المقعد الأخير
كتب  محمد عبدالقادر التونى ▪ بتاريخ 13/04/2022 10:51 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 123

 

ربما كانت عقدة تخصني وحدى، ولازمتنى منذ سنوات بعيدة حتى استوطنت، وباءت كل محاولاتي بالفشل فى التخلص منها، وتبلغ حدتها فى وسائل المواصلات، إننى أشعر باختناق حال جلوسي فى المقعد الخلفي من السيارة فى أى سفر مهما كانت مسافته قريبة أو بعيدة،

ولأننى لا أمتلك سيارة فإنني كنت أترقب سيارات الأجرة من بعيد، فإذا لمحت مقعداً خاليا في المقاعد الأمامية وبخاصة بجوار قائد السيارة، أسرعت بالإشارة إليه لأستوقفه وإلا إنتظرت السيارة التى تليها، وهذا  الأمر كان يستنزف منى وقتاً طويلا وما يزال، فإذا حالفنى الحظ وجلست في المقعد الأمامي المجاور لقائد السيارة، غمرتني السعادة لدقائق معدودة، ووسط لحظات الصمت يهاجمني شبح الاختناق، وأحاول جاهداً أن أهرب منه بالضغط على أعصابي، أو معاقبة ضعف نفسي بالقبض على أي جزئية حساسة بين أصبعي حتى أدميها.

وكثيراً ما كنت أحاول أن استوقف قائد السيارة لأنزل منها، لكن أين أنزل والمكان خال تماماً ؟! فليست هناك محطة وصول، شيء غريب ومتعب ولافت للنظر، أن أترك السيارة واترجل على قدمي لمسافات بعيدة.

أما إذا لم يحالفن الحظ واضطررت للجلوس في المقعد الأخير من العربة (الميكروباص) كانت الطاقة الكبرى بالنسبة لي، بل كان الموت المحقق، فأحزن من قبل صعود العربة، ويبدأ جسدي في التوتر مع اللحظات الأولى من تحركها، ثم يتصاعد هذا التوتر شيئاً فشيئا حتى تصدر مني حركات لا إرادية تلفت نظر الجالسين بجوارى، أتململ كثيراً ؛ كدابة تحاول الإفلات من مربطها، أتشبث بالمقعد أو بالنافذة، أكتم فمي خشية أن أصيح أو أصرخ.

 يا إلهى: بإمكاني أن أتخلص من هذا العناء واطلب من قائد السيارة الوقوف وأنزل منها،

لكن تهاجمني التساؤلات: وماذا بعد النزول؟ وما من إشارة تدل على الحياة؟ وماذا يقول الناس عني؟ رغم أنني اعرف ذلك مسبقاً، وأقل وصف منهم أنني مجنون،

في أحايين كثيرة كنت أحمل فى جيبي قلماً وورقة، وعندما كان يحالفني الحظ وأركب فى المقعد الأمامي بجوار قائد السيارة، أخرج الورقة والقلم وأحاول أن أشغل نفسي بكتابة خاطرة معينة تخطر فى ذهني وأنا فى الطريق، فكانت تحميني إلى حد ما من شبح الاختناق وكأنها طوق نجاة أو وسيلة دفاع يخشاها، لكن هذه الطريقة كانت تحدث قلقاً لقائد السيارة ظناً منه أنني أسجل أرقام السيارات المخالفة التى تمر بجوارنا وتسبقنا، فكنت اصطنع التفكير وأجعل الورقة في متناول بصره حتى يطمئن لما هو مخطوط فيها، لكن لم يغير ذلك من إزعاجه الخفي الذي ألحظه في عينيه، خاصة وأنا فى الزي الرسمى، وليست هناك ثمة علاقة تربط بيني وبينه، لا يعرفني ولا أعرفه، مؤكد أنه لا يجيد القراءة والكتابة، وصدق ظني عندما رفض أن يأخذ الأجرة وأصر على ذلك،

 ما أعانيه سر بيني وبين نفسي ولا يعلمه أحد من الأهل أو الأصدقاء، لكنه أثر على أن تسوء العلاقة بيني وبين كثير منهم وذلك لتقصيري في السفر إليهم لأداء واجب من واجبات العزاء، خاصة وأن الأقارب يعيشون بعيداً عنا، إما في القاهرة أو في مدينة أسوان، بينما أعيش أنا بين هذا وذاك،

عندما كان يحدث واجب عزاء في القاهرة، كنت أركب القطار، وكان مريحاً بعض الشيء من ركوب العربة، إذ ليس فيه تقييداً للحركة، وعندما كان يصافحني شبح الأختناق، أبتسم واتجه ناحية الحمام وأنا لست فى حاجة إليه، وهناك أدس نفسى بين المدخنين، وأشعل سيجارتي مثلهم وأنتظر الدور خلف الواقف أمام الباب، وأفكر في أمر الرجل الموجود داخل الحمام، وأتساءل : كيف يفعلها ونحن جميعاً في انتظاره هكذا، ولأنني لا أستطيع أن افعلها وسط هذا الزحام، كنت اسمح لغيري حتى يخلو المكان، لكن كان يزيد قلقي وتوتري عندما يقوم واحد من هؤلاء بفتح باب العربة ويطل منه في هذا الظلام، كنت أخشى أن أقترب منه، فمن الممكن أن اقفذ، فأبتعد ولا أنظر إليه حتى أدخل الحمام، وفي داخل الحمام أخرج ما بداخلي من صراخ وربما ضربت هذا الذي يلبسني ضرباً مبرحاً ولا ينقذه مني إلا الطرقات العالية على باب الحمام، فأخرج وأعود إلى مقعدي مرة أخرى، هذه المرة كان الواجب في مدينة أسوان وكان يخصني ويخص زوجتي في نفس الوقت ولابد أن نذهب أنا وهي لأداء الواجب.

يا إلهي!.. سوف يفتضح أمري.

ماذا يحدث لو حدث لي ما يحدث وهي فى رفقتي؟ وكيف يكون تصرفها وهي لا تعرف شيئاً  عن هذه الأماكن؟ أسئلة كثيرة هاجمتني بمجرد سماعي للخبر، وهذه هي المرة الأولى التي تجمعني أنا وهي فى سفر بعيد كهذا،

في المساء، وهي تعد عدتها لهذا السفر في الصباح الباكر ؛ فاجأتني أنها لا تحب الجلوس في المقعد الأخير في عربة الميكروباص التي اتفقنا هاتفياً مع قائدها المتخصص فى هذه الرحلات ذهاباً وإياباً ليحجز لنا مقعدين، وقد أبدى استجابته لذلك بدون تردد، كان هذا الاتفاق بعد صلاة العشاء ونحن الآن قرابة منتصف الليل،

في البداية لم انتبه الى ما قالت زوجتي من أنها لا تحب الجلوس فى المقعد الأخير، وكن بعد أن عاودت تكرار ذلك فى هذا الوقت المتأخر من الليل وهي ترجوني أن أحاول الاتصال بالسائق مرة أخرى لأحدد مكان المقعد الذى سوف تجلس فيه وأطلب منه أن يكون بعيداً عن المقعد الأخير، غمرني الحزن وزادت من همى، وشردت في أمرها متساءلا: هل هي تعاني نفس ما أعانيه؟ وكيف لا أعرف ذلك رغم السنوات الطوال التى جمعتنا؟ كنت أخشى عليها مما أعاني، فماذا الآن؟ هل هي تفكر بنفس الصورة خاصة، وأنها لا تعرف ما أعانيه؟!

ضاق فكري وزاد همي من تكرار طلبها بأن أهاتف سائق السيارة فصرخت فيها رافضاً معللا ذلك أننا في وقت متأخر من الليل ولا يصح الاتصال به.

وعدت لأصطنع الهدوء وأطمئنها بأن السائق من قرية مجاورة لنا ومؤكد أن العربة ستكون فارغة وتجلس في المكان الذي ترتاح إليه.

القلق من هذا السفر لم يجعلنا نستغرق في النوم طويلا، ولم تزعجنا رنات التليفون في الخامسة صباحاً من قائد السيارة وهو يطلب منا الاستعداد، حتى زوجتي كانت تنهي صلاتها وهي تدعو والقلق واضح عليها،.

عند العربة كانت المفاجأة، جميع المقاعد شاغرة فيما عدا مكان يتسع لاثنين في المقعد الأخير.

يا إلهي: كانت صدمة كبيرة لي ولها في نفس الوقت، أنه اختيار صعب جداً، صعدت زوجتي متثاقلة، وصعدت خلفها وكأنهم يزجون بنا في الجحيم،

وما إن جلست بجوارها حتى تشبثت بذراعي، فابتسمت في وجهها، ورجوتها أن تهدأ وتطمئن، كان شكل العربة من الداخل جميل ومريح ويشبه إلى حد كبير العربات السياحية بنوافذها المحكمة وستائرها التي تشعرك أنك ماتزال في غرفة نومك والتي تدعو إلى الاسترخاء الذي تظاهرت به أمام زوجتي حتى استرخيت

       بالفعل رحت في نوم عميق لم يوقظني منه إلا السائق وهو ينبهنا بقرب الوصول، فأفقت من غفوتي والدهشة الممزوجة بالفرحه تغمرني، وزوجتي ماتزال في نومها وهى تريح رأسها فوق كتفي، ولما أخبرتها بالوصول، رأيت في وجهها من السعادة ما يفوق بكثير خشيتها من هذا المقعد!.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب