محــطة وقــود
كتب   مدير الموقع  نشر فى : May 12, 2019   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
خالد الشافعي

العدد 89

 

كنت مسافراً قبل أيام مع أسرتي.. الساعة الثانية بعد منتصف الليل. قبل الانطلاق من البلدة التي كنت فيها، تنبهتُ بأن الوقود سينتهي. توجهت لشراء بعض اللوازم، وبعدها انطلقت.. ونسيتُ التزود بالوقود!.

تذكرت ذلك وأنا في الطريق.. وكانت أول مرة في حياتي أسافر إلى ذلك المكان.. لذلك لم أقلق في البداية.. ظناً مني أنني سأجد الكثير من محطات الوقود في الطريق.

مع مرور الوقت والظلام الحالك والطريق الموحش.. بدأ القلق يتسرب إلى نفسي! اتصلت بصديق.. وعلمتُ أن أول محطة بنزين بعد مسافة طويلة جداً.. فتحول القلق إلى رعب!

تراجَعَت كل الاهتمامات والمشاغل والمشاكل.. وانحصرت الآمال والأحلام والهموم كلها في محطة وقود.

لم أعد أتمنى من الدنيا إلا محطة وقود.. تضاءلت وتصاغرت كل المشاكل التي كانت تشغلني منذ دقائق!

لاح ضوء من بعيد.. فدَبّ في القلب أمل واهن وفرح مُعلق.. اقتربت.. لم تكن محطة وقود.. بل استراحة فقيرة جداً، شعرت بالإحباط، سألت الرجل عن أقرب محطة وقود.. تعلق كياني كله بحركة فم الرجل في انتظار إجابته!

أجابني الرجل: بعد ثلاثة كيلومترات!

كدت أحتضنه.. لكني خشيت أن تكون إجابة غير دقيقة.. أو محطة وقود ليس بها وقود الليلة. انطلقتُ وعيناي لا تفارق لمبة البنزين.. مرت الثواني كالدهر!

أخيراً.. لمحت من بعيد مـحـطـة الـوقـود.. حين وصلت لم يكن هناك أحد.. جعلت أبحث عمّن أكلمه.. ظهر رجلٌ.. فسألته فوراً: عندك بنزين!؟

فقال: نـعـم.. فكانت أجمل (نـعـم) سمعتها في حياتي!.. وسجدت لله فوراً سجدة شكر.

بعد ذلك انطلقت لاستكمال الرحلة.. وأنا أشعر أنه انكتب لي عمر جديد..

جاء في بالي معنى يأتيني كل رمضان.. شهر رمضان أصلاً هو: محــطة وقــود تتزود منه لباقي العام، كيف نضيعه!؟ كيف تجازف بالموت عطشاً!؟

كيف تمر بـمحطة الوقود الوحيدة.. فـلا تتزود منها!؟

وفي حياة الكثيرين كل عام يكون رمضان القادم هو الأخير.. يعني آخر محطة للتزود قبل القدوم على الله.. آخر محطة للتوبة والاستقامة، ورد المظالم، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والعودة للقرآن.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب