الأدب الإسلامي: مصطلح مطمئن وآفاق واسعة (1/3)

قول على قول

 

bdr10

د.عبد الباسط بدر


عندما بدأ أرسطو ينظر للأدب في كتابه (فن الشعر) كان الشعر الإغريقي بأنواعه: الغنائي والملحمي والمسرحي قد مضى على بدايته المفترضة خمسة عشر قرنا، وكان أرسطو يستنبط القواعد ويضع الأحكام معتمداً على نصوص ذلك التراث، وعلى ذائقته الأدبية الغنية، ورؤيته الفلسفية لما ينبغي أن يكون عليه الشعر، وقد تحولت قواعده وأحكامه إلى مقاييس طبقها النقاد بعده، ثم تجاوزوها بعد قرون، وظل بعضها أصولا يتمثلون بها إلى يومنا هذا.

وتاريخنا الأدبي عندما وضع الخليل بن أحمد قواعد العروض استنبطها من رصيد شعري يمتد من امرئ القيس إلى معاصريه، وصارت قواعده مقاييس لإيقاع الشعر قيست بها القصائد من قبله ومن بعده، وما زالت مرجعية لنا في زمننا هذا، رغم الخرق الكبير الذي أحدثه الشعر التفعيلي، والثورة العقيمة التي أشعلها دعاة قصيدة النثر.

وفي المسار نفسه قام عدد من المنظرين في القرن الماضي باستقراء النصوص الأدبية التي تميزت بحمل القضايا الإسلامية في تراثنا الأدبي العربي، وامتداداتها عبر العصور، وتطورها في عصرنا الحاضر، ولحظوا وجود مسارات موازية لها لا في آداب الشعوب الإسلامية غير العربية، تنطق بلغاتها، الفارسية والتركية والأوردية والملاوية والسواحلية... إلخ، خصوها بمصطلح (الأدب الإسلامي)، وأخذوا يستنبطون منها، القواعد والمقاييس، ويرجعون إلى ما كتبه أسلافنا عن تقويم العمل الأدبي من وجهة النظر: الإسلامية التي وردت في كتب التفسير والحديث النبوي

والسيرة النبوية وأقوال الصحابة وأفعالهم ومن تلاهم من التابعين والفقهاء، والنقدية التي وردت في أقوال وكتابات الذين قوموا العمل الأدبي من منطلقات لغوية وخلفية ودينية وذوقية، وأضافوا إليها مرئياتهم وما وجدوه في مستجدات العصر الحديث، ليصنعوا من ذلك كله نظرية لذلك الأدب المتميز، تنطلق من نتاج أدبي كبير، قديم وحديث، العربي وغير عربي، وليس نظرية لأدب جديد، ولا تأسيسا لتجارب شعورية لاحقة تسير على قواعد مسبقة الصنع.

ويبدو أن هذه الحقيقة غابت عن بعض النقاد والدارسين فحسبوا أن مصطلح (الأدب الإسلامي) إعداد لأدب حديث الولادة، ولم يفرقوا بين التنظير اللاحق لأعمال أدبية سابقة ومعاصرة، والتنظير المسبق والمعاصر لأدب جديد؛ فسدوا الآفاق في وجهه وحكموا عليه بالموت الأكيد، ولو أن منظري الأدب الإسلامي وواضعي مصطلحه كانوا على الفهم الخطأ الذي فهمه أولئك الدارسون والنقاد لشارکت منتقديهم، وربما شاركني نقاد الشعوب الإسلامية كافة. في الحكم عليه بالموت، ولكن الأمر خلاف ذلك، فالأدب الذي يقصده مصطلح الأدب الإسلامي - كما أسلفت- يضرب بجذوره في عمق الزمان إلى العهد النبوي، وتمتد آفاقه بامتداد آفاق الإنسان والحياة والكون، وتنتشر جغرافيا بانتشار الأدباء الإسلاميين في العالم الإسلامي وغير العالم الإسلامي، حيثما عاشوا، وحيثما انفعلت وجداناتهم وتوهجت تجاربهم الشعورية وسكبت عطاءها الأدبي.

ورغم أن المصطلحات لا مشاحة فيها، يضعها أصحابها للدلالة على ما يقصدونه، ويحددون -هم- تلك الدلالة، فإن مصطلح الأدب الإسلامي وضعه منظروه بوعي كامل لما قد يتترس به مناوئوه من حجج وتداعيات مفترضة، فواجه تلك الحجج والافتراضات، واستقر في الساحة الثقافية بطمأنينة, ويقيني أنه يزداد تمكنا وثراء بالحوار والسجال النقدي، ولو خرج بعضه إلى المغالطة والجدل العقيم.

ولعل ما كتبه الدكتور عبد الله بن سليم الرشيد في مقاله في الأدب الإسلامي: (مأزق المصطلح والآفاق المسدودة)، المنشور في العدد الرابع والثلاثين من هذه المجلة القيمة (مجلة الآطام التي تصدرها النادي الأدبي في المدينة المنورة) واحد من عوامل ذلك اليقين، لأنه. وله ولرصفائه الفضل والشكر - يستنهض منظري الأدب الإسلامي لبيان ما غمض على الآخرين، وكشف ما وقعوا فيه من فهم خطأ، وما ساقوه من مغالطات لا تحمد للحقيقة. ولقد وجدت في المقالة المذكورة

أحكاما مبنية على فرضيات خاطئة، واستنتاجات غير صحيحة، وشواهد بعضها واهن لا ترتضيه أبسط قواعد الاحتجاج المنهجي، وبعضها محرف اجتزئ من سياقه ليدل على خلاف ما وضع له، وسوف أناقش في هذه المقالة ما عرضه الكاتب، وما

وقع فيه من أخطاء ومغالطات.

افتتح الكاتب مقالته بحكم قرر فيه(1) عجز نظرية الأدب الإسلامي عن أن تقنع الكثيرين بجدواها لكثرة ما دخل عليها، وعجزها عن الإجابة على الأسئلة التي طرحت عليها). وهو الحكم الذي يريد أن يصل إليه من جملة مقالته، والذي بادر به القارئ ليحصره بين جنباته في جميع التفصيلات التي سيوردها، وسوف أناقش هذا الحكم في آخر فقرة من مقالتي هذه، وأبدأ بمناقشة ما وصفه بأنه (أوضح المشكلات التي أوجدتها نظرية الأدب الإسلامي) وهي مشكلة المصطلح.

 مصطلح الأدب الإسلامي والافتراضات الموهومة:

يقول الكاتب(۲): (إن من أوضح المشكلات التي أوجدتها نظرية الأدب الإسلامي أن صار مصطلح الأدب الإسلامي، يقتضي مصطلحا آخر أديب إسلامي، وترتب عليهما أن يكون ما يقابلهما غير اسلامي، ونتج عن ذلك أن صار بعض الأدباء غير إسلاميين، وبعضهم دخل في الدائرة فصار اسلامياً، ومعنى غير إسلامي، أنه مضاد الإسلام).

إن أول ما يلفت النظر في هذه المقولة أنها مصوغة على أنها من الثوابت والحقائق وليس الفرضيات، فالكاتب يستخدم كلمة (يترتب) وما أدري من أين جاء بهذا (الترتيب)، هل أخذه من أصحاب نظرية الأدب الإسلامي، وهم المستهدفون بالاتهام، أم من طبيعة العلاقة بين النص والمبدع؟ أم أنها فرضية توهمها وألبسها ثوب الحقائق، وأخذ يحاكم ويحكم بها؟

أما أن يكون منظرو الأدب الإسلامي حكموا بأن غير إسلامي يعني أنه مضاد للإسلام، فلا أعرف أحداً منهم أورد هذا الحكم الظالم! وأما أن العلاقة بين النص والمبدع تقتضي هذا الحكم؛ فالأمر ليس بالآلية والسذاجة اللتين توحيان بهما عبارة الكاتب.

النص والمبدع عند منظري الأدب الإسلامي

من الأبجديات التي ينطلق منها منظرو الأدب الإسلامي أن النص الأدبي الإسلامي لا يقتضي -بالحتمية التي يدل عليها الاقتضاء. أن يكون صاحبه نموذجاً أبديا لما يدل عليه النص، فهذا النص قد يصدر عن مؤمن ملتزم يوافق سلوكه إيمانه وجميع مفردات حياته، وقد يصدر عن آخر تتنازعه الأهواء ويتردد بين الطهارة والمعصية، وقد يصدر عن شخص ولغ في الآثام، ولكنه في لحظة من اللحظات صحا على صوت الفطرة، وتفجرت فيه ينابيع الخير، وظهرت في نص أدبي جسد حالته في تلك اللحظة، والشواهد على ذلك كثيرة في اختيارات منظري الأدب الإسلامي ودراساتهم وشواهدهم من إبداعات الأدباء التراثيين والمعاصرين، فثمة قصائد وقفوا عندها ودرسوها لأدباء كعبد الله بن المبارك ومحمد بن كُناسة ومحمود الوراق، ونجد

ترجمات هؤلاء ما يؤكد أن الصورة التي رسموها قصائدهم للشخصية المسلمة هي صورة لحياتهم وسلوكهم، وثمة نصوص أدبية إسلامية أبدعها أدباء تروي ترجماتهم ونصوصهم الأدبية الأخرى أنهم كانوا يتراوحون بين ما تصوره نصوصهم الأدبية الإسلامية وبين الممارسات التي لا تخلو من زلل وعثرات، وربما خطيئات، وهذا شأن كثير من المسلمين في كل زمان ومكان، وليس من البشر سوی الرسل والأنبياء من يملك العصمة، وكل ابن آدم خطاء...، ولعل أبرز الأدباء الذين يستشهد بهم على هذه الحالة أمير الشعراء أحمد شوقي الذي أبدع قصائد إسلامية رائعة كقصيدته الهمزية التي مطلعها(3):

ولد الهدى فالكائنات ضياء / وفم الزمان تبسم وثناء

وفي الوقت نفسه ظهرت في ديوانه خمريات ومجونيات تعطي انطباعا مخالفا لما تعطيه إسلامياته كقوله في إحداها(4).

رمضان ولى هاتها يا ساقي / مشتاقة تسعى إلى مشتاق

الحالة الثالثة: التي يمكن أن يصدر عنها نص أدبي اسلامي هي حالة ضدية بالكامل، يكون الأديب فيها غارقا - سلوكه وابداعه الأدبي- فيما لا يرضى عنه الإسلام، ويستيقظ صوت الفطرة فيه فجأة، ويدرك ما توخل فيه، ويملؤه شعور بالذنب والخطيئة، كما تملؤه رغبة بالتغيير والتكفير، وتتفاعل هذه الرغبات أعماقه وتنمو حتى تتفجر این بوح أدبي عذب يحمل المعاني الإيمانية العالية، وعندما يخرج هذا النص من أعماق الأديب يصبح نصا أدبيا يحمل خصائص الأدب الإسلامي)، ويتبرأ من تبعات اللحوم الأخرى المخالفة، طبقا لقاعدة قررها أعدل العادلين: (ألا تزر وازرة وزر أخرى)(5).

وأقرب مثال لهذه الحالة بعض قصائد الشاعر العباسي أبي نواس، وأبو نواس هو من هو في الخمريات والمجونيات، ولكنه في لحظة صحوة الفطرة يقول(6):


يارب إن عظمت ذنوبي كثرة / فلقد عملت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يرجوك إلا محسن / فبمن يلوذ ويستجير المجرم

أدعوك رب كما أمرت تضرعا / فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم

ما لي إليك وسيلة إلا الرجا / وجمیل عفوك ثم إني مسلم


فهذا النص وأمثاله أدخله منظرو الأدب الإسلامي تحت مظلة هذا الأدب ووضعوه ومختاراتهم الشعرية واستشهدوا به في غير مكان، ولو رجع الكاتب إلى المختارات التي أصدرتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بإشراف الدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا رحمه الله بعنوان (شعر الدعوة الإسلامية) لوجد عددا من القصائد والمقطوعات لشعراء طفحت دواوينهم بقصائد تصادم القيم الدينية، منها إحدى عشرة

قصيدة ومقطوعة شعرية لأبي نواس وحده)(7).

ونحن في تنظير الأدب الإسلامي لا نؤمن بالخطيئة الأبدية - كما لا نؤمن بالطهارة الأبدية لغير من عصمهم الله: الملائكة والرسل - ولا نستبعد نصا أدبيا توافرت فيه عناصر (الأدبية الإسلامية) أيا كان صاحبه، ونهتم بدراسة حالة التضاد بين النص وصاحبه، ونتعمق دراستها إن تطلب الأمر ذلك للوصول إلى تفسير لهذا التضاد؛ آهو من نتاج صحوة الفطرة أم الازدواجية؟ أم النفاق رهبة أو رغبة وفيما عدا ذلك لسنا معنيين بحياة الأدباء وسلوكياتهم، ولا نعد أحدا بأرائك في الجنة ولا مقاعد في جهنم.

المسلم والإسلامي، التطابق والتمايز

رغم كثرة تداول مصطلح (إسلامي)، واتصاف الأدب الذي هاجمه کاتبنا ورصفاؤه به، لم يتساءل أحد منهم عن الدلالة التي يحملها المصطلح، ولا عن التميز الذي يكسبه للأدب والأديب الموصوفين به، فما دلالة هذا المصطلح عند منظريه؟ وما الفرق بينه وبين مصطلح: مسلم؟

من حيث الدلالة اللغوية لا يوجد فرق كبير بين المصطلحين فكلمة مسلم، اسم فاعل للفعل الرباعي (أسلم) حذفت همزته للتخفيف. وصيغة اسم الفاعل تدل على قيام الفاعل بالفعل، وهذا يعني أن المسلم هو الذي ارتبط بالإسلام، وقد وردت صور هذا الارتباط في القرآن الكريم على مستويات مختلفة، أعلاها ارتباط الرسل والأنبياء وحوار بيهم وصحابتهم المقربين كما في قول سيدنا إبراهيم (8): (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا)، وقوله: (وأنا أول المسلمين)(۹)، وقول الحواريين: (واشهد بأننا مسلمون)(۱۰)، وأدناها الارتباط الذي وصف الله تعالى به بعض الأعراب بقوله: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم)(۱۱).

فخطاب الله تعالى للأعراب بأن يعلنوا أنهم أسلموا أي أصبحوا مسلمين، والتفريق بين هذه الصفة وصفة الإيمان يدل على مجرد الدخول في الإسلام دون الارتقاء فيه إلى الدرجة التي تدل عليها الأية السابقة، ويوضح ذلك بجلاء أوفى الحديث الشريف الذي يعرض حواراً بين جبريل ورسول الله: ليتعلم منه المسلمون(۱2): عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه منا أحد، حتی جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد: أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله : "تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: صدقت"...إلخ.

فقد بين الحديث النبوي درجات الارتباط والالتزام بالإسلام، وأولها: الدخول في الإسلام. وفسره رسول الله كما يقول ابن رجب الحنبلي(13) بأعمال الجوارح الظاهرة من القول والعمل. وثانيها تحقيق الإيمان، وفسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاعتقادات الباطنة، والمشهور عند السلف أن الإيمان قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان، فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام، وليس كل مسلم مؤمناً"(14).

«وثالثها: الارتقاء والالتزام بالإسلام اعتقادا وسلوكا إلى درجة عليا تدخل في جميع تفصيلات حياته لأنه يشعر أنه تحت مراقبة دائمة، واستحضار قرب الله وتعالى وأنه بين يديه يوجب النصح في العبادة وبذل الجهد في تحسينها بإتمامها وإكمالها(15).

وأما مصطلح "إسلامي"، فمصدر ألحق به ياء النسب المشددة؛ للدلالة على الصلة والانتماء، فتقول: مكيّ أي من أهل مكة، وتميميّ أي من قبيلة تميم، وإعلاميّ أي من رجال الإعلام...إلخ. وقد وردت صيغة المصدر المنسوب في القرآن الكريم في مثل قوله تعالى: (ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته، أأعجمي وعربي)(۱۱)، ولم ترد لفظة "إسلامي" فيه.

وأما دلالته عند منظري الأدب الإسلامي فهي الدرجة العليا من حمل القضايا الإسلامية، والتي تعادل درجة (الإحسان) التي وردت في الحديث الشريف، وسوف أعرض تفصيل هذه الصفة في الأدب والأديب في فقرات تالية، وأنبه هنا بأن استخدام هذا المصطلح ليس جديدا، ولا من ابتداع العصر الحديث، وأن له تاريخ تطورت فيه دلالاته حتى استقرت على ما أشاعه المنظرون في عصرنا الحاضر، كما لمصطلح (أدب) ثاريخ تطورت فيه دلالاته حتى استقرت على ما هي عليه في زماننا هذا.


مصطلح الأدب الإسلامي تاريخه وتطور دلالاته

 

تتبع حسن الأمرائي تاريخ هذا المصطلح عبر العصور (۱۷)، ووجد أن استخدامه يرجع إلى القرن الأول الهجري، وأن دلالاته مرت بأربع مراحل أوجزها نقلا من كتابه بالتصرف الذي يتطلبه الإيجاز فيما يأتي:

المرحلة الأولى: الدلالة على فترة زمنية معينة، وسماه أدب فترة (۱۸) حيث استخدمه الدارسون والنقاد مقابل مصطلح جاهلي»، فالأديب الإسلامي هو الذي عاش بعد  العصر الجاهلي ، مع اختلاف في تحديد هذه الفترة، فذهب بعضهم إلى صدر الإسلام والعهد الراشدي، وذهب آخرون إلى ضم العهد الأموي إليها، وقد استخدم منذ أواخر القرن الهجري الأول، وظهر بوفرة في القرن الهجري الثاني وشاع استعماله في القرن الهجري الثالث، ومن أمثلة ذلك أن الأصمعي سئل عن جرير والفرزدق فقال: ولا أقول فيهم شيئا لأنهم إسلاميون»، وقال عن شيخه أبي عمرو بن العلاء: وجلست إليه عشر حجج فما سمعته يحتج ببيت إسلامية، وصنف ابن سلام الجمحي و الشعراء طبقات الجاهليين»، وطبقات الإسلاميين، وعدَّ الأخطل شاعراً إسلامياً.

وقد أضاف بعض النقاد إلى العنصر الزمني شيئا من التأثر بالإسلام مضمونا أو شکلاء فالجاحظ يرفض قصيدة منسوبة للأفوه الأودي الورود معنى إسلامي فيها حيث يقول:


کشهاب القذف يرميكم به/ فارس في کفه للحرب نار


وعلق عليها بقوله: فمن أين علم الأفوه أن الشهب التي يراها إنما هي قذف ورجم وهو جاهلي، ولم يدع هذا أحد قط إلا المسلمون.

وتوسع ابن خلدون في دلالة المصطلح زمنا ومضمونا فاعتبر الإسلاميين هم الذين أدركوا الإسلام وتأثروا به في أديهم من حسان بن ثابت إلى أبي فراس الحمداني، وفضلهم على من قبلهم، لأنهم سمعوا الطبقة العليا من القرآن الكريم والحديث الشريف اللذين عجز البشر عن الإتيان بمثلهما، لكونهما ولجت في قلوبهما ونشأت على أساليبها نفوسهم، فنهضت طباعهم وارتقت ملكاتهم في البلاغة على ملكات من قبلهم من أهل الجاهلية ممن لم يسمع هذه الطبقة ولا نشأ عليها.

وقد تبنى معظم المستشرقين التقسيم الزمني التاريخ الأدب وأشاعوا دلالة الفترة الزمنية على مصطلح الإسلامي، وتابعهم على ذلك عدد من العرب المتحدثين والمعاصرين.

المرحلة الثانية: حمل فيها الدلالة على الامتداد الجغراء والتأثر بالدين معا، ويسميه أدب طفرة (۱۹)، فالأدب الإسلامي في هذا المصطلح يعني أداب الشعوب الإسلامية وليس فقط الأدب العربي، وخاصة الأدب الفارسي، ويعني وجود شيء من المعاني والقيم الإسلامية فيه، وكان على رأس القائلين بهذه الدلالة المستشرق بروكلمان الذي ربطه بالعصر العباسي.

 

المرحلة الثالثة: وحمل فيها دلالة مضمونية بحتة، ويسميه أدب فكرة )، أي أن الذي يميز الأدب الإسلامي عن غيره هو المضمون وحده باعتبار الشكل حيادية، وهي الدلالة التي يركز عليها كثير من خصوم الأدب . وكاتبنا واحد منهم. لتجريده من صفة الأدبية، ويستعينون على ذلك بتركيز بعض منظري الأدب الإسلامي على المضمون وقصور الشكل في بعض نتاج الأدباء المحدثين، ويرفض د. الأمراني هذه الدلالة(۲۱).

المرحلة الرابعة: تجتمع فيها عناصر المضمون والشكل فيدل على الأعمال الأدبية التي تتحقق فيها صفات الأدبية، وتصدر عن التصور الإسلامي ويؤكد الأمراني أن دعاة نظرية الأدب الإسلامي يقصدون هذه الدلالة ويسميه أدب فطرة(22).

وأنا أضيف إلى تأكيد الأمراني تأكيدا آخر ينبع من مفهوم منظري الأدب الإسلامي للعلاقة بين النص والمبدع الذي عرضته في فترة سابقة، والذي يضع النص الذي تتوافر فيه صفات الإسلامية تحت مظلة الأدب الإسلامي ولو كان صاحبه مسلما ناشزا في سلوكه وأعماله الأدبية الأخرى عن سواء القيم الإسلامية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- مجلة الآطام، العدد 34، ص95، ربيع الثاني 1430هـ، أبريل

۲۰۰۹م، وسأشير إليه في الهوامش التالية بكلمة المقال.

٢- المقال 65-66.  

3- الشوقيات 1/34، دار الكتاب العربي، بیروت، د.ت، وانظر: عرضا وافيا ودراسة لهذه الإسلاميات في كتاب: إسلاميات شوقي، لسعاد عبد الوهاب عبد الكريم، القاهرة 1407هـ/ ۱۹۸۷م.

4- الشوقيات 2/77.

5- سورة النجم، الآية 38.

6- انظر: ديوان أبي نواس 622، تحقيق أحمد عبد المجيد الغزالي، دار الكتاب العربي. بيروت، د.ت.

7- المصدر السابق النصوص المختارة ذات الأرقام (4، 5، 17، 29، 35، 67-68، 86، 121، 215-216.

8- سورة الأنعام، الآية 89.

9- سورة الأنعام، الآية 63.

۱۰- سورة المائدة، الآية ۱۱۱.

11- سورة الحجرات، الآية 11.  

۱۲- أخرجه مسلم في صحيحه 1/28، ح102،  باب معرفة الإيمان والإسلام والقدر، دار الجيل، بيروت.

۱۳- انظر: جامع العلوم والحكم، لأبي الفرج ابن رجب الحنبلي ص25، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1408هـ.  

14- المصدر السابق ص2۹.

15- المصدر السابق ص35.

16- سورة فصلت، الآية 44.

۱۷- انظر: سيمياء الأدب الإسلامي، المصطلح والدلالة، حسن الأمراني، مؤسسة الندوي ومجلة المشكاة، وجدة. المغرب 2005م.

18- السابق، ص ۳۱-54.

19 – السابق، ص 59-75.  

۲۰- السابق، ص 82-101.   

۲۱- انظر السابق ص 61.

2۲ – السابق، ص 104-158.

 

 

 

 

تعليقات القراء
لاتوجد تعليقات على هذا المقال الى اﻷن

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب