الرمز الديني في شعر إقبال: ديوان "الأسرار والرموز" أنموذجاً (3/3)
كتب  د.خنساء محمد أديب الجاجي ▪ بتاريخ 13/04/2022 10:43 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 123

 

1.التراب والطين:  

يستخدم الشاعر بالأصل الفارسي لديوانه كلمتي (خاك) و(كل) وكلمة كل بكسر الكاف التي تنطق كالجيم المصرية (گ)... و(خاك) بالفارسية (تراب) و(كل) (گ) تعني (طين)، وفي الترجمة العربية التي بين يدي وجدتُ أن المترجم لم يلتزم حرفياً بترجمة هاتين الكلمتين، فمرة يترجم (خاك) بمعنى طين ومرة بمعنى تراب، وكل (گ) كذلك، ولعله اضطر لذلك لضرورة الشعر، ولكن كان عليّ أن أسجل هذه النقطة هنا قبل البدء في ذكر الأشعار التي استخدم الشاعر فيها رمز التراب والطين، وأنا هنا سألتزم بقبول المعنيين للفظين بدون تعيين.

يقول الشاعر تحت عنوان "في بيان أن الذات تستحكم بالمحبة والعشق":

نقط النور التي تُدعى الذواتْ           شرر في طيننا للحَيَواتْ

مُشعَل بالحب منها الجوهرُ             يتجلّى من قواها المضمر

قطرةٌ بالعشق تُوعي ضرَما              وهي بالعشق تُنير العالَما

لا يهاب العشقُ في السيف المَضاءْ     ليس من ماء وترب وهواءْ

هو في العالم صلح وخصامْ            للحياة الماء من هذا الحسام

نظرة العشق بها شَقُّ الصخور          هو عشقُ الحق، والحقَّ يصير

فابغ في طينك هذي الكيمياءْ           اقبِسَنْ من كاملٍ هذا الضياء

امض كالروميّ شمعاً يشتعل           وارم من تبريز في الروم الشُّعَل

إن في قلبك معشوقاً ثوى               أقْبلَن أنبئْك عن هذا الجَوى

عاشقوه قد شَأوْا كل جميل              حبهم في كل قلب لا يَحولْ

عشقُه في القلب نورٌ أسفرا              للثريا يرتقي منه الثرى

تُربُ نجدٍ منه قد خفَّ وضاء           طار وجداً مُصعداً نحو السماء([1])

في هذه القصيدة يوظف الشاعر رمز الطين أعمق توظيف، فمن عنوان هذه القصيدة نتبين أن الشاعر يرى أن علو الذات واستحكامها يكون بالمحبة والعشق اللذين يعلو بهما الإنسان عن الحيوانية والدونية فيه، ولم أجد أبياتاً في ديوانه هذا كله يتركز فيها ذكر رمز واحد مثلما حدث في هذه الأبيات، فقد ذكر هذا الرمز خمس مرات في اثني عشر بيتاً، وجاء هذا الرمز بهذه الألفاظ "طيننا، ماء وترب، طينك، الثرى، ترب نجد" وبالفارسية: "خاك، خاك، كِلي (گ)، خاك، خاك نجد"([2]). وهذا تكثيف يستحق التوقف عنده ملياً لنستطيع الإلمام بالمعاني العظيمة التي تنطوي تحت هذا الرمز ولنستطيع تلقي رسالة الشاعر التي يريدها لنا، فهنا النور هو شرر في طيننا، يرفع من شأن طيننا ليهبه الحياة الحقيقة حياة العشق، وهذا العشق في بيت تالٍ لا يهاب مضاء السيف لأن هذا العشق ليس عشق ماء وترب وهواء، ثم في بيت لاحق يقول هو عشق الحق، ويخاطب الشاعرُ المسلمَ بقوله: ابغ في طينك هذي الكيمياء... ويطلب منه أن يمضي كجلال الدين الرومي وشيخه شمس التبريزي ينشر العشق، فهذا العشق هو الذي سيرتقي بالثرى "أي الجانب الدنيوي فيك" للثريا... وترب نجد هو مثال حي لهذا العشق برأي إقبال، فهو قد خف "فارتفع عن دونيته" وضاء "فأنار ما حوله". فهنا ترب نجد وبعد عدة أبيات يذكر ترب يثرب فيقول:  

قد شأى الدارَين من يثرب طِيبْ        حبذا دار بها مثوى الحبيب!

وفي هذه الترجمة أغفل الدكتور عبد الوهاب عزام لفظ تراب، والأصل الفارسي:

خاكِ يثرب از دو عالم خوشتر است    اى خُنُك شهرى كه آنجا دلبراست([3])

وفي حقيقة الشعر وإصلاح الآداب الإسلامية يقول الشاعر:

حرقة الإنسان من كور الأملْ           نار هذا الطين من نور الأمل

وفي قصيدة أخرى يقول على لسان الشيخ علي الهجويري([4]) مخاطباً من جاء من مرو يشكو بغي أعدائه فيقول له:

       أيها الغافل عن سر الحياهْ          لا يَميزُ الخيرَ من شر الحياهْ

ثم يقول:

كم ترى نفسك طيناً قد حُقِر         شعلةَ الطور من الطين أثِرْ([5])

وهذا البيت قد سبق لنا ذكره في معرض حديثنا عن رمز الطور([6]) والشاعر هنا يرسم صورة تثري خيالنا برموز ثلاثة: شعلة، وطور، وطين، تتضافر معاً لتبعث الحياة في هذه الأمة الراكدة كما هو هدف الشاعر الأول بل والأوحد. 

ويشبهه بيت آخر يصف فيه الشاعر عمل النبوة فيقول:

يهب الناسَ جديد النظر         يجعل البيدَ كروضٍ نضرِ

فترى الأمة منه سائره           بلهيب منه حَرّى ثائره

شرراً في قلبها قد أشعلا         فأحال الطين فيها شُعَلا

سيره يعطي التراب البصرا       فإذا الذّرة سيناءَ ترى([7])

وهو يدعو للرفعة والعلو عن جذب التراب الأرضي الدوني فيقول:

حلِّقَنْ في اللوح عن جذب التراب        من هُويّ لا تخف، مثل العقابْ([8])

ويوضح لنا السبيل لهذا السمو والرفعة وهو أولاً في اتباع القرآن في قوله:

وحدةُ الشرع حياةُ الأمة          فمن القرآن روح الملّة

نحن طينٌ وهو قلب لاجَرَمْ             هو "حبل الله" من شاء اعتصم

فانتظم في سلكه كالدررِ                أو غباراً في الرياح انتثرِ([9])

وعلى لسان والد إقبال فيما يتعلق بتعليم ابنه القرآن الكريم يقول الشاعر:

أيها الحائر في ذا الموكب!             ما جوابي حين يلحاني النبي:

"قد حباك الحق طفلا مسلما            لم تُنلْه من كتابي مغنما

هيّن الأشياء قد شقّ عليك              لم يَصِرْ ذا الطينُ إنساناً لديك"([10])

فبقي الطين طيناً حين لم يتعلق بسبب للقرآن الكريم.

وثانياً في العمل فهو يقول تحت عنوان "في بيان أن توسيع حياة الأمة بتسخير قوى العالم":

مؤمناً بالغيب غير الغافل !            كارهاً كالسيل قيدَ الساحل !

اعلُ عن ذا الطين غصناً ناضراً        وصِلِ الغائبَ واغز الحاضرا

ذلك الحاضر تفسير الغيوبْ            وهو مفتاح لتسخير الغُيوبْ([11])

ويقول:

يا أخا الوردة كن صنوَ الحجرْ          وكن السورَ لبستان الزهر

آدميّاً صوّرن من تُربكا                 ثم شيِّد عالَماً بِدعاً لكا

أنت إن كنت تراباً هيّنا                 فليصُغ غيرُك منك اللبنا([12])

والتراب بقبول الحق واتباعه يتحول إلى خير عميم غير محدود:

يرتقي في ظله المتضِعُ                 ويصير التُربُ تِبْراً يَسطع([13])

ويقول:

قد غرسنا الدين في أرض القلوب       وجلونا الحق من ستر الغيوبْ

ومن الدنيا حللنا العُقَدا                 واستنار التُّربُ منّا سُجَّدا([14])

والتوحيد يجعل الطين سنبلا وضوءً له لمعان:

ثم في طينك إيماناً بذر          كلمة التوحيد من فيك نَشَرْ

وبعد أبيات عدة يقول:

نفحها صيّر طيناً سنبلا         وَجدُها صيّر ريشاً بلبلا

في عروق الكرم منها شُعلة      وبطين الكأس منها لمعة([15])

ويكون نوراً:

إن في طين نوراً قد بدا             بشعاع منه أبصرتَ الهدى([16])

وقد يصير الطين بشراً: 

نفسٌ منك أطار الشررا              فاستحال الطين منه بشرا([17])

وذلك حين يلامس الطين فينا شرر الرسالة المحمدية. ويشبه هذا المعنى قوله:

أنَّةٌ للعشق تُفشي سرّهُ               آهةٌ في العشق تُذكي جمرهُ

تجعل العصفَ لهيباً يُحرقُ          وفَراشاً من تراب تَخلُقُ

في ضمير العشق وَسْمٌ كالشَقِرْ      وله وردةُ وجدٍ تستعرْ

هذه الوردة أحبُو صَدركِ            في سُباتٍ منك أُذكي حشرَكِ

لأرى في تُربكَ الروض الينيعْ              وبأنفاسكِ أرواحَ الربيعْ([18])

لكن الشاعر يحذرنا من أن هذا الطين مع إمكانية أن يستحيل كما ذكرنا لكل هذه الأشياء الإيجابية المثمرة إلا أنه قد يحصل العكس بسبب بعده عن منبع الحياة الحقيقة، أو بسبب إهمال الإنسان وعدم قيامه بمسؤولياته، فيقول تحت عنوان "في بيان أن حياة الذات بتخليق المقاصد وتوليدها":

إنما يُبقي الحياة المقصِدُ                   جَرَسٌ في ركبها ماتَقصد

سِرُّ عيشٍ في طِلابٍ مُضمَر              أصلُه في أمل مستترُ

أحي في قلبك هذا الأملا                  لا يَحُلْ طينُك قبراً مُهمَلا

يخفق القلب به بين الصدورْ               هو في صدرك مرآة تُنير

يَهَبُ التربَ جناحاً يَصعَد                  ولموسى العقل خِضراً يُرْشِد([19])

ويقول تحت عنوان "الوقت سيف":

نكتةً كالدر خذها رائقة              بين حرّ ورقيقٍ فارقه:

حيرةُ العبد مسيرُ الزمنِ             حيرةُ الأزمان قلبُ المؤمن

ينسج العبدُ عليه كفنا               من صباحٍ ومساءٍ مُذعنا

وترى الحرّ من الطين نجا          نفسه حول الليالي نسجا([20])

وخلاصة رمزية الطين في رؤية الشاعر هي في قوله:

إنما صوّرتَ من طينٍ لَزبْ          سيط في أمشاجه خوف وحبّ:

خيفةُ الدنيا وخوفُ الآخرةْ           خوف موتٍ ورزايا فاقرةْ

حبّ جاه وثراءٍ وبلدْ                 حبّ زوج وقريب وولدْ

من مزاج الطين والماء البدن        مَركبُ الأهواء، مَغلوبُ الفتَن

من يمسّك بعصاً من "لا إله"        فلتحطّم طِلْسم الخوف يداه

كلُّ مَن بالحق أحيا نفسهُ           لا ترى الباطلَ يُحني رأسَهُ([21])

وحين يتخلى المرء عن هذه المخاوف ويستغني بتوحيده وقرآنه فيسمو بنفسه ويكرمها ويعلي شأنها وذلك في قوله تحت عنوان "في بيان أن الذات تضعف بالسؤال":

مرحباً بالظامئ الضحيانِ لا                يسأل الخِضْر شراباً في الفلا([22])

بسؤال الناس لم يُند الجبينْ                 ذاكم الإنسان، لا ماء وطين

تحت هذي الشمس يمضي ذا الفتى        عاليَ الرأس كسَرْو قد عتا([23])

الخاتمة:

تناولتُ في هذا البحث معنى الرمز وخصائصه ومصادره ووظائفه، ثم انتقلت إلى الرمز بارتباطه بالدين والموروث الديني وما يتعلق بفلسفة الشاعر إقبال وتوظيفه للرمز الديني في أشعاره، وجمعت من أشعاره في ديوان الأسرار والرموز ما يمت بصلة لهذا الموضوع، وتبين لي في خاتمة هذا البحث أن الشاعر وضع نصب عينيه هدفاً واحداً وجّه أشعاره كلها في هذا الديوان لتخدم هدفه ذاك وهو إحياء وبعث الأمة الإسلامية، وقد قام الشاعر كما رأينا في هذه الأشعار بتوظيف الرمز الديني متمثلاً بشخصيات دينية أو جمادات ارتبطت بمعانٍ عميقة تتجذر في عقول المسلمين أينما كانوا ويشترك فيها كل مسلم مهما كان مبلغه من العلم، وكلما قرأنا هذه الأشعار ازدادت تلك المعاني شمولية وتوسعاً في مداركنا وفتحت لنا آفاقاً لا حدود لها، لنفخر بماضينا ونتطلع شوقاً لمستقبلنا بأمل وتفاؤل، فشخصية النبي موسى عليه السلام كانت مثالاً حياً ورمزاً للباعث لقومه المشفق عليهم، الذي جاء لإنقاذ قومه من استعباد فرعون لهم، ووظف كل ما وهبه الله ليساعده في الوصول إلى هدفه الأسمى، وكذلك النبي إبراهيم عليه السلام فهو مثال للمؤمن الحق الصامد الثابت على الحق مهما تكاثرت عليه المصاعب والعوائق والابتلاءات، وتناولنا تبعاً لذلك رموزاً وظفها الشاعر ببراعته لتخدم هذين الرمزين وهي العصا والطور وسيناء وكف موسى الضاربة.... ونار إبراهيم وسكينه وكفه الضاربة لتحطيم الأوثان... ومن الرموز التي استندت على شخصيات أخرى هناك فرعون رمز الظلم والاستبداد والتأله، وآزر رمز الداعي لعبادة غير الله والصد عن سبيل الله.. ثم انتقلتُ في الشق الأخير من هذا البحث لرمز يوظفه الشاعر بمهارة فائقة وهو الطين أو التراب الذي هو أصل الإنسان وعند الشاعر كما رأينا هو رمز لدنيوية الإنسان ودونيته والجانب الذي يشده إلى السفل والأرض ويمنعه من العلو والرفعة والتحليق في السماء.

وفي هذا البحث وجدتُ أن المصدر الأساسي لرموز الشاعر هو القرآن الكريم، فقد استقى الشاعر رموزه من القرآن الكريم وأسقطها على واقع الأمة الإسلامية التي ترزح تحت الجهل والتكاسل والتخلف منذ أمد بعيد ووظفها ليحيي بها الموات ويوقظ فيها النيام، ولعل كلماته تترك ما أراد لها من أثر.



[1])) الأسرار والرموز، ص 18 -19.

[2])) الأصل الفارسي للأبيات هو:

نقطة ى نورى كه نامِ او خودى است           زيرِ خاك ما شرار زندكى است

عشق را از يتغ وخنجر باك نيست              اصلِ عشق از آب وباد وخاك نيست

كميا بيداكن ازمشت كِلى                        بوسه زن بر آستان كاملى

دل ز عشقِ او توانا مى شود                   خاك همدوشِ ثُريّا مى شود

خاك نجد از فيض او جالاك شد                آمد اندر وجذوبر افلاك شد.

 انظر: محمد إقبال، كليات إقبال لاهورى، بتقديم: د.علي شريعتي ود. جاويد إقبال، (طهران: انتشارات الهام، 1384)، ص 44.

[3])) كليات إقبال، ص 45.

[4])) من كبار المتصوفة، صاحب كتاب "كشف المحجوب لأرباب القلوب"، انظر الهامش في ديوان الأسرار والرموز، ص 46.

[5])) الأسرار والرموز، ص 47.

[6])) انظر: الأسرار والرموز، ص 7.

[7])) الأسرار والرموز، ص 86.

[8])) الأسرار والرموز، ص 58.

[9])) الأسرار والرموز، ص 115.

[10])) الأسرار والرموز، ص 119.

[11])) الأسرار والرموز، ص 129.

[12])) الأسرار والرموز، ص 43.

[13])) الأسرار والرموز، ص 87.

[14])) الأسرار والرموز، ص 66.

[15])) الأسرار والرموز، ص 127.

[16])) الأسرار والرموز، ص 83.

[17])) الأسرار والرموز، ص 150.

[18])) الأسرار والرموز، ص 80.

[19])) الأسرار والرموز، ص 16.

[20])) الأسرار والرموز، ص 65.

[21])) الأسرار والرموز، ص 39.

[22])) يشير إلى زعم أن الخضر يملك ماء الحياة الذي يمنح شاربه الخلود في الدنيا، وقد سبقت الإشارة إليه في هذا البحث، ص 11.

[23])) الأسرار والرموز، ص 24.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب