مع ديوان هذه مملكتي للشاعر أسامة الخريبي
كتب  شمس الدين درمش ▪ بتاريخ 13/04/2022 10:40 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 123

 

 

 

"هذه مملكتي" ديوان جديد للشاعر المتألق أسامة كامل الخريبي، وقد سبقه ديوان "لماذا نحبه؟" الذي خصصه للرسول صلى الله عليه، وصدر له عن رابطة الأدب الإسلامي العالمية ديوان "شدو الغرباء". وأسامة الخريبي شاعر يمتلك الكلمة الهادفة المعبرة عن الذات في أشواقه وآماله وآلامه، ويعبر عن الآخرين أفراداً وجماعات في صلته بهم إنسانياً واجتماعياً ووطنياً، وقبل كل ذلك يعبر عن إيمانه بالله سبحانه وتعالى، وعبوديته له، وعن محبته للرسول صلى الله عليه وسلم، واتخاذه أسوة، والاهتداء بهديه، حتى فاضت شوقه إليه فأخرج ذلك الديوان الجميل: لماذا نحبه؟

ولنعد إلى مملكة الشاعر الخريبي، هذه مملكتي!.. فما مملكته؟

الشاعر يعرفنا بمملكته فيقول:

ملك أنا بين الرياض أجول = تحنو علي حدائق وحقول

ويضمني الليمون بين جفونه = فأنام في أحضانه وأقيل

تهتز ألوان الطيور بمعطفي = وتضوع من مسك بها فأميل

في هذه الأبيات الثلاثة رسم الشاعر المحيط الذي يضمه، وكأنه بذلك يصور لنا بوابة هذه المملكة الرائعة، فالشاعر محاط بالرياض، يتجول فيها، والحدائق والحقول تحنو عليه مودة ورحمة، أو شفقة ورأفة، ويضمه الليمون في أجفانه، ويا له من مكان ينام فيه الشاعر ويقيل!.. والزهور بألوانها الخلابة تضوع بأريجها فتملأ محيط الشاعر، فيتمايل طرباً وأنساً ورضاً في هذا الجو الذي بالكاد يستطيع المرء وصف صورته الشكلية المرئية.

ونلاحظ أن الشاعر أسند الأفعال في الأبيات إلى ما حوله من عناصر الطبيعة، مثل: (تحنو علي حدائق، يضمني الليمون، تهتز ألوان الزهور، وتضوع من مسك)، والأفعال التي أسندها إلى نفسه أفعال استجابة لما حوله: (فأنام في أحضانه وأقيل، فأميل)، وبعد هذه الافتتاحية ينتقل إلى أسلوب آخر فيسند الأفعال إلى نفسه متكلماً بتاء الفاعل -كما يقال في علم النحو-، فلنقرأ أبياته، ولنرهف السمع إلى شاعرنا الجميل:

خبأتُ في جيب الربيع قصائدي = يشدو بها العشاق حيث يجولوا

ونثرتُ في وهج الأصيل مشاعري = فأضاء منها كيف شاء أصيل

فصَّلتُ من سعف النخيل عباءة = ومشيتُ أرفعُ هامتي فتطول

ورسمتُ من صفو الجداول لوحة = مازال يلمع ضوؤها المصقول

وقبستُ من مرح الطيور قصيدة = مازال يعزف لحنها الجندول

سكنت أغاريد الطيور على فمي= فإذا صدحتُ صدى اللحون يسيل

فكأن تغريد البلابل منطقي = فأعيدُ ما غنت به وأقولُ

ففي هذا المقطع الثاني من القصيدة يفصح الشاعر عن أفعاله بعد دخول مملكته، من خلال الأفعال: (خبأت، نثرت، فصَّلت، مشيت، رسمت، قبست، صدحت، أرفع، أعيد، أقول)، وهي سبعة أفعال ماضية، وثلاثة أفعال مضارعة، هذه الأفعال عبرت عن مدى تجاوب الشاعر بعناصر مملكته الشعرية من الربيع، والأصيل، والنخيل، والجداول، والطيور، والبلابل، وقد رسم صوراً بصرية من خلال العناصر الصامتة، إذ يقول:

ونثرت في وهج الأصيل قصائدي= فأضاء منها كيف شاء أصيل)،

ويقول:

(فصَّلت من سعف النخيل عباءة= ومشيت أرفع هامتي فتطول

ويا لها من عباءة!.. وقوله:

(ورسمت من صفو الجداول لوحة= مازال يلمع ضوؤها المصقول)،

فهاهنا الصور بصرية ساكنة أو متحركة.

ولكن الشاعر مع العناصر الحية ذوات الأرواح من الطيور والبلابل يرسم صوراً صوتية، فيقول:

وقبست من مرح الطيور قصيدة = مازال يعزف لحنها الجندول

ويقول:

سكنت أغاريد الطيور على فمي= فإذا صدحت صدى اللحون يسيل

ويقول:

فكأن تغريد البلابل منطقي = فأعيد ما غنت به وأقول

وهنا يركز الشاعر على الصورة الصوتية بالإضافة إلى الصورة البصرية التي تصدر عنها تلك الأصوات الجميلة: (يعزف لحنها، أغاريد الطيور، صدحت، صدى اللحون، تغريد البلابل، غنت، أقول)، وكلمة (صدى) ترسم لنا التجاوب بين الشاعر ومواطني مملكته من الطيور والبلابل. كما يفاجئنا بالضوء المصقول، وهو جمع بين الملموس وما لا يلمس، وبسيلان صدى اللحون، حيث دمج المسموع بالمرئي!..

بعد هذين المقطعين اللذين صورا لنا التجاوب بين الشاعر ومحيطه في مملكته أخذاً وعطاء، يعود الشاعر فيستشعر كونه ملِكًا متوجاً، فيقول كما بدأ بيته الأول:

ملك أنا لا شأن لي بملوككم = فالشمس تغمر جبهتي والنيل

والبدر يعرفني ويعرف مشيتي = نجم تخبأ في التلال خجول

فإذا مشيت تناثرت في خطوتي = شهب السماء وضوؤها المعسول

وإذا جلست أحاط موطئ مقعدي = عرس لأطياف الزهور جميل

وإذا وقفت فللبلابل من يدي = وطن تحلق حوله وتجول

في هذا المقطع يتغير خطاب الشاعر الذي امتلأ بشعور عزة المُلْك، وأحس بهيبة السلطنة بين جنبيه، فأعاد القول: (ملك أنا)، وراح يتحدث عن نفسه، متعالياً على الملوك الذين ارتبطت ملكهم بالقوة المادية، في حين أن شاعرنا ملكه ملك معنوي، لذلك أتبعه بالقول: (لا شأن لي بملوككم)، فهم في واد وشاعرنا الملك في واد، وعالمه غير عالمهم، وآماله وطموحاته غير ما يأملون ويطمحون.

وأول مظهر عزة وكرامة لملكنا الشاعر، أو شاعرنا الملك (أن الشمس تغمر جبهته)، على عكس الملوك الآخرين الذين تعلو جباهَهم التاجُ الذهبي المرصع بالجواهر، وشتان ما بين الجبهتين! وقول الشاعر: (والنيلُ) فيه محذوف، ترك تقديره للمتلقي، فمياه النيل لا تغمر الجبهة، ولكنها تروي أراضيه، وتسقي حقوله ورياضه وحدائقه التي ذكرها في المقطع الأول. وهذا الحذف لفتة بلاغية موفقة.

ويتابع شاعرنا الملك فيخبرنا بعد الشمس عن القمر والنجم، فيقول:

والبدر يعرفني ويعرف مشيتي = نجم تخبأ في التلال خجول

وهذه صورة ليلية، وللشعراء مع البدر والنجم حكايات طويلة، وهي صورة تكمل الصورة النهارية التي ذكر فيها الشمس. والبيت بشطريه ضم صورتين منفصلتين، فالصورة الأولى متعلقة بالشاعر، وفيها يؤدي البدر شهادته عن الشاعر، في حين جاءت الصورة في الشطر الثاني منفصلة عن السياق، ولا علاقة لها بالشاعر، -مع جمالها مستقلة- والمتوقع في حس المتلقي أن يجري الشطر الثاني على غرار سابقه، فيضيف النجم شهادته إلى شهادة البدر، بدلاً من الاختباء الخجول خلف التلول، فيقول مثلاً: (والنجم ينظر مغرماً ويميل)،  أو (والنجم يرقب خطوتي ويميل)،

ويدِلُّ شاعرنا بمشيته الحرة العزيزة في مملكته، فيقول:

 فإذا مشيت تناثرت في خطوتي = شهب السماء وضوؤها المعسول

فهي إذاً مشية شاعرية، وكأنه يقصد في مشيته نظمه القصائد التي تسطع كالشهب في الليل بين البدر والنجم، ويلفت نظرنا في هذا البيت تعبير الضوء المعسول بعد وصفه سابقاً الضوء المصقول، فالشاعر يتجاوز المألوف الشائع في التعبيرات، وكأن شعوره بكونه ملكاً متوجاً يتيح له اتخاذ قرارات غير مألوفة في مملكته.

أما إذا جلس، فالأمر لا يختلف كثيراً، فيقول:

وإذا جلست أحاط موطئ مقعدي = عرس لأطياف الزهور جميل

وإذا توقف من غير جلوس، فهو في شأن آخر، يقول:

وإذا وقفت فللبلابل من يدي = وطن تحلق حوله وتجول

وعند ذلك يختلط الأمر علينا.. فهل ما نسمعه هو صوت الشاعر أم تغريد البلابل؟ أم أن ما نسمعه لحن صادر من كليهما؟

بعد هذا الفخر بالذات الشاعرة الحرة العزيزة المسالمة لمحيطه، والمتآلفة معه إلى حد الاندماج، يعود الشاعر إلى دعواه الأولى، دعوى السلطنة والملك في وطن شاعري لا يحلم به ملوك الأرض وسلاطينها وأباطرتها، ولا يمكنهم أن يصلوا إليه، فيجدد تأكيد كونه ملكاً، فيقول:

ملك أنا لا دخل لي بملوككم = لا العرش يغريني ولا التهويل

حتى وإن سكب النضار على الثرى= ومضى يحط بخطوتي ويشيل

ملك أنا فوق القلوب تربعت = لي نمنمات شرحها سيطول

ملك على عرش القصيد متوج = ويغيظني لو قيل ثَمَّ بديل

في هذه الأبيات نجد شاعرنا الملك في أوج شعوره بالعزة، يبدو ذلك من تكرار كلمة (ملك) ثلاث مرات في أربعة أبيات، وهو يشي بالحالة النفسية التي اكتنفته حين نظم هذه القصيدة، ويؤيد هذا المعنى الذي ذهبتُ إليه نفي الشاعر كل المغريات المعروفة والمألوفة في حياة ملوك الأرض، وفي طبيعة الإنسان من جاذبيات العرش والصولجان، والأبهة والهيلمان؛ التي عبر عنها بالتهويل، والمال الذي عبر عنه بالنضار وهو الذهب، فكل هذه المغريات لا يلتفت إليها، فهو ملك من نوع آخر، لا يعرفه الملوك العاديون ولا يشعرون به، فهو قد تربع فوق القلوب، وجلس على عرش القصيد متوجاً، ولا يرضى أن ينزل عن هذا العرش، ويغيظه أن يقال له: ثّمَّ بديل!..

وبعد هذه الدعوى المرتفعة الصوت، ونبرة الاعتزاز والافتخار في امتلاك عرش الشعر من غير منازع، يستمر الشاعر في تقديم دلائل استحقاقه هذا، فيقول:

شمُّوا قصيدتي التي أنشدتها= فبها عبير صادق ونبيل

ما زلت أطرب سمعكم بقصائدي = فتجيء في ثوب الربيع فصول

أنا للخيال خلقت يلهم منطقي = سر بأغوار النفوس نزيل

فالشاعر يقدم دليلاً عملياً محسوساً لبراعته، فيقول: (شمُّوا قصيدتي التي أنشدتها)، وهذا استدلال –ربما- جديد مبتكر في عالم الشعر، فالقصائد كانت تنشد فتسمع، ثم صارت تكتب وتقرأ، أما أن تشم فهذا استدلال غير مسبوق! على حد علمي.. فلقصائده عبير صادق، ولها إطراب للأسماع: (مازلت أطرب سمعكم بقصائدي)، وينتقل من حاسة السمع إلى حاسة البصر لإظهار أثر قصائده (فتجيء في ثوب الربيع فصول)، وهنا رسم لوحة مختلفة الألوان، الزمان ربيع، ولكنه يتضمن فصولاً، فهل قصد فصول السنة؟ وكيف يجتمع الخريف مع الربيع مثلاً؟ أم أنه قصد الربيع مقسماً إلى فصل أول، وثان، وثالث؟  وهكذا نجد كلمات الشاعر عميقة الأبعاد، ومتعددة الدلالات، ولأن الشاعر يعرف أن كلماته ستثير تساؤلات سامعيه وقارئيه، فهو يقول:

لا تعجبوا إن جئت أحمل جعبتي = ومشى الربيع بجانبي والنيل

وحملت فرشاتي ونبض أناملي = ومشيت أرسم زهره فيميل

وفتحت أسرار القلوب وقلَّما = فتحت قلوب بابها مقفول

فلسوف يذكرني زمان قادم = ما لم يحَكَّم ظالم وجهول

فيدفع ما يحصل من استغراب ودهشة، بالقول: لا تعجبوا!.. ليس من الماضي فقط، بل من القادم أيضاً، فهو يجيء حاملاً فرشاته وأنامله المبدعة ليرسم الزهر مائلاً في وضعية خاصة، أو أن القلوب والأبصار تميل إلى الزهر الذي رسمه، وسيرون أن الربيع والنيل يسيران بجانبه، وأنه يفتح قلوباً لا تسلم مفاتيحها عادة لكل من يريد الدخول، وسيترك الشاعر الملك آثاراً غائرة في ذاكرة الزمان القادم، يعرفها ويذكرها المنصفون، أما الظالم والجهول؛ فطالما أنكرا الحقيقة، وحاولا طمس معالمه.

وفي هذا المقطع الأخير أيضاً يثير الشاعر دهشتنا كما في شمِّ قصائده، فهو شاعر، ولكنه يحمل فرشاة ويرسم، فكما غيَّر أداة التلقي وأضاف حاسة الشم إلى حاسة البصر والسمع، فهنا يغير أداة الإرسال فيضيف فرشاة الرسام وألوانه إلى أداتي اللسان والقلم اللتين اعتاد الشعراء استعمالهما.

والقصيدة بعد كل ما سبق حافلة بالصور الخيالية، والعواطف المتأججة، والعبارات الأنيقة والجزلة، يطول بنا المقال إذا ذهبنا نستقصي ما فيها من معان وبيان وبديع.

وتلي قصيدة "هذه مملكتي" قصيدة أخرى لها ارتباط بها مبنى ومعنى بعنوان "هذه تخوم مملكتي"، فهي توحي من عنوانها أنها ترسم الإطار الشعري، أو الحدود التي يجول فيها الشاعر، فكلمة تخوم تعني الحدود للأرض، وهي عربية، وقد ورد في الشعر قول أحيحة بن الجلاح:

بُنَيَّ التخومَ لا تظلموها = إن ظلم التخوم ذو عقَّال)

ورُوِيَ قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ملعون من غير تخوم الأرض))،  وقال أبو عبيد: التخوم هنا الحدود والمعالم.

فشاعرنا "الملك" يرسم لنا حدود مملكته، فيقول:

 البدر والليل والأضواء تعرفني= وهدأة في سكون الليل تبتدر

وهذا المطلع ينقلنا إلى المتنبي من دون معاناة، ويذكرنا ببيته المشهور:

الخيل والليل والبيداء تعرفني = والسيف والرمح والقرطاس والقلم

والذي يرسم تخوم مملكة المتنبي الشعرية، غير أن شاعرنا الملك يرجح السلم على الحرب، ولا يحب إراقة الدماء، إلا دماء العاشعين، بنظرات الحور العين!. ويتابع قائلاً:

ونسمة من عبير البحر أبعثها = فتنتشي بعدها الأصداف والدرر

وقبسة من فتون السحر أقبسها = عند الغروب لجفن ملؤه حور

وهمسة من جمال اللحن أسكبها = في سمع غيداء أعيا سحرَها البشرُ

بعد المفردات اللفظية التي ذكرها الشاعر في تحديد تخوم شعره، يجمعها في قوله:

مرابع السحر في شعري وقافيتي = من الغروب على الأمواه تختصر

عوالم بعضها في قلب ذاكرتي = وبعضها في ثنايا اللون ينتشر

فكلمتا مرابع وعوالم تشيران إلى ما ذكره الشاعر في أبياته الأربعة السابقة، التي تشكل تخوم مملكته، وهي تخوم غير محصورة كما تخوم الأرض، وهل يحد الشاعر أحجار وأنهار، أو جبال وبحار!؟ فهذه المرابع والعوالم الممتدة بلا تخوم وسعها قلب الشاعر، فيقول:

هذي بقلبي وشرياني وحنجرتي = وتلك تسطع منها الروح والصور

والإشارة بهذي وتلك؛ تحتمل أن تكون إلى المرابع والعوالم في البيتين السابقين، أو إلى كل ما سبق من المفردات من البدر والليل والأضواء والنسمة والعبير والبحر والأصداف والدرر..، وغيرها.

ثم يتابع ذكر  التلال والعيون والنسيم والموج والنمنمات وكف حسناء وأغنيات بلون الشمس والقمر، وهي مفردات مرادفات لما سبق، أو مؤكدات لها، لينهي بعدها قصيدة التخوم بثلاثة أبيات، يذكر فيها كلمة تخوم، وكأنه يختم ويجمع أطراف مملكته، فيقول:

تخوم شعري أمان لا حدود لها = فليس يدرك مغزى سرها البشر

زوارقي البيض مازالت مجنحة = ولمعة الماء في العينين تنتظر

ونجده هنا يستخدم كلمة "شعري" بدلاً من كلمة "مملكتي" كما ورد في العنوان، وهذا يجعلنا أن ننقل هذا إلى العنوان في القصيدة السابقة "هذه مملكتي"، فنقول: "هذا شعري"، ونقرر أن مملكته شعره، أو أن شعره مملكته على السواء، والشطر الأول من البيت التالي: (زوارقي البيض مازالت مجنحة) صورة بصرية جميلة ملونة بزرقة البحر والسماء، وبياض الأشرعة تخفق بها الرياح فتطير، أو تسير كالطيران!..

أما الشطر الثاني: (ولمعة الماء في العينين تنتظر)، فمعنى من لون آخر، أحدث فيَّ انكساراً، فالصورة الواسعة سعة الأفق في الشطر الأول قابلتها صورة مؤطرة بدمعة حزنِ مفارقٍ، أو يتيمٍ، أو ثكلى، تترقرق متلألئة متعلقة بالأهداب لا تريد مفارقة نبعها. 

ويأتي البيت الخاتم لقصيدة التخوم مطابقاً لما قبله شطراً بشطرٍ، فيقول:

(متى تحلق أفكاري وأخيلتي!؟) وكأنه يعبر عن سابقه: (زوارقي البيض مازالت مجنحة)، ليعيدنا بسؤاله المفعم بالحيرة والقلق والمعاناة، إلى مراجعة كل ما قاله عن مملكته وتخومها، ويجعلنا ننظر إليه بكثير من الإشفاق والألم، ونسأله: ماذا كنا نفعل معك في جولتنا برياضك وحدائقك وحقولك يا أيها الشاعر الملك!؟

ويجيء الشطر الثاني (ومن يفك وثاقاً أيها القدر؟)، وكأنه يعبر عن سابقه (ولمعة الماء في العينين تنتظر)؛ لنشعر أيضاً أن ملكنا الشاعر، أو شاعرنا الملك مأسور طليق، أو حزين سالٍ، كما عبر أبو فراس الحمداني يوماً وهو موثق في القسطنطينية يخاطب حمامة من كوة السجن!..

أيضحك مأسور وتبكي طليقة= ويسكت محزون ويندب سالي!؟

أو كما قال المعري:

أبكت تلكم الحمامة أم غنت على فرع غصنها الميَّاد؟

وكلهم في حيرة من أمرهم.

نعود مع شاعرنا الملك في قصيدة ثالثة بعنوان "زيارة لمملكة الحسن"، وهذه الزيارة تؤكد ارتباط الشاعر بمملكته ارتباطاً وثيقاً، وكما مر بنا في القصيدة الأولى أن لمملكته مدخلاً أو باباً ينبغي الوقوف عنده، والاستئذان في الدخول، ويا لها من صورة جميلة، يقول الشاعر:

سحر البيان بباب الشعر قد وقفا = ودقَّ حيناً لنيل الإذن وانعطفا

فلا بد من مراعاة آداب الاستئذان،  قال تعالى: (فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (سورة النور28)، (وانعطفا) وهذا الانعطاف قد يكون دخولاً، وقد يكون انصرافاً، وأنا أرجح الانصراف، بدلالة كلمة (حيناً)، فيكون التعبير بتقدير محذوف: وانعطف حيناً.

وهو يتوسل ويتعطف في الاستئذان ليدخل:

بسطت أجمل أثوابي وأرديتي = فرقَّ حتى لمست السرَّ فانكشفا

أما وقد دخل مملكة الحسن، فإنه يطلب بغيته:

هبني بياناً يفوق الحسن منطقه = ونبرة تأسر الألباب والشغفا

أخطو بها في روابي الشعر منتشياً = وأقبس النور والألحان والطُّرفا

وها هو ذا شاعرنا فتح له الباب، ودخل مملكته، وتجول في حدائق السحر، وروضة الزهر، واستمع لطيور الحب واستمعت له، ومازال يشدو وسمع الكون يسمعه، حتى مر بكل جمال، وملأت قلبه وقافيته روعة السحر، حتى أمسى:

لون الغيوم إذا ما الشمس غاربة = ألقى عليَّ رداء الشعر وانصرفا

فنحن في مطلع القصيدة نرى الشاعر ونسمع أنه يدق الباب، ويبسط أجمل أثوابه وأرديته ليدخل، وفي نهاية القصيدة نرى لون الغيوم حين غروب الشمس يلقي عليه رداء الشعر وينصرف، وكأن الحكاية اكتملت، والزيارة قد تمت.

ويتابع الشاعر في وصف ما جرى فيقول:

مازلت أخطو مع الإبهار في لغتي = أكثف السحر أو أستنطق السجفا

حتى أتتني خيول الشعر خاشعة = وعند بابي ملاك الشعر قد وقفا

وكللتني بتاج الحسن قائلة = ما كل شعر بسر الحسن قد عرفا!..

وهي خاتمة موفقة، وقفلة مسددة، فقد أثمرت زيارته لمملكة الحسن تتويجاً وتكليلاً، وهما لائقان بما قاله سابقاً: (ملك أنا)، ومن جميل التوفيق هنا قوله: (وعند بابي ملاك الشعر قد وقفا)، فقد جرى عرف الشعراء أن لشعرهم شيطاناً ينثفه فيهم، يوحيه إليهم، حتى جعل أبو النجم الرجَّاز شياطين الشعراء إناثاً، وشيطان شعره ذكراً، فقال: إني وكل شاعر من البشر = شيطانه أنثى وشيطاني ذكر

فما رآني شاعر إلا استتر = فعل نجوم الليل عاين القمر

(خزانة الأدب للبغدادي، في الشاملة، ترقيم آلي).

لكن شاعرنا الملك كما قال: ما له وللملوك، ولا دخل له بهم!.. يخبرنا أن لشعره ملاكاً يحضر بابه، وهو بذلك يلفت نظرنا إلى نهجه الهادف، فهو من الفئة المستثناة في آخر سورة الشعراء، بإذن الله سبحانه.

أما الديوان نفسه فحدائق بديعة، ورياض ممرعة، تضمن المحاور الآتية: قصيدتان في حفيدتيه، وخمس قصائد في مملكته الشعرية، وأربع قصائد في الطبيعة والاندماج معها، وأربع قصائد في الذكريات، وخمس قصائد في رثاء الممالك والمدن ومآسي الأمة المعاصرة، وقصيدتان غزليتان، وقصيدة ابتهال وتضرع، وقصيدة هتاف الروح في مديح الرسول صلى الله عليه وسلم.

وهذا التوزيع الموضوعي للقصائد اجتهادي تقريبي في عدد منها، وبعضها تشترك في أكثر من محور، غير أن محور الرثاء لا تداخل فيه، وترتيب  القصائد في المحاور عشوائي.

وأخيراً.. أرى أن هذا الديوان مظلوم، ولعل لشاعرنا عذراً وهو يلام، فقد جاءت القصائد بخط صغير، لا يرغب القارئ في القراءة، بله الاستمتاع بما فيه من شعر جميل، وفي بعض الأبيات أخطاء يسيرة في الضبط والتشكيل، ففي قوله: "يشدو بها العشاق حيث يجولوا"؛ حذف نون المضارع المتصل بواو الجماعة من غير سبب للحذف، فهو مرفوع بثبوت النون، ولم يسبقه ناصب أو جازم، ولا بد من إصلاحه، ويمكن للشاعر أن يستبدل بكلمة العشاق الجمع مفردة بمعناها من دون تغيير كلمة القافية، والاستغناء عن واو الجماعة فيها، فيكون الشطر : (يشدو بها الولهان حيث يجولُ)، وللملِك أن يجيز هذا الاقتراح أو يرفضه!.

وفي قصيدة "تخوم مملكتي" توقفت عند قوله:

(وهمسة من جمال اللحن أسكبها = في سمع غيداء أعيا سحرَها البشرُ)

وسألت نفسي من الذي أعيا الآخر!؟ السحرُ أم البشرُ!؟ وإذا كان البشر فاعل الإعياء، والسحرُ مفعولاً مغلوباً فما عسى بقي من أثر سحر الشعر في سامعيه وقارئيه!؟

وأرى أن كلمة الماء أضعف المعنى في قوله: (ولمعة الماء في العينين تنتظر)، والأحرى استعمال (الدمع)، فكلمة الماء غير دالة على الحزن المعبر عنه في السياق. وتوجد بعض الملحوظات اللغوية اليسيرة لا يخلو من مثلها ديوان، وكفى المرء نبلاً أن تعد معايبه. وقد صدر الديوان في القاهرة، الطبعة الأولى، 1442هـ/2021م، ويضم 25 قصيدة،  في 48 صفحة، (21×14).

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب