جهود علماء المغرب في التأسيس لمنهج إسلامي في النقد الأدبي -علي لغزيوي نـموذجاً
كتب   مدير الموقع  نشر فى : Dec 16, 2019   طباعة   أرسل لصديق  أرسل لصديق 
قول على قول

 

جهود علماء المغرب في التأسيس لمنهج إسلامي في النقد الأدبي

-علي لغزيوي نـموذجاً - 

بقلم: الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة

 -جامعة عنابة-الجزائر-

 

علي لغزيوي.



     

إن إلقاء نظرة عابرة على التعريفات الكثيرة، والمتنوعة التي قُدمت عن مفهوم: «الأدب الإسلامي»، لهي كافية، ليقتنع الباحث منذ البداية، بصعوبة إنجاز بحث دقيق، وعميق، يُحيط إحاطة شاملة بقضايا الأدب الإسلامي، ففي السنوات الأولى التي عرفت دعوة إلى إنشاء أدب إسلامي ملتزم، رداً على المذاهب الأدبية الأخرى بمختلف مشاربها، وينابيعها، تجلت مجموعة من المصطلحات، منها: الأدب الإسلامي، وأدب الفكرة الإسلامية، وأدب العقيدة الإسلامية، وأدب الفكر الإسلامي، وأدب الدعوة الإسلامية، وغيرها، وقد تكررت هذه المصطلحات في أقلام الكثير من الكتاب والباحثين، المهتمين بقضايا الأدب الإسلامي، ويبدو أنه لم يصمد من هذه المصطلحات، إلا مصطلح: الأدب الإسلامي، الذي يتكرر معه في بعض الكتابات: أدب الدعوة الإسلامية.

     وقد تعددت التعريفات التي قُدمت عن الأدب الإسلامي، تعدداً يكاد يكون لافتاً للنظر، ومن بين هذه التعريفات، ما ذكره الأستاذ محمد قطب بأنه التعبير الجميل عن الكون، والحياة، والإنسان، من خلال تصور الإسلام للكون، والحياة، والإنسان.

      وما ذكره الدكتور عماد الدين خليل بأنه تعبير جمالي عن التصور الإسلامي للوجود، إضافة إلى تعريف الدكتور عدنان رضا النحوي بأنه فن التعبير باللغة، الذي يُشارك الأمة الإسلامية في تحقيق أهدافها الإيمانية الثابتة، والمرحلية، وليساهم في عمارة الأرض، وبناء حضارة إيمانية طاهرة، وحياة إنسانية نظيفة، وهو يخضع في ذلك كله لمنهاج الله الحق المتكامل قرآناً وسنة.

     ونشير في هذا الصدد إلى ما ذهب إليه الدكتور نجيب الكيلاني، بأن الأدب الإسلامي هو أدب مسؤول، والمسؤولية الإسلامية التزام نابع من قلب المؤمن، وقناعاته.

     والحق أن من يرصد أغلب التعريفات التي تتردد في الدراسات النظرية والتطبيقية للأدب الإسلامي، يلفي أنها لا تخرج في مجملها عن قضايا رئيسة، تحدد المفهوم الشامل للأدب الإسلامي، وهي أنه تعبير فني مؤثر، نابع من ذات مؤمنة، ومترجم عن الحياة، والإنسان ، والكون، وفق الأسس العقائدية للمسلم، وباعث للمتعة، والمنفعة، ومحرك للوجدان، والفكر، وحافز لاتخاذ موقف، والقيام بنشاط ما(1).

    من خلال هذه الورقة نسعى إلى الإضاءة على جانب من جوانب جهود علماء المغرب في التأسيس لمنهج إسلامي في النقد الأدبي، فنتوقف مع بعض الأفكار والرؤى، التي قدمها العلاّمة الدكتور علي لغزيوي، عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية سابقاً-رحمه الله-، في كتابه المتميز الموسوم ب: «مدخل إلى المنهج الإسلامي في النقد الأدبي-التأسيس-».

 

أولاً: العلامة علي لغزيوي : أضواء على حياته وإنجازاته العلمية:

      ولد المفكر والأديب الدكتور علي لغزيوي بإقليم صفرو في المغرب الأقصى سنة: 1948م، بدأ تعليمه في الكتاب بمدينة الدار البيضاء، فحفظ ما تيسر من القرآن الكريم، ثم دخل المدرسة الابتدائية، فالمتوسطة(السلك الأول)بالمدينة نفسها، ثم واصل دراسته الثانوية بمدينة فاس، فحصل منها على شهادة الدروس الثانوية، وشهادة البكالوريا سنة: 1967م، والتحق بعدها بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، فحصل منها على الإجازة في اللغة العربية وآدابها سنة: 1971م، ثم حصل على دبلوم المدرسة العليا للأساتذة(السلك الثاني)، فرع فاس، وتخصص في النقد الأدبي، و حصل على شهادة العالمية(دبلوم الدراسات العليا)في الأدب الأندلسي سنة: 1987م، والعالمية العالية(دكتوراه الدولة) في النقد الأدبي سنة: 1990م، من جامعة محمد الخامس بمدينة الرباط.

      وقد انضمَّ الأستاذ الدكتور/علي لغزيوي مُبكراً إلى أسرة التربية، والتعليم، فعمل مُدرساً في مرحلة التعليم الثانوي(السلك الثاني) بمدينة مكناس سنة: 1977م.ثم انتقل إلى التعليم الجامعي، فعمل أستاذاً مساعداً بكلية الآداب بجامعة محمد الأول بوجدة، ثم بكلية الآداب بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، وفي سنة: 1994م حصل على رتبة أستاذ التعليم العالي، وقد تقلد عدة مناصب علمية، وإدارية، فعين محافظاً لخزانة جامعة القرويين بفاس (أول جامعة في الدنيا) سنة: 2000م.

    «وقد تجلت مهمة الأستاذ الدكتور علي لغزيوي، رحمه الله، العاشق للكتاب، والكتابة في الحفاظ على المخطوطات الثمينة التي تزخر بها خزانة القرويين، وتوجيه الباحثين، وإرشادهم في القيام بأعمالهم العلمية»، وقد ظل يعمل فيها محافظاً بارزاً حتى أحيل على التقاعد، سنة: 2005م.

    وكان الأستاذ الدكتور/علي لغزيوي أستاذاً متميزاً، وأديباً، وعالماً، ومتخصصاً في عدة مجالات في الأدب الأندلسي، والنقد، والتاريخ، والدراسات الإسلامية، وغيرها، ولذا أختير:

.عضواً في الهيئة العلمية لمجلة بونة للبحوث والدراسات التي تصدر بمدينة بونة(عنابة)بالمغرب الأوسط (الجزائر).

.عضواً في المجلس العلمي المحلي لإقليم صفرو بالمغرب الأقصى.

.عضواً في رابطة الأدب الإسلامي العالمية.

.رئيساً منتخباً لشعبة اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب بوجدة1984-1985م.

.عضواً بمجلس جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس1994-1995م.

.عضواً بمجلس كلية الآداب بفاس.

.رئيساً لوحدة البحث والتكوين «نظرية الشعر في النقد العربي القديم بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس».

.المسؤول العلمي بمعهد الدراسات المصطلحية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس.

.رئيساً لمجموعة البحث في المصطلح النقدي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس.

-عضواً مؤسساً وكاتباً عاماً للجمعية المغربية للتراث.

-عضواً لوحدة البحث والتكوين الشعرية الأندلسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس.

-عضواً لوحدة البحث والتكوين«تراث الغرب الإسلامي بكلية الآداب بوجدة».

-مُعداً ومقدماً لعدة برامج ثقافية إذاعية بإذاعتي وجدة، وفاس.  

 من مؤلفاته:

1-أدب السياسة والحرب في الأندلس: من الفتح الإسلامي إلى نهاية القرن الرابع الهجري، الطبعة الأولى: 1987م، مكتبة المعارف، الرباط، المغرب.

2-فاس في شعر محمد الحلوي(بالاشتراك)، الطبعة الأولى، 1994م، مطبعة أنفوبرانت، فاس، المغرب.

3-الباقي من كتاب القوافي: حازم القرطاجني(تقديم وتحقيق)، سلسلة نصوص تراثية: 1، الطبعة الأولى، 1996م، دار الأحمدية، الدار البيضاء، المغرب.

4-مقدمة في العروض لأبي عبد الله السقاط، (تقديم وتحقيق)، سلسلة نصوص تراثية: 2، الطبعة الأولى، 2000م، مطبعة أنفوبرانت، فاس، المغرب.

5-مدخل إلى المنهج الإسلامي في النقد الأدبي(التأسيس)، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، سلسلة كتاب دعوة الحق، العدد السادس، الطبعة الأولى، 1421هـ/2001م، مطبعة فضالة، المحمدية، المغرب.

6-نظرية الشعر والمنهج النقدي في الأندلس(حازم القرطاجني نموذجاً)، الطبعة الأولى، 1428هـ/2007م، مطبعة سايس، فاس، المغرب.

7-خزانة القرويين بين الماضي والحاضر...وغيرها.

  كما شارك في العديد من المؤتمرات الدولية، والوطنية، وقد توفي بمدينة فاس يوم الأحد 18 من ذي القعدة1430هـ، الموافق: 16أكتوبر2011م، ودفن بمقبرة(وسلان)في المدينة نفسها(2). 

   ثانياً: وقفة مع جهود العلامة علي لغزيوي في سبيل التأسيس لمنهج إسلامي في النقد الأدبي:

    لقد سعى العلاّمة الدكتور علي لغزيوي، إلى تأسيس مشروع متكامل، للنهوض بمنهج إسلامي في النقد الأدبي، حيث كان يهدف إلى التركيز على ثلاثة أقسام رئيسة-كما ذكر-:

1-التأسيس.

2-الامتداد.

3-التطبيق، وهو مجال لتقديم نماذج من الدراسات التطبيقية المنصبة على نصوص من مختلف الأجناس الأدبية، تتضح من خلالها معالم المنهج الإسلامي، ومقوماته بشكل ملموس.

     وقد انطلق من فكرة شغلت باله، وما زالت تشغل بال أبناء هذه الأمة، وهي: هل يمكن قيام منهج إسلامي في النقد الأدبي؟وما هي خصائصه، وما مقوماته؟، وأهدافه؟وإلى غير ذلك من التساؤلات المتفرعة التي حاول إيجاد أجوبة مقنعة لها، في دراسته: «مدخل إلى المنهج الإسلامي في النقد الأدبي-التأسيس-»، التي يعتبرها عبارة عن معالم في الطريق، تبعث على مواصلة المسيرة لإثراء المشروع، وتقويمه، من أجل تأصيل نظرية للنقد الإسلامي ، تنظر إلى الأدب من وجهة نظر إسلامية، وتساعد على إعادة كتابة تاريخ الأدب العربي على ضوء هذه الوجهة، كما نصت على ذلك أهداف رابطة الأدب الإسلامي العالمية، التي تأسست لتحقيق مجموعة من الغايات النبيلة في هذا المجال(3). 

1-لماذا المنهج الإسلامي:

       يُعلل الدكتور علي لغزيوي أسباب السعي إلى التأسيس لمنهج إسلامي في النقد الأدبي، بالإشارة إلى ذلك التهافت على المناهج الغربية من قبل عدد كبير من الدارسين العرب، حيث يقول في هذا الصدد: «لقد عشنا حقبة طويلة نستهلك المناهج الغربية عن فكرنا وتربتنا، نقحمها في دراساتنا، وننظر من خلالها إلى أدبنا خاصة، وتراثنا عامة، وساعدت الأجيال المتعاقبة التي تلقت العلم في ديار الغرب على نشر تلك المناهج، وترسيخ أصولها في أذهان الناشئة...، وأسهم المستشرقون في ذلك إلى حد كبير، ولاسيما من خلال سعيهم إلى صرف أنظارنا عن المناهج الإسلامية الأصيلة في مختلف العلوم، عن طريق ما بثوه من أوهام، ومزاعم في محاضراتهم، ومؤلفاتهم، عن قصور تلك المناهج، بطريقة مباشرة حيناً، وغير مباشرة حيناً آخر...، ولذلك كان من اللازم أن نبحث عن المنهج الحقيقي في تجلياته الواضحة، ومبادئه الصحيحة في عدد من العلوم الإسلامية كالتفسير، وعلم الحديث، والأصول، والتاريخ، والأدب...، وأن نصل الماضي بالحاضر بدل أن نتنكر له»(4).

       ويُنبه الدكتور علي لغزيوي إلى أنه لا يُمكن أن نعلن رفضنا المطلق للمناهج المستوردة، فالفكر يظل دائماً عبارة عن عطاء إنساني مشترك، يتجاوز الحدود الضيقة، ليصل إلى البشرية جمعاء، ويصبح ملكاً لها، ومن ثم، يُمكننا أن نستفيد من إيجابياته، التي لا تتعارض مع رؤيتنا الحضارية، وتصورنا الإسلامي، ولكننا نعمل، ونسعى إلى أن نؤصل منهجنا المتميز، الذي يأخذ ويعطي، في الحدود التي تحافظ على مقوماته، وخصائصه، من خلال استعادة الخيوط التي تصل الماضي بالحاضر، بعد أن أخفاها ركام من الأفكار، والأحكام المسبقة، كما يرمي الدكتور لغزيوي من خلال جهوده للتأسيس للمنهج الإسلامي، إلى كشف حقيقة حاولت مزاعم النظريات الغربية تزييفها، عندما أخرجت المنهج الإسلامي من دائرة الاهتمام عند تأريخ الفكر، فهي تقفز من الفكر اليوناني عامة، والأرسطي خاصة، إلى عصر النهضة الأوروبية الحديثة، وما أعقبها من إنجازات، وتتناسى قروناً خصبة من عطاء الحضارة الإسلامية في شتى فروع المعرفة، وهي التي استفادت منها أيما استفادة.

     وما نفهمه من الأفكار التي قدمها الدكتور علي لغزيوي في الفصل الأول من كتابه: «مدخل إلى المنهج الإسلامي في النقد الأدبي-التأسيس-»، هو أن ما دفعه إلى تقديم رؤيته العميقة عن التأسيس إلى منهج إسلامي في النقد الأدبي، هو حاجة الأدب الإسلامي، اليوم، إلى«دراسات، وأبحاث تكشف مقدماته، ودلالاته، ومقوماته، وسماته، ووظيفته في الوجود، وتعرف بطاقاته، ورموزه، فالأدب الإسلامي يحتاج إلى دراسات نقدية جادة، وهو بحاجة إلى أكثر من ندوة، وأكثر من حديث، وأكثر من بحث، إنه يحتاج إلى دراسة عميقة، وجهود كبيرة، حتى تتحدد خصائصه، وتبرز ملامحه، ويأخذ دوره»(5).

     ويتبدى من خلال المساءلات التي قدمها الدكتور علي لغزيوي، أن أبرز دواعي تأسيس منهج إسلامي في النقد الأدبي، هي:

1-الوعي الذي ظهر بقوة، وأفرزته المرحلة الراهنة ، بضرورة التمييز بين ما هو إسلامي، وما هو دخيل في مختلف مجالات الحياة: تفكيراً، وسلوكاً، وإنتاجاً مادياً، وفكرياً.

2-التجارب الإبداعية التي بدأت تأخذ طريقها على درب الأدب الإسلامي، في الشعر، والرواية، والمسرح، وهي في أمس الحاجة إلى التوجيه، وإنارة الطريق لتعميق تجربتها، وتهذيب محاولاتها، والسمو بها، وقد تبين أن النقد الإسلامي، وفي مرحلة قصيرة، خدم تجربة الأدب الإسلامي، وصحح كثيراً من مفاهيمه، وقوم جملة من تصوراته.

3-الوعي بعدم انسجام، و ملاءمة الكثير من المناهج الغربية في التعامل مع التجربة الإسلامية المعاصرة، في الإبداع الأدبي، حيث إنها تتعامل مع النصوص بطريقة تخرج التصور الإسلامي، ومعاييره من الحساب، وترسخ بعض الانحرافات الفكرية، وهذا ما يدفع إلى ضرورة إيجاد منهج بديل، يعكس شخصية المسلم، وتطلعاته المنبثقة من عقيدته، وتصوراته الفكرية، والجمالية(6).

     ومن بين الأسباب الأخرى التي تدعو إلى تأسيس منهج إسلامي، السعي إلى تحقيق الشمول في التصور الإسلامي، وتحديد الإطار المتميز للموقف الإسلامي، من الفنون، والآداب، وتقوية الأرضية التي يقف عليها الباحث الإسلامي، في عالم يموج بمختلف المناهج والمذاهب، التي لا تنسجم في معظمها مع حضارته الأصيلة.

      ويوضح الباحث الدكتور علي لغزيوي أن مهمة الباحثين الهادفين إلى تحديد تصور صحيح للأدب الإسلامي، ومعالم واضحة للمنهج الإسلامي في الدرس والنقد، ليست يسيرة، لسببين رئيسين هما:

 «1-بعد مناهجنا الدراسية في مختلف المراحل عن إدراج نماذج من الأدب الإسلامي في الكتب المقررة، بل وإهمال الدراسة الفنية للقرآن الكريم في الشعب الأدبية في المرحلتين الثانوية والجامعية، وفي الدراسات العليا، في الوقت الذي يعتبر بيانه قمة الإعجاز، والبلاغة.

2-تغلغل المفاهيم والمناهج الأجنبية في أذهان ناشئتنا، وشبابنا، ومثقفينا، أو أذهان معظمهم في أحسن الأحوال، وسيطرتها على مختلف الدراسات، والأبحاث، التي تنجز من قبل الباحثين المسلمين أنفسهم»(7)، وتزداد تلك المفاهيم رسوخاً، نظراً للنشاط المكثف لوسائل الإعلام الأجنبية، وفعاليتها التي تجعلها تغزو العالم الإسلامي في عقر داره.

2-المنطلقات والأسس والمعايير والمقومات:

   ركز المفكر الدكتور علي لغزيوي في رصده للمنطلقات والأسس، على ثلاثة مواقف رئيسة:

1-موقف القرآن الكريم، وهنا يمكن الحديث عن موقف الإسلام من الشعر، كما جاء في القرآن الكريم من زوايا متعددة، من بينها ما فهمه العرب من نفور الإسلام من الشعر، وما يتصل بما سمي بنظرية ضعف الشعر في صدر الإسلام، وما يتعلق بموقف الإسلام من الشعر والشعراء، باعتباره موقفاً نقدياً يتضمن توجيهات، وأحكاماً واضحة، ركزت على معايير، ومقاييس، نابعة من روح القرآن الكريم، وتعاليمه.

2-موقف الرسول محمد-صلى الله عليه وسلم-من الشعر والشعراء، وهو ينبع من روح القرآن الكريم، وقد أُثرت عنه صلى الله عليه وسلم-أقوال وأحكام كثيرة، تتعلق بالشعر والشعراء، ويمكن أن تصنف إلى ثلاثة أصناف:

أ-يتعلق الصنف الأول بتشجيعه للشعراء المسلمين، وحثهم للدفاع عن العقيدة بلسانهم، والأحاديث كثيرة، ومعروفة.

ب-يتعلق بموقفه من الشعر على سبيل التعميم، ويمكن تمييز موقفين مختلفين ضمن هذا الصنف: موقف الرفض والنفور، وموقف الاستحسان.

ج-ما أثر عنه-صلى الله عليه وسلم-من أحكام على عدد من الشعراء الجاهليين، وهي تنقسم إلى قسمين، إيجابي، وسلبي.

3-موقف الصحابة والخلفاء الراشدين، حيث وردت جملة من الأحكام في هذا الشأن.

        لقد سعى الدكتور علي لغزيوي إلى تقديم رؤية دقيقة عن منهج النقد الإسلامي، الذي، لا ريب في أنه، يجب أن يستند بالضرورة، إلى نظرية تدعمه، فهو يجب أن يعتمد على النظرة القرآنية إلى الإنسان، والكون، والحياة، وما يحكمها من علاقات منتظمة هادفة، ولعل أبرز ما نبه إليه، فيما يتصل بطبيعة المنهج الإسلامي في النقد الأدبي، هو أنه لا يقصد «إلى التعسف في إثبات وعي نقدي، ورؤية نقدية عميقة وشاملة في صدر الإسلام الذي يمثل مرحلة التأسيس، ومهما تحدثنا في الموضوع، وأثبتنا وعياً نقدياً، أو رؤية نقدية، فإن ذلك بطبيعة الحال لا يصل إلى المستوى الذي يعرفه النقد اليوم في مفاهيمه، وأدواته الحديثة، ذلك بأنه لم تكن هناك قاعدة تصورية واضحة مستقلة، تقود الحركة الشعرية إلى طرائق عليا من التعامل المبدع الملتزم مع العقيدة الإسلامية، وإنما كانت هناك قاعدة واسعة، تتميز بالاتساع، والشمول، هي القاعدة التي تستند إلى الضوابط الإسلامية في مختلف مجالات الحياة»(8).

    وقد عزز المفكر الدكتور علي لغزيوي قراءته لقضية الأدب الإسلامي، ونقده، بالتركيز على قسمين رئيسين:

    رفع الالتباس وتحديد مفهوم المصطلح، وتوضيح العلاقة بين الموضوع والمضمون في الأدب الإسلامي، حيث قدم مجموعة من التساؤلات الفكرية العميقة، من أجل كشف النقاب عن العلاقة بين الموضوع والمضمون في الأدب الإسلامي، ومن بين الأسئلة التي طرحها: هل يكفي أن يتخذ الأديب حدثاً إسلامياً، أو شخصية إسلامية، أو فترة إسلامية، موضوعاً للكتابة ليوصف إنتاجه بأنه إسلامي؟

     وقد أكد بالنسبة إلى هذا الأمر، على أن المضمون في الأدب الإسلامي، لا يمكن أن يكون إلا منسجماً مع القيم الإسلامية السامية، ولا يتناقض معها، ولا يتعارض، لأن تلك القيم هي التي تحدد طبيعة الموقف، وبناء على ذلك يمكن تحديد إسلامية الأدب، دون أن نجزئ النظرة، فيتم الفصل بين المضمون والشكل، وما بين«النظرية الخلقية والنظرية الشكلية، يقف النقد الإسلامي متميزاً في نظرته إلى الإبداع الأدبي ودراسته، لكن وسطيته هذه ليست تلفيقية، ولا توفيقية بالمفهوم السائد للتوفيقية، بل هو موقف نابع من طبيعة المنطلق، والتصور، والمنهج، ومرتبط أشد الارتباط بمفاهيمه المرجعية، وما بين البحث في وظيفة الأدب، وطبيعته، وهما الموضوعان اللذان يشكلان على التوالي اهتمام كل من النظرية الخلقية، والنظرية الشكلية، يسعى النقد الإسلامي إلى افتراض التلازم الوطيد بينهما، وهذا أمر هام، لأن الجمال في الأدب الإسلامي ليس أحادياً أو جزئياً، بل هو جمال داخلي، وخارجي في آن واحد...»(9).

     يذهب الدكتور علي لغزيوي في تفصيله للمقومات والأهداف، التي يقوم عليها المنهج الإسلامي في النقد الأدبي، إلى أن المقومات التي يذكرها، هي التي تحقق الأهداف الكبرى لمنهج النقد الإسلامي، وتبرز طبيعته، وتعمق إسلاميته، وتصحح التصورات المرتبطة به تنظيراً وتطبيقاً، ومن أهم هذه المقومات:

1-ارتباط المنهج بالعقيدة في النظرية الإسلامية، وهو يعتبر من العوامل الجوهرية التي تجيش بها أعماق الأديب.

2-تحقيق الانسجام بين عقيدة الأديب المسلم، وحسه الأدبي.

3-إنصاف العقيدة الإسلامية.

4-حماية القيم الفنية في الأدب.

5-خصوصية المصطلح، وضرورة مناسبته للتصور الإسلامي.

6-التوازن في الاعتداد بالمضمون، وجماليات الشكل.

7-التكامل بين الذات والموضوع.

       ولا يملك المتأمل بين دفتي هذا السفر إلا أن يثني على جهود العلاّمة علي لغزيوي في سبيل النهوض بهذا البحث المتميز، الذي قدم من خلاله رؤى عميقة عن التأسيس لمنهج إسلامي في النقد الأدبي، ونأمل أن يحظى هذا الموضوع باهتمام واسع من لدن مختلف الباحثين والدارسين.

 

الهوامش :

(1) بنعيسى بويوزان: لم الأدب الإسلامي؟، مجلة الفيصل الأدبية، ملحق فصلي يصدر عن مجلة الفيصل، العدد: 1و2-ذوالقعدة1426هـ-المحرم1427هـ-صفر ربيع الآخر1427هـ، المملكة العربية السعودية، ص: 94، وينظر: محمد قطب: منهج الفن الإسلامي، دار الشروق، د.ت، ص: 6، ود.عماد الدين خليل: المدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي، مؤسسة الرسالة، ط: 2، 1988 م، ص: 69.

(2)استقينا هذه المعلومات المتعلقة بحياة الدكتور علي لغزيوي، من مقال: د.سعد بوفلاقة: علي لغزيوي وكتابه: أدب السياسة والحرب في الأندلس، منشور في مجلة دراسات أندلسية، مجلة علمية محكمة تصدر بتونس، العدد: 49-50، صفر1435هـ-ديسمبر2013م، ص: 33، ومن مجلة مرآة التراث، مجلة علمية تراثية محكمة تصدر عن الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، العدد: 2، ربيع الأول1433هـ-فبراير2012م، ص: 215.

(3)د.علي لغزيوي: مدخل إلى المنهج الإسلامي في النقد الأدبي(التأسيس)، منشورات كتاب دعوة الحق، العدد السادس، الرباط، المغرب الأقصى، 1421هـ - 2000م، ص: 141.

(4)د.علي لغزيوي: المرجع نفسه، ص: 9 وما بعدها.

(5) عبد الجبار البودالي: جمالية الفن عند عدنان النحوي، مجلة المشكاة، مجلة الأدب الإسلامي تصدر عن المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في المغرب، المجلد الثاني عشر، العدد: 52،  2009م، ص: 85.

(6) د.علي لغزيوي: مدخل إلى المنهج الإسلامي في النقد الأدبي(التأسيس)، ص: 20.

(7) د.علي لغزيوي: المرجع نفسه، ص: 25.

(8)المرجع نفسه، ص: 92.

(9)المرجع نفسه، ص: 114.

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب