نقّاد الحداثة وما بعدها
كتب  د.وليد قصاب ▪ بتاريخ 13/04/2022 10:42 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 123

 

في زمن التَّهاوي من الدَّاخل أصبحت الحداثة وما بعد الحداثة قدرًا لا مفرَّ منه عند الكثيرين من أدبائنا ونقادنا؛ هيمنت أساليبها، ومناهجها، ومصطلحاتها الركيكة المبهَمة، على مقارباتنا الفكرية والنّقدية، سواء أفهمناها أم لم نفهمها، وسواء أفهم الآخرون ما نقول أم لم يفهموا.

حسبك أن تخلع لبوسَك، وأن تركب ظهر هذه الموجة "الخواجاتيَّة"، وأن تثبت أنَّك حداثيٌّ أو ما بعد الحداثيِّ، وأن يكون من مصطلحاتك النَّقدية مثلًا الباثُّ والمبثوث، والرّسالة، والتناصّ، والانحراف، والشّفرة، والبنية، والدالُّ، والمدلول، والمحايثة، والتشيُّؤ، والتبئير، وما شئت من آلاف المصطلحات الزئبقيَّة التي قدِّمت من عالم الحداثة وما بعدها بديلًا عن مصطلحات عربيَّة أصيلة، واضحة فصيحة، يفهمها القاصي والدَّاني، ولكنك إذا استعملتها فلن تحظى بشرف الانتساب إلى عالم الحداثة أو ما بعدها.

       إنّ بعضنا -في زمن التهاوي من الداخل- أكثرُ شغفًا بهذه "الصَّرعات" والبدع والمصطلحات الغربيَّة من أهلها الذين اخترعوها؛ إنَّ أولئك يلقون في كلِّ يوم عشرات منها في سلة المهملات، ويتلقاها هذا البعض عندنا ليحيا بها زمنًا، ثم يلفظها كما لفظوها ليستبدل بها من عندهم كذلك غيرها.

   تعطّل العقل العربيّ، غدا مرهونًا فقط بما يأتي من الآخر. وشتان بين ما يكتبه أغلب نقاد الحداثة اليوم من كلام مطَلْسَم ركيك مبهم لا تكاد تفهم منه شيئًا، وبين تلك اللُّغة المشرقة المبينة التي كان يكتب بها جيل التجديد والتحديث في القرن الماضي، من أمثال طه حسين، والعقاد، ومحمد مندور، وزكي نجيب محمود، وشكري فيصل، وإحسان عباس، ومحمد يوسف نجم، ومحيي الدِّين صبحي، وعشرات غيرهم.

       كان أولئك مطَّلِعين على ثقافة أمتهم، هاضمين مستوعبين ما يقرؤون من ثقافات الآخرين، ثم كانوا من بعدُ قادرين على محاورته ونقده، وعلى غربلته والاصطفاء منه، ثم كانوا –وهو الأهمُّ- قادرين على تقديمه للقارئ العربيِّ بلغة فصيحة، ولفظ مشرق، وعبارة مبينة.

وأمّا نقاد الحداثة وما بعدها في هذه الأيام فهم يكتبون الأحاجي حتى صار خطابُهم النَّقديُّ -الذي يُفترض أن يكون موضِّحًا للأدب-  محتاجًا إلى خطاب يوضِّحه، ولغة تشرحه، وبذلك عَجَز عن أن يقدِّم للنَّصِّ الأدبيِّ ولمتلقيه ما يعين على فهمه أو تذوُّقه.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب