القاضي والأمير
كتب   ▪ بتاريخ 13/04/2022 10:53 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 123

أميرة الشناوي السيد كيوان - مصر

 

وهو جالس كان ذهنه قد ذهب كل مذهب في أمر الكوفة, فمنذ مدة وهي بدون قاض، والناس في أمس الحاجة لمن يحميهم من الفتن والاعتداءات, وينصر مظلومهم على ظالمهم، ثم ما لبث أن وقف وصرخ:

-  أيها الحاجب.. أيها الحاجب!.

أسرع الحاجب بالدخول وقال:

- نعم أمير المؤمنين, هل من مهمة أقوم بها؟

-  ابحث عن مستشاري وأحضره في الحال.

-  أمرك أمير المؤمنين..

لم يكد الحاجب يغادر حتى عاد أبو جعفر المنصور إلى عرشه، وأخذ يفكر من جديد في أمر الكوفة, وأي رجل يليق له أن يكون قاضيها!؟ ثم ما لبث الحاجب أن دخل قائلاً:

-  المستشار عند الباب، هل يسمح أميرنا له بالدخول؟

-  نعم.. نعم.. ليتفضل.

- يدخل المستشار ويقول:

- سلام الله على أمير المؤمنين.

- وعليك السلام اقترب.

- ما الأمر يا أمير المؤمنين؟

- أنت تعلم أن الكوفة منذ مدة وهي بدون قاض يشغل أمر قضائها, وقد أحببت أن تجد لي رجلاً يقوم بهذه المهمة خير قيام.

- موجود يا أمير المؤمنين.

-  موجود؟

-  من؟

-  شريك بن عبد الله يا أمير المؤمنين, عالم فذ يكفيك مؤنة الكوفة.

- أحب أن أراه عندي هنا في أقرب وقت.

 وبمجرد خروج المستشار دنا أبو جعفر المنصور من الحاجب وسأله:

-  ماذا تعرف عن شريك؟

وفهم أبو جعفر أن الحاجب هو حاجب قبل كل شيء, ولذلك لم يكلف نفسه البحث عن سؤال آخر, مادام لم يجد من الحاجب إلا الصمت. انتظر بفارغ الصبر لعل المستشار يدركه بالرجل فينتهي الأمر بتولية قضاء الكوفة, فقد يستريح باله قليلاً, وبالمرة يستريح من مشاكل الكوفة.

لم يمر من الوقت إلا القليل حتى كان شريك بن عبد الله أمامه, رماه أبو جعفر بنظرة فاحصة, لعله يجد فيه مزية لا توجد في غيره, ومظهر شريك إلى التواضع أميل, ثم هو كما يظهر من خلال ثيابه ليس بالإنسان المترف, ولعل ذلك كان سبباً لجعل السلطان يظن أن مثل هذا الرجل الواقف أمامه سيتلهف على منصب القضاء, فقال له:

-  يا شريك!.. الكوفة تحتاج إلى قاض عالم عدل, وقد أوليتك قضاءها لما سمعت من مستشاري عنك.

-  يا أمير المؤمنين!.. إنما القضاء يحسنه غيري, وإنما أحسن النظر في الصوم والصلاة وما تلاها.

-  إنما لك أن تختار أحد أمرين, قضاء الكوفة أو توجيهك إلى الشام والطازبند.

-  يا أمير المؤمنين اعفني!.

-  قلت: اذهب ولك أن تراجعني في الذي لا تحسنه.

خرج شريك مهموماً إنه لم يكن يفكر قط في الأمر, وهو على كل حال لا يريد ذلك, لأن الوجهاء يستترون بالسلطان ويحتمون به.

التمس من موسى (أبو إسحاق) أن يستعفي له أمير المؤمنين، فلم يفلح وسلم أمره لله. وهو في الكوفة بعد مدة وقد شرع في مهمة القضاء, دخلت عليه امرأة مستنجدة:

-          أيها القاضي!.. هلا أدركتني بالله عليك؟ هلا نصرتني؟

-          ماذا بك يا امرأة؟ ما الأمر!؟

-          إن موسى بن عيسى ( ابن عم أمير المؤمنين المهدي) ظلمني، أخذ مالي، وشرد عيالي!..

-           كيف حدث ذلك يا امرأة؟

-          يا قاضي الكوفة!.. ورثت مع إخوتي بستاناً عن أبي على شاطئ الفرات, ثم قاسمتهم التركة, وبنيت بيني وبينهم حائطاً, ثم استعنت  بخبير فارسي فتحسنت أحوالي وأحوال أولادي, وأحوال الفارسي. واشترى موسى بن عيسى بساتين إخوتي, وأراد شراء بستاني فرفضت, وكرر المسألة فأعدت الرفض, فجعل كلما فاتحني في الموضوع أرفض, ثم ما لبث أن بعث بأعوانه وخدامه, فاقتلعوا الحائط واختلط علي الأمر، فلم أعد أستطيع تمييز حدود بستاني أو بستانه يا قاضي الكوفة, أنصفني فقد ظلمني ابن عم أمير المؤمنين.

لم تكد المرأة تنهي كلامها حتى كان القاضي قد كتب كتاباً، وطلب من غلامه أن يحضر له طينة ليختمها, ثم وجهه إلى الأمير موسى بن عيسى.

اطمأنت المرأة، فمثل شريك لا يمكن أن يسكت عن ظلم, ودعت الله أن ينصرها به.

سلم الغلام الأمير الكتاب بمجرد وصوله القصر، وانتظر رده. قرأ الأمير: (أما بعد؛ أبقى الله الأمير وحفظه وأتم نعمته عليه, فقد جاءتني امرأة، فذكرت أنها فلانة بنت فلان، وأن الأمير اغتصب بستانها أمس، فليحضر الأمير مجلس الحكم الساعة أو يوكل وكيلاً، والسلام).

اشتاط الأمير غضباً، وطلب من الغلام أن يدعو له صاحب الشرطة, ولما حضر قال:

-          اذهب إلى القاضي، وقل له: ما عهدناك تنصف على الأمير امرأة حمقاء لم تتضح دعواها.

-          يا أمير.. اعفني من هذه المهمة، فلعلك تعرف القاضي شريكاً وحزمه.

-           قلت: امض.

خرج صاحب الشرطة مضطرباً حائراً, وهو يعلم من غير شك أنه في مأزق وأي مأزق!.. وليس له أن يرفض أمر الأمير, ولا أن يقدم على القاضي. دعا غلمانه وأمرهم بحمل بساط وفراش وغطاء, وطعام وشراب إلى الحبس، ثم دخل على القاضي, ولما علم سبب مجيئه قال له:

-          أظنني أرسلت إلى الأمير ليحضر بنفسه أو يحضر موكلاً عنه, ولم أبعث إليه ليبعثك, أفمن مواليه أنت!؟ ويحك إذن لن يطبق شرع الله إلا على الضعفاء والمساكين؟ ثم صاح:

-          يا غلام.. يا غلام.

-          نعم أيها القاضي.

-           خذ هذا إلى السجن.

ثم جاءه رسول من الأمير بعد أن عرف بحبس صاحب الشرطة فقال له:

-          الأمير يقول لك: متى كنا نسجن الرسول يا قاضي الكوفة؟ لم يكد الرسول يتم الرسالة حتى أمر بحبسه أيضاً.

ثم جاءت جماعة من أصحابه ومعارفه بعثهم الأمير بعد أن أبلغه خبر حبس الرسول, فأبلغوه سلام الأمير وقالوا له:

-          لقد استخففت بالأمير أيها القاضي وبرسوله، وهو كما تعلم ليس كالعامة أو منهم وأنت تعلم ذلك.

اشتاط القاضي غضباً وقال:

-          إن هؤلاء الأصحاب جهال من غير شك, وإلا كيف يرضون لأنفسهم بأن يحولوا دون تطبيق شرع الله, أو على الأقل هم يقفون إلى جانب من يفعل ذلك, وهم فوق هذا وذاك يرون منكراً ولا ينكرونه!؟

ورأى أن ليس من سبيل لتأديبهم سوى الحبس. وبلغ الأمير الأمر فعزم على تخليصهم جميعاً, فلما جن الليل استعان بغلمانه وفرسانه على فتح باب السجن عنوة فأخرج جميع رسله.

في الغد بينما كان القاضي يتأهب لمباشرة عمله، فأخبره السجان بما كان من أمر الأمير, فلم يتردد لحظة واحدة، بل أسرع يبعث كتاباً إلى منزله مع غلامه, وأمره أن يحضر متاعه ويلحقه إلى بغداد.

 خرج الغلام مسرعاً, بينما بقي القاضي مندهشاً.. إنه لم يطلب القضاء قط، ومع ذلك فبنو العباس قد قلدوه إياه وأكرهوه عليه, وضمنوا له أن يكون حراً عزيزاً.

ترك شريك دار القضاء وأسرع خارج المدينة, وإذا بالأمير يعلم بالأمر فيدركه قبل أن يصل الأمر إلى أمير المؤمنين المهدي, فيقع ما لا يحمد عقباه, وناشده:

- يا أبا عبد الله هلا أعدت النظر في الأمر؟ هل يرضيك أن تحبس رسلي؟ يا أبا عبد الله انظر من جديد في الأمر!..

- إنما كان ينبغي لهم ألا يدخلوا في أمر كهذا, وهم يعلمون أن في تدخلهم تعطيل لأمر القضاء.

- فهلا نظرت من جديد أبا عبد الله؟

- إنما أنا وافد على أمير المؤمنين المهدي ليعفيني من أمر القضاء, ولكم أن تجدوا لكم قاضياً لا يخالف هواكم.

- أفيرضيك أن أعيدهم إلى السجن أبا عبد الله؟

- نعم يرضيني أن تعيدهم إلى مكانهم وتحضر مجلس الحكم.

- لم يجد الأمير بداً من إعادة رسله للحبس، وقصد مجلس الحكم بعد ذلك, فألفى القاضي جالساً منتظراً, فأمر القاضي بإدخال المرأة المتظلمة, وقال لها بعد أن دخلت, هذا خصمك قد حضر.

- قال الأمير:

- يا أبا عبد الله لا حاجة لك الآن في سجن رسلي فأطلق سراحهم، ها أنت تراني قد حضرت.

- أما الآن فنعم، يا غلام!..

- نعم، أيها القاضي.

- أطلق سراح رسل الأمير.

ثم استفسر حول ما ادعته المرأة فاعترف الأمير بصحة ذلك، وقال القاضي:

- قضينا بأن ترد ما أخذت، وتبني حائطها كما كان.

- أفعل يا أبا عبد الله أفعل..!

- وأنت أيتها المرأة.. أبقي لك عليه شيء؟

- نعم أيها القاضي. بيت الرجل الفارسي ومتاعه.

- وقد قضينا بأن يرد ذلك كله. أسمعت أيها الأمير؟

- أفعل يا أبا عبد الله أفعل!..

-  بارك الله فيك أيها القاضي الفاضل, بارك الله فيك وجزاك خير الجزاء. قالت المرأة ذلك, وانصرفت فرحة شاكرة راضية.

-           


 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب