الأدب الإسلامي: مصطلح مطمئن وآفاق واسعة (2/3)

قول على قول

 


 bdr10

د.عبد الباسط بدر


 من هو الأديب الإسلامي؟

عندما اعتمد منظرو الأدب الإسلامي هذا المصطلح حددوا صفات والأديب الإسلامي»، وحيث إن رابطة الأدب الإسلامي، تتحمل التهمة الكبرى : رأي كاتب المقال فإنني سأذكره بما ورد في تحديدها للأديب الإسلامي وصفاته في أحد المصادر التي ذكرها في قائمة المصادر والمراجع الملحقة بمقالته وهو تعريف رابطة الأدب الإسلامي العالمية، حيث ورد في المادة الخامسة عشرة النص الآتي: "والأدباء الإسلاميون متقيدون بالإسلام وقيمه، وملتزمون في أدبهم بمبادئه ومثله"(23)

وهذا النص يوضح أمرين:

 الأمر الأول: ارتباطهم الحميم بالإسلام والثاني: التزامهم في إيداعهم الأدبي بمبادئه ومثله.

أما الارتباط الحميم الذي عبرت المادة المذكورة عنه بالتقيد فأدناه انتماؤهم إليه وعدم مخالفتهم أركانه ومبادئه الأساسية، وأعلاه ما توحي به لفظة «التقيد، من درجة عليا في الارتباط، وهو المأمول في المسلمين كافة فضلا عن الأدباء، وهذا لا يعني بالطبع مراقبة تفصیلات حياتهم ومحاسبتهم في سلوكياتهم الخاصة، فهذه أمور بينهم وبين خالقهم، والمدار على ما قاله الخليفة عمر بن الخطاب: "إنما لنا ما ظهر من أمركم" أي: ما جاهر به المرء وأعلن.

والأمر الثاني: أن يحمل إبداعهم الأدبي - أو قسم منه - القيم والتصورات النابعة من الإسلام ويجسد الشخصية المسلمة في تطلعائها وهمومها، ويكون صورة لحراكها الفردي والجماعي، وهذا هذا الفيصل بينهم وبين غيرهم من الأدباء هذه الصفات إذا اجتمعت في نتاج الأديب، دون مصادرة الوجدانياته الأخرى التي لا تصادم الإسلام، تبيح للمنظرين أن يصفوه بالإسلامي فالأديب المسلم هو كل من يحمل الهوية الإسلامية، فإذا لم يكن في نتاجه الأدبي ما يشعرنا بأن القضايا الإسلامية جزء مهم منه، فإننا لن نطلق عليه صفة الإسلامية؛ لأن الإسلامية عند دعائها تعادل درجة "الإحسان" في انغماس أدبه في تلك القضايا.

ولعله من فضول القول أن تذكر بأن انغماس الأديب الإسلامي أو التزامه بالقضايا الإسلامية هو انغماس والتزام ذاتي نابع من الإيمان والإحساس القوي بالانتماء، وليس نتيجة إلزام أو سلطة متسلطة، فهذا سيكون كذبا أو نفاقا محضاً، وهما من أرذل الصفات المرفوضة في الإسلام.

وهذا التفصيل – في يقيني - يوضح التميز الذي تساءل عنه الكاتب(24)، والذي يبحث عنه ولم يجده في المنتسبين لرابطة الأدب الإسلامي؛ لأنه لم يلتفت إليه ولم يقف عنده فيما قرأه من منشورات الرابطة.

ولا شك أن الكثيرين من الأدباء المسلمين حملوا شيئا من قضايا الشخصية المسلمة في بعض نتاجهم الأدبي على نحو ما ذكر الكاتب، وأبدع بعضهم نصوصا أدبية إسلامية في مناسبة وأخرى، ولكن زهرة وزهرات قليلة لا تصنع ربيعا، وهؤلاء لم ينغمسوا إلى الحد الذي انغمس فيه عبد الرحمن العشماوي - الذي تمثل به الكاتب - ورصفاؤه ومن سبقهم من الأدباء الإسلاميين، ولا يكفي للأديب أن لا نجد في إنتاجه ما يجرح شعور المسلم أو يخدش الخلق القويم، كما ذهب الكاتب لنطلق عليه مصطلح الأديب الإسلامي؛ لأن الأصل أن يكون كل مسلم - أديب أو غير أديب - بهذه الصفة؛ لأنه «مسلم»، فإذا حمل و نتاجه الأدبي ما يجرح شعور المسلم أو يخدش الخلق القويم فقد آذى إسلامه قبل أن يؤذي شعور الآخرين.

الإسلامية وأدباء الرابطة

ليس صحيحا ما ذهب إليه الكاتب(25) أن صفة والإسلامي، تطلق على من ينتسب إلى الرابطة وحسب، لأننا نطلق هذه الصفة على أدباء عاشوا وماتوا قبل قيام الرابطة وكان نتاجهم الأدبي ما يؤهلهم للاتصاف بها مثل علي أحمد باكثير وأحمد محرم، وهاشم الرفاعي، ومصطفى صادق الرافعي... وغيرهم كثير، كما نطلقها على الأدباء الذين عاشوا في القرون الممتدة من العهد النبوي إلى أعتاب العصر الحديث وحملوا مهمة الدفاع عن الإسلام أو الدعوة له أو تجسيد فضاياه كشعراء الرسول الا وشعراء الزهد والجهاد والفتوح.

وهنا أذكر أيضا بما أشرت إليه قبل قليل بأننا لا نؤمن بالخطيئة الأبدية للإنسان ولا بالطهارة الأبدية لغير الرسل والأنبياء، والأديب الإسلامي بشر يصيب ويخطئ ويحسن ويسيء، وقد تظهر زلاته في أعماله الأدبية، ولكن إذا أصر على زلاته، أو كثرت وزاحمت إحسانه فإنه ولا شك لا يستحق أن يوصف بالأديب الإسلامي. وقد عجبت من تساؤل الكاتب عن "إسلامية" مصطفى صادق الرافعي الذي كان معظم نتاجه الأدبي منافحة عن القيم الإسلامية وقضايا المسلمين في زمنه، ولكنه دخل في خصومات أدبية حادة، وانجرف في كتابه على السفود" إلى حد غير مقبول ولا شك، وأقر بذلك فيما بعد، فهل تطغى هذه الزلة على إسلاميات الرافعي الكثيرة مثل: تحت راية القرآن، واعجاز القرآن، ومن وحي القلم، ومن من غير المعصومين لم تزل قدمه أو قلمه يوما منذ عصر الصحابة إلى يومنا هذا؟.

هل "غير الإسلامي" مضاد للإسلام!؟

رتب الكاتب(26) في مقالته على مصطلح أديب إسلامي أن يكون ما يقابله غير إسلامي، وذهب في تفسير هذا المقابل مذهبا أقل ما يقال فيه: إنه تفسير خاص لا يقبله العقل، فقال ومعنى غير إسلامي أنه مضاد للإسلام، مثلما نقول مبدأ مكيافيلي غير إسلامي أبي أنه يناقض مبادئ الإسلام، ويعني هذا أن كل ما يوصف بأنه غير إسلامي هوتبعا لذلك غير مقبول.

لقد أخطأ الكاتب في مقولته هذه من جهتين:

الجهة الأولى: أنه حصر اختلاف الصفات في الضدية؛ فخرق قواعد الدلالة اللغوية وخصائص "الصفة".

أما الدلالة اللغوية فلا نجد فيها ما يقرر أن غير الشيء ينبغي أن يكون ضده، وأما خرقه خصائص الصفة(۲۷) فإن إطلاق الصقة على الموصوف يقتضي وجودها فيه، فعندما نصف شيئا بأنه أبيض فليس صحيحا أن ما عداه ينبغي أن يكون أسود، وثمة ألوان كثيرة ما بينهما نخطئ إذا أغفلناها ، ولكي نصف الشيء بالسواد ينبغي أن تتحقق فيه عناصر هذا اللون: القتامة والعتمة؛ أي أن يكون أسود حقيقة.

وأما الجهة الثانية: التي أخطأ فيها الكاتب فهي المثل الذي ضربه، فقد أضاف إلى الصفة تابعة مشحونة بعناصر الضدية (الميكافيلية) وهي عنوان لسياسة وسلوكيات يرفضها الإسلام، من مضموناتها القاعدة التي تقول: "الغاية تبرر الوسيلة"، فتمثيل الكاتب مغالطة فاضحة؛ لأن دلالة المكيافيلية طغت على دلالة اللفظة المفتوحة "غير"، ولو أننا قلنا: "مبدأ ديمقراطي"، فهل يعني أنه مضاد للإسلام بالضرورة؟ أبدا لا يكون كذلك إلا إذا توافرت في المبدأ المذكور صفات الضدية والمصادمة للقيم الإسلامية، الانتخابات مثلا مبدأ ديمقراطي؛ فهل نحكم بأنه مضاد للإسلام بالضرورة دون أن نعرف تفصيلاته؟.

إن الافتراض الضدي للصفات لون من السذاجة العقلية والنظرة العدائية للآخر، وسلوك خاطئ تسلكه الشعوب والقبائل البدائية والأفراد المتطرفون والسياسات الدولية المتسلطة، والذي تجسده العبارة المشهورة: " إما أن تكون معنا أو علينا"، وكم جنت هذه العبارة من آثام وخلفت من تطرف وإرهاب ومحن؟

إن غير الإسلامي لا يعني أنه غير مسلم، بل يعني أنه لم يصل إلى درجة, "الإحسان" في انغماس تجربته الأدبية بالهم الإسلامي والتعبير الحر الصادق عنه. وهذه ليست تهمة ولا إدانة، ولكنها تصنيف واقعي وحقيقي يظهر مدى الانخراط، الطوعي والاجتهاد العالي، وكل ميسر لما خلق له.

وهذا التصنيف يصدق على شرائح المجتمع المسلم في كل زمان ومكان، وليس على الأدب وحده، بل وفي سائر الفنون والعلاقات الاجتماعية وفعاليات الحياة الحسية والمعنوية الأخرى، وقد بين الله سبحانه وتعالى أنه تصنيف للناس في العبادة، فمن الناس من هو محسن ومنهم من هو مقتصد ومنهم من هو مقصر، فقال وهو أصدق القائلين: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات)(۲۸).

إن صفة مضاد للإسلام، التي ليسها الكاتب على نظرية الأدب الإسلامي تطلق عند أصحاب هذه النظرية على النص الذي تتوافر فيه صفات الضدية، وعلى الأديب الذي شاع في نتاجه الأدبي ما يصادم الإسلام واشتهر في مواقفه العلنية بهذه الضدية وبالإصرار عليها، وليست فلتات لسان أو نوعا من المبالغات الممجوجة، فعندما تنتشر في قصائد شاعر ما عبارات من مثل:

رجمت وجه الصبر والقبول

غنيت للأفول

رقصت فوق جثة الإله(2۹) 

........

مسافر تركت وجهي على

زجاج قنديلي

خريطتي أرض بلا خالق

والرقص إنجيلي(30)

........

أسيرة الدرب التي

توصل الله

إلى الستائر المسدلة

لعلني أبدله(31) 

من أنت من تختار يا مهیار

أنى اتجهت الله أو هاوية الشيطان

لا الله أختار ولا الشيطان

كلاهما جدار

كلاهما يغلق لي غيي

وهل أبدل الجدار بالجدار(۳۲) 

وهذا غيض من فيض يجعلنا لا ننفي عن قائلها صفة الضدية، وخاصة عندما لا نجد في نتاجه أي تراجع أو تصحيح لهذه السقطات، ولا أعتقد أن عاقلا يقبل بأقل من ذلك.

هل نهمل القصائد الإسلامية لغير الإسلاميين؟

اتهم الكاتب منظري الأدب الإسلامي ونقاده(33) بأنهم لا يتلفتون إلى القصائد التي تظهر بها والمعاني الإسلامية إذا لم تكن لمن يسمون بالأدباء الإسلاميين) أو لأدباء الرابطة وقد بينت فيما سبق وبكل وضوح أننا نعد النص الأدبي الإسلامي وحدة مستقلة له ظروفه الإبداعية الخاصة به، وأن تقويمه ينصب عليه شكلا ومضمونا وليس على صاحبه، وأننا خلافا لما اتهمنا به الكاتب لا نهمل الأعمال الأدبية الإسلامية لغير الأدباء الإسلاميين، وعلى العكس من ذلك تماما، نهتم بها مرتين، مرة لأنها أدب إسلامي، ومرة لأنها تأكيد لما نؤمن به من أن صوت الفطرة يصدر عن المسلم عندما تتاح له الفرصة مهما كان اتجاهه.. والأدب الإسلامي كما وصفه الأمراني أدب فطرة . وقد سلكناهذا السبيل في دراساتنا لنصوص أدبية لأدباء من مشارب شتى، ولم نقصرها على أدباء الرابطة كما ذهب الكاتب، وعندما نجد النص الأدبي الذي يحمل قيمة إيمانية لأديب تندر نتاجه مثل هذه النصوص نفرح بها، ولو كان لصاحبها نصوص أخرى تصادم القيم الإسلامية، ونثني عليها، ولو كنا هاجمنا نصوصه المصادمة للقيم الإسلامية، وأمثل لذلك بمثل قريب من يدي، فعندما كتبت كتابي «مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي"، استشهدت بعدد من التجاوزات  المرفوضة(34)، ومنها نص لبدر شاكر السباب يقول فيه:

فنحن جميعاً أموات

أنا ومحمد والله

وهذا قبرنا أنقاض مئذنة معفرة

عليها يكتب اسم محمد والله

على كسر مبعثرة من الآجر والفخار

فيا قبر الإله على النهار

ظل الألف حربة وفيل.

وقد عقبت على هذا النص والنصوص الأخرى المماثلة بالرفض والإدانة.

وعندما كنت أكتب كتابي قضايا أدبية: رؤية إسلامية(35)؛ عرضت فيه قصيدة للشاعر نفسه بعنوان "سفر أيوب" فيها تأملات وسبحات إيمانية عالية مثل قوله:

لك الحمد مهما استطال البلاء

ومهما استبد الألم

لك الحمد إن الرزايا عطاء

وإن المصيبات بعض الكرم

ألم تعطني أنت هذا الضياء

وأعطيتني أنت هذا السحر

فهل تشكر الأرض قطر الغمام

وتغضب إن لم يجدها المطر؟

وقمت بتحليل القصيدة كلها، وقدمتها شاهدا على التصور الإسلامي الصحيح للقدر من الشعر العربي الحديث، وأشدت بما تحمله من قيم فنية ومضمونية عالية.

بل وأمثل بأبعد من ذلك بالدراسة المستفيضة التي كتبها الأستاذ محمد الحسناوي رحمه الله - وهو من أعلام الأدب الإسلامي ورواده إبداعا وتنظيرا - عن الجوانب الأخلاقية في شعر نزار القباني، ونشرها أكثر من عدد من أعداد مجلة الآداب اللبنانية، وتتبع فيها المضامين الخلقية في شعر أكثر الشعراء في عصرنا الحديث تجاوزا القيم الخلقية في كثير من قصائده، ولم تمنع هذه الحقيقة الحسناوي من أن يبوح بالإيجابيات التي وجدها في بعض قصائد نزار. والشواهد على مثل هذه الكتابات كثيرة يمكن لأي باحث أن يتتبعها في القوائم المنشورة في موقع مكتبة الأدب الإسلامي على شبكة الإنترنت وعنوانها:  (adabislami.org).

إن منظري الأدب الإسلامي لم ولن يحصروا دراساتهم و أعضاء الرابطة، وما ذهب إليه الكاتب وهم واستقراء ناقص، وإن النص الأدبي الإسلامي بكسب إسلاميته من الخصائص التي تتوافر فيه، وتجعل المنظرين يهتمون به ويصفونه بتلك الصفة.

الشكل والمضمون في الأدب:

 بين الكاتب أن الأدب يتألف من الشكل والمضمون، وأن المعول عليه في وصفه بالأدبية هو الشكل لا المضمون(36)، وهذه مسلمة نقدية لا يجادل فيها أحد، ولكنه استخدمها لتجريد الأدب الإسلامي من صفة الأدبية، ومن القيم الجمالية، فوصفه بأنه "ثقافة إسلامية؛ لأنه يعنى بالفكر والتربية. أما الشق الآخر الذي يقال: إنه يعنى به، وهو الشق الجمالي، فهو غائب، ولا يمكن أن يظهر أصلا".

لقد وقع الكاتب في مقولته هذه في عدة أخطاء، في تجريد الأدب الإسلامي من الشكل، وتضييق مفهوم الأدب بعامة وعزله عن الفكر والثقافة، وحصر جماليات العمل الأدبي في «الشكل»، وتجريد «المعنى»، أو «المضمون» من أية قيمة جمالية.

وأما التهمة الأولى: غيبة الشكل عن الأدب الإسلامي؛ فلا أدري كيف ألغى آلاف القصائد والدواوين القديمة والحديثة لمئات الشعراء التراثيين والمتحدثين، وعشرات القصص والروايات والمسرحيات(3۷) وكيف افترض وهو المتخصص في الأدب أنها خلعت والشكل، الذي صيغت به ولم تحمل إلا الفكر والتربية؟ ولا أدري أيضا كيف غاب عنه تعريف الأدب الإسلامي الذي نصت عليه الرابطة وجعلته أول مبادئها والذي يبدأ بتحديد الشكل في العمل الأدبي، يقول التعريف: "الأدب الإسلامي(۳۸)

هو التعبير الفني الهادف عن الإنسان والحياة والكون وفق التصور الإسلامي"، وأول دلالات هذا التعريف هو أن الأدبية، شرط أساسي لتصنيف النص الأدب الإسلامي فإن لم يتحقق فيه هذا الشرط لا نقبله ولا نعده أصلا فيه، وقد مللنا من ترداد هذه المقولة لا كتبنا ومجلاتنا، وأكتفي هنا بمقطع نشر في مجلة الأدب الإسلامي يقول كاتبه فيه(۳۹): "فثمة بوابتان أساسيتان لا بد أن يمر بها العمل الأدبي، الأولى: بوابة المقاييس الفنية، حيث تفحص الأدوات الفنية بدقة وموضوعية تامتين، فإن وجدناها ضعيفة غير قادرة على التعبير عن المضمون ببراعة، أسقطنا عن هذا العمل مصطلح والأدب، وأرسلناه إلى ميدان الفكر أو أي میدان آخر يناسبه، وإن وجدناها قوية قادرة على التعبير عن المضمون ببراعة، مؤثرة في القراءة سمحنا للعمل الأدبي أن يتجاوز البوابة الأولى، وانتقلنا به إلى البوابة الثانية، وعند هذه البوابة تفحص مادة العمل الأدبي".

ويبدو أن مشكلة الكاتب مع منظري الأدب الإسلامي تكمن في الاستقراء الناقص أو تجنب الشواهد التي تخالف الأفكار المسبقة التي يتمسك بها.

والخطأ الثاني: الذي وقع فيه الكاتب في مقولته تلك هوتضييق مفهوم الأدب بعامة، وحصره في لون واحد من الشعر هو الشعر الغنائي، الذي لا يقبل السرد الفكري البارد والاحتشاد الثقافي المفتعل، ولكن هذا الشعر يقيل الفكرة المسكوية في موقف شعوري، ويتألق بالخلقيات الثقافية المتداخلة في نسيجه الداخلي على نحو قول المتنبي(40):

نحن بنو الموتى فما بالنا / نعاف ما لا بد من شربه

تبخل أيدينا بأرواحنا / على زمان هي من كسبه

فهذه الأرواح من جوه / وهذه الأجسام من تربه

لو فكر العاشق في منتهی / حسن الذي يسبيه لم يسبه

لم ير قرن الشمس شرقه / فشكت في الأنفسى غربه

يموت راعي الضأن في جهله / موتة جالينوس في طبه

وربما زاد علي عمره / وزاد الأمن على مقربه

وغاية المفرط في سلمه / كغاية المفرط في حربه

وكم احتفى بعض النقاد المعاصرين بقصائد صلاح عبد الصبور الفكرية،  وتغنوا بتأملات إيليا أبي ماضي الفلسفية، وإذا كان هذا اللون الذي يتجادل فيه النقاد الجماليون والنقاد المضمونيون يقبل الفكر والثقافة الممزوجين بتجربة الأديب، فما بالك بأجناس الأدب الأخرى: الشعر الموضوعي: القصصي والملحمي، ثم القصة والمسرحية؛ اللتان تقومان على العرض الفني للفكرة والقضية ، وتتغذيان بالمعطيات الثقافية الواسعة النفسية والاجتماعية والدينية والتاريخية... إلخ.

وشتان بين أن نقول: إن السرد الثقافي والفكري في العمل الأدبي يضيع أدبيته، وأن نقول «ما يسمى الأدب الإسلامي ثقافة إسلامية؛ لأنه يعني بالفكر والتربية(42).

ومع أننا لا نزعم ولا نقبل خلو الأدب الإسلامي من الفكر والتربية إلا أننا نضع - كما أسلفت - شرط الأدبية أولاً؛ لنعد العمل الأدبي الذي يحملها من الأدب الإسلامي، لأننا نؤمن بأدب الموقف الذي تمتزج فيه الفكرة بالشعور وتظهر القضية سواء كانت تربوية أو غيرها من خلال تفاعل وجداني صادق وقالب أدبي استكمل الحد الأدنى من أدواته الفنية.

وأما الخطأ الثالث؛ الذي وقع فيه الكاتب في مقولته تلك فهو: حصر جمالية العمل الأدبي في الشكل وحده كما نوهم عبارته الشق الآخر وهو الشق الجمالي، فقد تجاوز هذا الحصر كل ما قاله البلاغيون والنقاد قديما وحديثا عن القيمة الجمالية للمعنى سواء بمصطلحهم القديم "شرف المعنى"، أو بالمصطلح الجديد "جماليات الدلالة"،  ونسي أن ثلث البلاغة العربية تنصب في علم المعاني، التي كان وما زال البلاغيون يبحثون في أدبياتها ومواقع الحسن والجمال الذي تقعه.

هل غاب الشكل عن الأدب الإسلامية!؟

ذهب الكاتب إلى أن الأدب الإسلامي يفتقد جناح الشكل و الأدب والأدب طائر ذو جناحين: جناح المعنى، وجناح الشكل، إن قص أحدهما لم يستطع الطائر تحليقا، والأدب الإسلامي لا يمكن أن يكون له جناح شكلي(43).  

وقد توصل إلى هذا الحكم بناء على مقدمات أراد أن يثبت من خلالها عدم وجود خصوصية شكلية لهذا الأدب فقال (44): «لا يمكن في الشعر مثلا أن نفرق بين وزن إسلامي وآخر غير اسلامي، ولا يمكن أن نقول عن الاستعارة: إنها إسلامية أو غير ذلك، وليس له لفظ اسلامي وآخر غير إسلامي، وإنما تكتسب الألفاظ دلالاتها من السياق، أي حين تكون حاملة للمعنى، وكذلك الصورة الفنية ليس لها ارتباط بالإسلام أو انفكاك عنه؛ لأنها ترکیب لغوي محايد.

المعروف أن الشكل في كل عمل أدبي هو القالب، الذي يصاغ فيه بكل تفصيلانه ، فإن كان شعرا فالقالب هو القصيدة بكل قواعدها القديمة والحديثة الوزن؛ أي بحور الشعر المعروفة، والقافية والعلل.. وغير ذلك من قواعد العروض وإن كان نثراً فالقالب هو أحد فنون النثر الأدبي: المقالة والقصة والرواية والمسرحية... إلخ.

والقالب حيادي بالتأكيد يقبل المضمون الذي يلبسه أيا كان اتجاهه إسلامي أو غير إسلامي، والوزن الذي شاءل الكاتب عن الخصوصية الإسلامية فيه تركيب صوتي تصب فيه الألفاظ والعبارات، وعندما نقول مثلاً:

مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن / مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن

فإننا نعرض كلمات لا معنى لها تنتظر أن يلبسها الشاعر- أي شاعر - كلماته وعباراته، والشاعر الإسلامي الذي يصوغ شعره بالعربية واحد من هؤلاء، وكذلك الشاعر التركي الذي يصوغ شعره بالتركية يستخدم أوزان العروض التركي، وقل الأمر نفسه ي آداب الشعوب الإسلامية كلها، وهذا طبيعي لأدب ولد في أحضان تلك اللغات وتلبس أصولها وقواعدها، فهل يطلب الكاتب من هؤلاء الشعراء أن يصطنعوا عروضاً خاصاً لقصائدهم وأوزاناً غير الأوزان التي نشأت عليها ذائقتهم وأبدعت فيها قرائحهم؟ وهل يوجد أدب في الدنيا نشأ في أحضان لغات معينة ولم يستخدم القوالب التي نشأ فيها، من الكلاسيكية إلى الرومانسية إلى الواقعية الاشتراكية.. بل وإلى الأدب الأمريكي الذي نشأ أحضان اللغة الإنجليزية وأدب الكويبك الكندي الذي نشأ في أحضان اللغة الفرنسية؟ وهل صنعت الحداثة وما بعد الحداثة قوالب أدبية خاصة.

إن الخصوصية الشكلية محدودة بقدر ما تسمح به طبيعة الشكل، ففي الشعر لم ولن يصنع أحد عروضا جديدا ولا تفعيلات مختلفة، ولكنه يصنع إضافات إيقاعية جديدة بإعادة تشكيل المادة الإيقاعية الأساسية وتغيير نسق التفعيلات وفتح حدود الوزن كما فعل الشعر التفعيلي الذي تجاوز أنساق الوزن، وقد أثبتت الأيام أنه لم يستطع إلغاء التراث العروضي، وأن معظم أصحاب التجارب التجديدية أنفسهم لم يستغنوا عنه وقصائدهم التالية مثل السياب ونازك ونزار، وأن الشعر التفعيلي أصبح جدولا يسير إلى جانب النهر الكبير مثلما سار الموشح من قبله.

وفي الألفاظ والصور لم يصنع أي من التيارات والمذاهب الأدبية قوالب جديدة، إنما صنعوا قواميس من الألفاظ والصور والرموز والأقنعة الشائعة في أعمالهم الأدبية، وفي الميدان نفسه صنع الأدب الإسلامي قواميس من الألفاظ والصور والرموز والأقنعة المستمدة من القرآن الكريم والحديث النبوي وبقية التراث الإسلامي.

إن الاحتجاج الذي ساقه الكاتب لون من الجدل العقيم، لأن القوالب - كما يقول الكاتب نفسه - أبنية حيادية تستخدمها جميع الآداب والمذاهب بقواعدها أو بتعديلات محدودة فيها، ولا ضير في ذلك ولا منقصة، وسؤال الكاتب عن وجود الشكل ضرب من الأفتراض الخاطئ بأن كل مذهب أو تيار أدبي محلي أو عالمي ينبغي أن يصنع قوالب خاصة به، وفي يقيني أيضا أن المطلوب من الأديب أن يكون عمله مصوغا صياغة فنية عالية في أي قالب يختاره، وحتى في أية لغة يبدع فيها، ولا حرج ولا إلزام عليه في اختياره، المهم أن يبرع في صهر المضمون في الشكل لإخراج نص أدبي استكمل أدواته الفنية، ولئن كان الكاتب يحسب أن الأدب الإسلامي عالم خاص ينبغي أن يتميز بلغته وشكله ومضمونه عن الأدب العربي وآداب الشعوب الإسلامية فهذا تصور لم ولن يقع في خاطر منظري الأدب الإسلامي، ولا يجد هؤلاء المنظرون أية غضاضة في ذلك؛ لأن الأدباء الذين يدعون نصوص ذلك الأدب هم أبناء الشعوب التي ولدوا فيها، ونطقوا لغاتها ونمت ثقافاتهم وذائقاتهم في أحضانها، وسكبوا تجاربهم الشعورية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

۲۳- التعريف بالأدب الإسلامي ص10، رابطة الأدب الإسلامي، ط4، الرياض، 1427هـ/2006م.

24- المقال ص66.             

25- المقال ص۹۱-۹۲.

26- المقال، ص66.

۲۷- جاء في اللسان، غير من حروف المعاني ، تكون نفيا، وتكون بمعنى لا... وقيل: غير بمعنى سوى ، والجمع أغيار، وهي كلمة يوصف بها ويستثنى، فإن وصفت بها أتبعتها إعراب ما قبلها، وإن استثنيت بها أعربتها بالإعراب الذي يجب للاسم الواقع بعد إلا، وذلك أن أصل غير صفة. اللسان، مادة غير 5/2224، طبعة دار المعارف، مصر.

۲۸- سورة فاطر، الآية ۳۲.

۲9- الأعمال الكاملة أدونيس (علي أحمد سعيد) ، ص425،  دار العودة، بیروت، ۱۹۷۱م.

۳۰- الأعمال الكاملة ص 425.  

۳۱- السابق ص۱۹۷.

۳۲ - السابق ص2۹۷.

۳۳- انظر: المقال ص68، ۷۱، ۷۳.

34- انظر: مقدمة لنظرية الأدب الإسلامي ص60، دار المنارة، جدة، 1405هـ/1985م.    

35- انظر: قضايا أدبية رؤية إسلامية، ص51، مكتبة العبيكان، الرياض،1417هـ/1996م.

36- المقال، ص67.  

۳۷- انظر: موقع رابطة الأدب الإسلامي على شبكة الإنترنت التي

أشرت إليها من قبل.

38- انظر: تعريف الأدب الإسلامي ص8.

۳۹- بوابة النقد الثانية، مجلة الأدب الإسلامي، العدد ۳۸، سنة 1424هـ، ص75.

40- ديوان المتنبي، بشرح أبي البقاء العكبري 1/212، دار المعرفة، بيروت ۱۳۹۷هـ.

41- انظر مثلاً: شعر صلاح عبد الصبور الغنائي الموقف والأداة، أحمد

عبد الحي، ص 83-134، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة: ۱۹۸۸م.

42 – المقال، ص66.

43- المقال، ص67.

44- المقال، ص 66-67.

 

 

تعليقات القراء
أحاول أن أرسل إليكم دراسة وتحليلا حول رواية ميراث النار للدكتور إيهاب بديوي التي تدور حول إحقاق الميراث وتوزيعه العادل لأصحابه ..
فلا أجد لذلك سبيلا. .. أو أنني لم أعرف كيف أرسله إليكم رغم أنني فتحت صفحاتكم عبر الفيس .. وراسلتكم على الإيميل فلم تردوا جوابا!!!
فهل هناك سبب يمنع من نشر الدراسة ؟ !

علق برجاء التدقيق اللغوي لما يكتب