في ظلال الكعبة للأستاذ الدكتور الحاج عبد الملك كريم أمر الله (حمكا) / 2
كتب  عبد الملك كريم أمر الله (حمكا) ▪ بتاريخ 13/04/2022 11:08 ▪ تعليقات (0) ▪ طباعة  أرسل لصديق  أرسل لصديق 

العدد 123

 

وفي يوم من الأيام، رغبت زوجة التاجر في لقاء أمِّي. فأخبرتُ أمِّي بذلك؛ فغضبَتْ عليَّ لظنِّها أنَّني قد أسأتُ إلى تلك المرأة الشَّريفة. ولكنها سُرْعان ما اطمأنّتْ بعدما أدركَتْ حقيقة الأمر.


وفي الموعد، التقتِ الفقيرةُ الصابرةُ الغنيّةَ الشاكرةَ، وما زلتُ أتذكَّر تلك اللَّحظة الحافلة بالمودَّة الصَّادقة التي أثمرتِ الأخوَّة الخالدة. ومن هذه الثَّمرة، شممتُ مسك الصَّبر وذقتُ حلاوة الشُّكر. ما أسعد الحياة بهاتين الـحُسْنيين!.


وكسبت ثمرة أخرى من هاتين الحسنيين؛ وهي الوردة التي ملأت ذلك البيت رونقًا وطيبًا اسمها زينب. حسبتُ زينب أختًا لي وصديقة وفيَّة. وكنَّا نلعب معاً بكلِّ سرورٍ. ولم أعرف بعد ذلك تلك الأحزان التي لازمت حياتنا منذ أن رأيت نور الوجود. أشرق علينا فجر جديد في صفحات حياتنا وهي تحمل البشرى لأيام مقبلة.


وذات صباح مشرق، جئتُ إلى أمِّي بخبر سارٍّ وهو أنَّ الحاجَّ جعفراً أراد أن يتكفَّل بنفقات دراستي. فخرَّت أمي ساجدة شكرًا لربِّها. وفي اليوم الذي يليه لم أحمل الحلويَّات للبيع كما هو المعتاد، بل حملتُ قلمًا وقراطيس إلى المدرسة الابتدائيَّة مع زينب. هذا هو اليوم الذي طالما كنت أحلم به، وعزمت ألاّ يكون أمل أبي المرحوم هباءً منثورًا. فاجتهدتُ في دراستي لتحقيق هذا الأمل.


وفي المساء، تردَّدتُ على البيت الكريم لأمدَّ إليه يد المساعدة. وكلَّما جئتُ إليه، رحَّب بي قائلاً:

-       أهلاً وسهلاً!!


 أشكر الله تعالى الذي جعلني أهلاً لهذا البيت الشريف وإن كنتُ من بيت فقير.


كان عمري آنذاك أكبرَ بسنتين من عمر زينب. وفي طوال صحبتها لي ما رأيتها تفتخر بمركز أسرتها، بل عاملتني معاملة أخت لأخيها الكبير. ومن دون أدنى ريب فإن هذا السلوك الكريم من ثمار حسن التأديب الذي قلَّما أجده في بيوت الأثرياء. وحتى هذه اللحظة تتراءى في خيالي تلك الأوقات السعيدة التي يعيش فيها المرء لحظة من عمره ولن تعود إليه مرة ثانية. أليس كلُّ يوم يأتي بلباس جديد نلبسه!؟ وتركت للأمس ذكرياتٍ رأيناها تمرُّ مرَّ السحاب!.


وفي يوم العطلة أُذن لنا أن نترفَّه في شاطئ البحر. فلعبنا، واستبقنا، واستمتعنا بمناظر ساحرة من نباتات بحريَّة، وسفن تتماوج في وسط البحر، وبدت من ورائها ولاية فاريامن الخضراء التي تلوِّح لنا غصون نرجيلها، كلَّما مسَّتها ريح الصَّبا.


ويومًا قبل رمضان صعدنا قمَّة جبل فادنج لزيارة قبر أبي وقبور عائلة أمِّ زينب. وحملتُ معي زجاجةً من العطر، وبيمين زينب زهورٌ مختلفة الألوان. وسارت من ورائنا أمُّها وأمِّي بكلِّ حذر. ما أجمل صورة المودَّة التي رسمتها المحبَّة حينما تكون في ذروتها! وما زلتُ أحتفظ بهذه الصُّورة التي لا تفارقني طرفة عين لأنها منقوشة في أعماق قلبي.


مرَّ الزمن، وكانت الصحبة تسير معها بكلِّ محبَّة صادقةٍ إلى أن انتهينا من الدِّراسة في المرحلة الثانويَّة. وكيف لي أن أجزي ما قدَّمه الحاجُّ جعفر من نفقة الدراسة، وحسن المعاشرة؛ حين تأبى الدنيا أن تنظر إلينا إلا بعين السُّخط من فقرنا. جزاه الله خيرًا، وأطال له عمرًا! فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان!؟


وبعد المرحلة الثانوية رغبتُ في مواصلة الدراسة في العلوم الدينيَّة. أمَّا زينب فحان الوقت لأن تبقى في دارها حسب عادات الطبقة العليا في مجتمعنا. فلا يسمج لها بالخروج بعدئذ إلاّ بصحبة أهل بيتها إلى أن تتزوَّج. فبقيتُ وحيدًا في طريقي إلى طلب العلم. وفي موعده، وجهت مطيَّتي إلى فادنخ فانجنج  لأواصل دراستي هناك على نفقة الحاجِّ جعفر. وبدا لي أنَّ فجر الأمل يتنفَّس مع نسيم الصبح!


       منذ وصلتُ إلى فادنج فانجنج، استوحشَتْ حياتي وكأني مطروح في أرض ليس فيها جليس ولا أنيس. ولـمَّا رأيت جبل مرافي يتحلَّى بذروته المموَّهة بالذهب، والشمس تكاد تختفي، والليل يوشك أن يرخي سدوله، وطيور الروابي تطير وتتغنَّى في أعشاشها؛ لم ألبث أن رأيتُ في خيالي تلك الأيام الخالية التي ملأت صفحات حياتي سعادةً وسروراً. وشعرت هنا أنِّي فقدت شيئا لا أدري ما هو؟! وحيَّرني أنَّ كل ما أحتاج إليه من النقود والمأكل والملبس لا يزال متوافرًا عندي. فيا عجبًا! شعرت بالفقر في الغنى، ولم أشعر بالغنى في الفقر!.

        وعندما شهدتُ تلك المناظر الرائعة من شلاّل باتنج أناي وغار باتو سوغي أندوك، قلت لنفسي:


- لو كانت زينب معي هذه اللحظة لسرَّتها رؤية هذه المناظر الساحرة؛ لأنّها ذات مشاعر لطيفة تجاه العالم، والطبيعة، والحياة. كم من مرَّة وجدتها تنفعل بأغنية الوجد والحنين، وكم من قطرة من دموعها نزلت تأسُّفًا على ذي متربة يقاسي من قسوة الحياة...


وكنت أشعر كأنَّ الليل يتمطَّى بصلبه، وكأنَّ النهار يتكاسل في سيره. ما أطول الأيَّام التي أقبلت عليَّ والصبر عليها قصير!. ولـمَّا اقتربت أيام العطلة انشرح صدري لأنَّني سأعود قريبا إلى قريتي. فأخذت أتخيَّل أنِّي جالس بين يدي أمِّي خافضًا جناحيَّ، وحاكيًا لها ما حصَّلت من التقدُّم في دراستي لتعرف أنَّ الحبَّة التي غرستها بيديها، وسقتها بعرقها كادت تثمر وتؤتي أكلها. وتصوَّرتُ في ذهني كذلك أنَّ الحاجَّ جعفر يبتسم لأنَّ مساعدته لم تكن عبثاً بل وجد أنَّه قد أغاث أرضاً خصبة، وتكاد زروعها يحين قطافها. ولم تختف من خيالي أيضاً تلك الحسناء التي حسن سلوكي بنصائحها. وبعد تذكُّر هذه الوجوه التي هي كواكب حياتي، تراءت في خيالي تلك الوردةُ التي طالما وددت لقاءها لأهديها صورة منظر من المناظر الجميلة حول مدينة فادنج فانجنج. وكيف لا يسرُّها الجمال وهي للجمال مرآة! يُرى منها وجه الجمال على حقيقته.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب