان شاعرنا المطلق بأن الشعر قضية تحمل آهات المجتمع، وأنه رسالة يجب أن يبلغها من تهيأت له فرصة التبليغ بها دفاعاً عن لغته وعن حرفته التي يحترف وهي الشعر ولا شيء آخر واضح للعيان.

في كثير من الأحيان يحاول البعض أن يختفي وراء النص لدواعٍ غالبا تكون شخصية وبغض النظر عن رأيي الشخصي في هذا الأمر، وجدت أن بسيم عبد العظيم من الوضوح بمكان بحيث لا يترك احتمالات كثيرة أو تأويلات عديدة لنصوصه عندما يقدمها للقارئ، فتراه يحجم إن كان مقام الإحجام، ويقدم إن كان مقام الإقدام، ولا يترك الأمور تذهب للتأويل أبداً، فهو إما يتكلم عن أمر ما أو لا يتكلم. وهذا من أروع ما يكون عند أهل الألباب وذوي الحجا.

إن الأدوات التي استخدمها شاعرنا في كتابة ديوانه كانت مختلفة، وبما أن الاختلاف سنة وجودية لا مناص منها، كان الشاعر يدرك هذا، فترك بصمته الشخصية واضحة، وأسلوبه في تناول المواضيع وابتدائها وختامها. فبسيم عبد العظيم يراعي الوضوح والمقصد.

 وهنا يجب أن أقول: إن بعض الشعراء أخذهم مركب الألفاظ المؤنقة، والصور المركبة إلى مسافات تلاشى معها المقصد، كما اضمحلت الغاية المتوخاة من القصيدة في زحمة الاستعارات والكنايات، وركوب التشبيهات، وكل هذا أسهم في بزوغ فجر لقصيدة لا نعرف (نسبها) في كثير من الأحيان.

وإن رجعنا الآن لشاعرنا بسيم عبد العظيم نجد أنه مع إصراره على متابعة أسلافه الشعراء، في علم المعاني، والبيان، والبديع، وحرصه على إيراد التجريد، والمشاكلة، والمزاوجة، والطي والنشر، والتوجيه، والمغايرة، والجمع مع التقسيم، والجمع مع التفريق، والتفريع والاستتباع، وحرصه كذلك على المحسنات اللفظية من الازدواج، والترصيع، والتشريع، والمواربة، والتسميط، والاكتفاء، والتطريز.

رغم حرصه على استخدام كل هذه الأدوات لكنه في نفس الوقت أبقى المراد من الكلام واضحاً وضوح الشمس، فأضفى على القصيدة طابعا ورونقا وعطرا خاصا به. وهذا يكفي أن يكون إنجازاً لشاعرنا.

إن أغلب قصائد ديوان (لو تطلبين العمر) كانت من البحور الأكثر شيوعا في موروث العرب الأدبي، وقد اعتمد شاعرنا على الكامل والوافر والبسيط في صياغة قصائده مع الإبقاء على الأرمال والأرجاز والمجازيء.

إنني مؤمن بلزوم التجديد في أدوات النقد، وانطلاقا من اجتهاداتي الشخصية، أحاول دائما أن أسلك طرقا عذراء لم تصل لها ولم تسلط عليها الأضواء، وفي تتبعي لقصائد بسيم عبد العظيم لم يختلف الوضع بتاتا، فذهبت إلى تجريد بعض النصوص التي وجدت الشاعر فيها يكشف انفعالاته بوضوح في خضم إرهاصاتها وجذبها وأخذها له.

ولعل أكثر شيء يؤخذ على شاعرنا هو انصهاره التام في الآخر ونسيانه للأنا. إن الشعر منذ القدم كان وسيلة للتعبير عن خلجات النفس وأفراحها وأتراحها، وما تشعر به من وجع ومن هم تارة، ومن غبطة وسرور تارة أخرى، لكن مع الأسف وجدت أن شاعرنا لم يقدم لنا كمتلقين، لم يقدم لنا بسيم عبد العظيم، بشكل واضح أبداً، ولم يسهب في التكلم عن هذا (البسيم) كثيرا، وأنا أزعم أن أكثر ما يشد المتلقي هو شاعر يتكلم عن نفسه، وأكثر شاعرنا كذلك من التهاني والمراسلات ولكن شعرا، وفي الواقع مثل هذه المراسلات والتهاني تكون أكثر أناقة إن نثرت نثرا.. حتى يبقى للشعر خاصيته التي تسالمت عليها أجيال الشعراء.

وأخيرًا؛ لقد أتحفنا شاعرنا بسيم عبد العظيم برصيد إضافي يضاف لمملكة الشعر العربي، وأمتع أسماعنا بما جادت به قريحته.. فجزاه الله عنا وعن متذوقي الشعر.. خير الجزاء.

 

 

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب